حب الأبرار الجزء الثالث

لقاءٌ تحتَ سماءٍ قلقة

بقلم مريم الحسن

تلاقتْ الأعينُ في ذلكَ المقهى الهادئ، حيثُ كانتْ رائحةُ القهوةِ العربيةِ تمتزجُ بعبقِ الياسمينِ المتسللِ من الحديقةِ الخارجية. كانتْ "ليلى" قد وصلتْ قبلَ "أحمد" بعشرِ دقائق، جلستْ قربَ النافذةِ تراقبُ المارةَ، وقلبها يخفقُ بعنفٍ كطائرٍ أسيرٍ يحاولُ التحررَ. ارتدتْ فستاناً بلونِ السماءِ الصافية، وقدْ نسقتْ معه حجاباً بلونِ اللؤلؤِ، لتُضفيَ على إطلالتها هالةً منَ الرقةِ والبراءة.

عندما رأتهُ قادماً، شعرَتْ بجسدها يرتعشُ. مشيتهُ كانتْ واثقةً، لكنَّها لمستْ في عينيهِ شيئاً منَ الضيقِ والقلقِ. جلسَ قبالتها، وابتسامةٌ باهتةٌ ارتسمتْ على شفتيه.

"مساءُ الخيرِ يا ليلى." قالَ، وصوتهُ كانَ أعمقَ منَ المعتاد.

"مساءُ النورِ يا أحمد. كيفَ حالكَ؟" ردتْ، محاولةً أنْ تبدوَ هادئةً، لكنَّ صوتها كانَ يشي بخلافِ ذلك.

طلبَ "أحمد" فنجاناً منَ القهوةِ، ثمَّ تنهدَ بعمقٍ. بدأَ حديثهُ بترددٍ، كلماتهُ تتثاقلُ وهي تخرجُ.

"ليلى، لديَّ أمرٌ يجبُ أنْ أخبركِ بهِ. أمرٌ يتعلقُ بمستقبلنا."

اتسعتْ عينا "ليلى"، وشعرتْ بأنَّ قلباً منَ الثلجِ قدْ بدأَ يغطي قلبها. "ما هوَ يا أحمد؟" سألتْ، وصوتها أصبحَ بالكادِ مسموعاً.

"والديَّ... يريدانِ أنْ أتزوجَ منْ ابنةِ عمي، فاطمة." قالَها "أحمد" بنبرةٍ تحملُ مزيجاً منَ الأسفِ والإكراه. "لقدْ أبديا إصراراً كبيراً، وبدأتْ الضغوطُ تتزايدُ. أخشى أنْ يكونَ قدْ تمَّ اتخاذُ القرارِ بالفعلِ، وأنْ تكونَ الخطبةُ وشيكةً."

نظرتْ "ليلى" إلى "أحمد"، ولمْ تستطعْ أنْ تُخفيَ الألمَ الذي ارتسمَ على وجهها. شعرتْ وكأنَّ الأرضَ قدْ انشقتْ وابتلعتْ كلَّ أحلامها. كانَ هذا هوَ الجدارُ الذي كانتْ تخشاهُ، الحاجزُ الذي بدا لها منيعاً.

"ولكن... ولكن ماذا عني يا أحمد؟ وماذا عنْ حبنا؟" سألتْ، ودموعٌ بدأتْ تتلألأُ في عينيها.

"واللهِ يا ليلى، أحبكِ، وأحببتكِ منذُ اليومِ الأول. لمْ يتغيرْ شيءٌ في قلبي. لكنَّني... لكنَّني محاصرٌ. والديَّ... لا أستطيعُ أنْ أخذلهم. إنهم يرون في زواجي منْ فاطمةِ مصلحةً للعائلةِ، وواجبٌ عليَّ أنْ أُطيعهم." قالَ "أحمد"، وكانَ يشعرُ بالذنبِ ينهشُ روحه.

"الطاعةُ للوالدينِ واجبٌ، أعرفُ ذلكَ. ولكنْ، أليستْ سعادتنا أيضاً منْ أولوياتهم؟ ألمْ يفكرا في مدى الألمِ الذي سيُلحقُ بقلبٍ قدْ اختاركَ؟" قالتْ "ليلى"، وصوتها يعلو قليلاً، ممزوجاً بالغضبِ المكبوتِ والحزنِ العميق.

"ليلى، أرجوكِ، افهمي. أحاولُ جاهداً أنْ أجدَ حلاً. أنْ أُرضيَ الجميعَ. ربما... ربما يمكننا أنْ نتحدثَ معهم. أنْ أوضحَ لهمْ مدى حبي لكِ، ومدى رغبتي في إكمالِ حياتي معكِ." قالَ "أحمد"، وكانَ يحاولُ أنْ يجدَ بصيصَ أملٍ في عينيهِ.

"تحدثتَ معهم؟ هلْ أبديتَ لهمْ رغبتَكَ؟ أمْ أنَّكَ استسلمتَ للواقعِ قبلَ أنْ تُحاولَ تغييرهُ؟" سألتْ "ليلى"، وكانتْ قدْ استجمعتْ بعضَ قوتها.

"لمْ أستسلمْ. ولكنَّني رأيتُ الإصرارَ في أعينهم. لقدْ اتخذوا قرارهم. ولا أعرفُ كيفَ سأواجههم بعدَ هذا." أجابَ "أحمد"، وكانتْ كلماته تحملُ وزناً ثقيلاً.

صمتتْ "ليلى" لبرهةٍ، ثمَّ قالتْ بصوتٍ هادئٍ ولكنْ حازمٍ: "إذا كانَ الأمرُ كذلكَ يا أحمد، فإنَّني أخشى أنْ تكونَ حبنا قدْ وُضعتْ على محكٍ قاسٍ. الحبُّ الصادقُ لا يُبنى على التنازلاتِ الظالمةِ. إذا كانتْ عائلتكَ هيَ كلُّ شيءٍ، فإنَّني أفهمُ. ولكنْ، تذكرْ أنَّ القلوبَ لها حقٌ أيضاً."

كانتْ هذهِ الكلماتُ كالصدمةِ لـ"أحمد". لمْ يتوقعْ منها أنْ تقولَ شيئاً كهذا. كانَ يظنُّ أنها ستُعاتبهُ، ستُبكيه، ولكنْ ليسَ بهذا الهدوءِ القاتلِ.

"ليلى، لا تقولي هذا. أنتِ كلُّ شيءٍ بالنسبةِ لي. ولكنْ، كيفَ لي أنْ أُقاطعَ والديَّ؟ كيفَ لي أنْ أُسببَ لهمْ الأذى؟" قالَ "أحمد"، وشعرَ بأنَّه يقفُ بينَ نارين.

"أحمد، لمْ أطلبْ منكْ أنْ تُقاطعَ أحداً. طلبتُ منكْ أنْ تُقاتلَ من أجلِنا. أنْ تُظهرَ لهمْ أنَّ هذا الحبَّ يستحقُّ التضحيةَ. إذا كانَ حبنا هشاً لهذهِ الدرجةِ، فربما لمْ يكنْ يستحقُّ أنْ نبدأهُ أصلاً." قالتْ "ليلى"، وصوتها كانَ يرتجفُ قليلاً.

وقفَ "أحمد" منْ مقعدهِ، وذهبَ إلى النافذةِ. نظرَ إلى السماءِ، ثمَّ عادَ لينظرَ إليها. "ليلى، أنا آسفٌ. آسفٌ لأنني لمْ أستطعْ أنْ أحميكِ منْ هذا. آسفٌ لأنني لمْ أكنْ قوياً بما يكفي."

"القوةُ ليستْ في الاستسلامِ يا أحمد. القوةُ في المواجهةِ." قالتْ "ليلى"، ثمَّ نهضتْ ببطءٍ. "أظنُّ أنَّ علينا أنْ نفكرَ ملياً. أظنُّ أنَّ هذا اللقاءَ لمْ يحلَّ شيئاً، بلْ زادَ الأمورَ تعقيداً."

"انتظري يا ليلى، أرجوكِ." قالَ "أحمد"، وقدْ شعرَ باليأسِ يتملكُه.

"ما الذي تنتظرُه يا أحمد؟ أنْ يأتيَ القرارُ ليُطرقَ بابنا؟ أنْ أرىَ اسمي يُستبعدُ كأنني لمْ أكنْ شيئاً؟" قالتْ "ليلى"، وبدأتْ دموعها تنهمرُ بغزارة.

"ليلى، أرجوكِ. لا تدعيهمْ يفرقونَ بيننا. سأحاولُ. واللهِ سأحاولُ." قالَ "أحمد"، ونبرتهُ كانتْ مليئةً بالرجاءِ.

نظرتْ إليهِ "ليلى" بنظرةٍ تحملُ مزيجاً منَ الحزنِ والأملِ المتردد. "أتمنى ذلكَ يا أحمد. ولكنَّني أخشى أنْ تكونَ الأقدارُ قدْ نسجتْ خيوطاً أخرى."

تركتْ "ليلى" المقهى، وقلبها ينزفُ ألماً. ورأى "أحمد" ظلها يبتعدُ، كأنها شبحٌ منْ ماضٍ جميلٍ بدأَ يتلاشى. شعرَ بالوحدةِ تغمره، وبأنَّه قدْ خسرَ شيئاً ثميناً، ليسَ لأنهُ لمْ يُقاتلْ، بلْ لأنهُ لمْ يجرؤْ على الوقوفِ بقوةٍ أمامَ ما يريدُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%