حب الأبرار الجزء الثالث

خطواتٌ على طريقٍ مسدود

بقلم مريم الحسن

كانَ "أحمد" يشعرُ بثقلِ الأيامِ يزدادُ معَ كلِّ صباح. كانتْ والدتُهُ قدْ أسرعتْ في ترتيبِ لقاءٍ معَ "فاطمة" دونَ علمهِ، وأخبرتهُ بأنَّهُ يجبُ أنْ يحضرَ لهذا اللقاءِ كنوعٍ منَ الواجبِ الاجتماعيِّ. كانَ يعلمُ أنَّ والدتهُ تُمارسُ ضغوطاً مستمرةً، وأنَّها تستغلُّ أيَّ فرصةٍ لتقريبِ المسافةِ بينهُ وبينَ ابنةِ عمّهِ.

لمْ يكنْ "أحمد" سعيداً بهذا. لقدْ أدركَ حجمَ المأزقِ الذي وجدَ نفسهُ فيه. أحبَّ "ليلى" بصدقٍ، ورأى فيها شريكةَ حياتهِ. ولكنَّهُ في نفسِ الوقتِ، كانَ يشعرُ بالمسؤوليةِ تجاهَ والديهِ. كانوا يرون في زواجهِ منْ "فاطمة" ضمانةً لاستمراريةِ العلاقاتِ العائليةِ، وتقويةً لوضعِ العائلةِ.

قررَ "أحمد" أنْ يواجهَ "فاطمة" قبلَ لقائهِ بالوالدةِ. اتصلَ بها، وطلبَ منها أنْ تلتقيا في مكانٍ عامٍّ وهادئ. عندما التقيا، في حديقةٍ كانتْ تتزينُ بأشجارِ النخيلِ، وجلسا على مقعدٍ حجريٍّ، بدأَ "أحمد" حديثهُ بترددٍ.

"فاطمة، أردتُ أنْ أتحدثَ معَكِ بصدقٍ. لدينا لقاءٌ معَ والدتي غداً، وأعلمُ أنَّ الموضوعَ يدورُ حولَ الزواجِ."

نظرتْ إليهِ "فاطمة" بعينينِ هادئتين. كانتْ فتاةً رزينةً، ولكنَّها كانتْ تشعرُ ببعضِ التوترِ أيضاً. "أعلمُ يا أحمد. لقدْ تحدثتْ معي والدتكَ. وقالتْ إنَّكُم ترون في زواجنا أمراً جيداً."

"نعم. ولكنْ، أنا... أنا أريدُ أنْ أكونَ صادقاً معَكِ. قلبي ليسَ لكِ يا فاطمة. لقدْ أحببتُ شخصاً آخرَ، وأريدُ أنْ أتزوجَها. إنَّه "ليلى"." قالَ "أحمد"، وكانتْ كلماته تخرجُ بصعوبةٍ.

اتسعتْ عينا "فاطمة" بصدمةٍ. لمْ تتوقعْ هذهِ الصراحةَ. كانَتْ قدْ سمعتْ عنْ "ليلى" منْ والدةِ أحمد، ولمْ تكنْ تنظرُ إليها كمنافسةٍ حقيقيةٍ.

"ليلى؟ هلْ أنتَ جادٌ يا أحمد؟" سألتْ بصوتٍ مرتجفٍ.

"نعم، أنا جادٌّ. أحببتُها بصدقٍ، ورأيتُ فيها شريكةَ حياتي. أنا أفهمُ أنَّ هذا قدْ يكونُ صعباً عليكِ، ولكني أردتُ أنْ أكونَ صريحاً معكِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخر. والدتي وأبي يرون أموراً مختلفةً، ولكنَّ مشاعري هيَ الحقيقية."

"ولكنَّ والدتكَ... لقدْ أقنعتني بأنَّكُم عائلةٌ واحدةٌ، وأنَّ زواجنا سيُقوّي الروابطَ." قالتْ "فاطمة"، وبدأتْ الدموعُ تتسللُ إلى عينيها.

"والدتي لديها رؤيتها الخاصةُ للأمورِ. ولكنَّني لا أستطيعُ أنْ أُجبرَ قلبي على حبِّ شخصٍ لا أحبهُ. الزواجُ أمانةٌ، ولا يجبُ أنْ يُبنى على مجردِ التوافقِ العائليِّ أو الاجتماعيِّ."

"ولكنْ، ماذا سيحدثُ الآن؟ إذا كنتَ تحبُّ غيري، فكيفَ يمكنُ أنْ أتزوجَكَ؟" سألتْ "فاطمة"، وقدْ شعرتْ بأنَّ حلمها بالزواجِ من "أحمد" قدْ بدأَ يتلاشى.

"لا أعرفُ بالضبطِ. ولكنَّني سأحاولُ أنْ أُقنعَ والديَّ. سأُخبرهمْ أنَّ سعادتي، وسعادتكِ أيضاً، تكمنُ في أنْ نكونَ معَ منْ نحبُّ. إذا لمْ يتفهموا، فقدْ أضطرُّ لاتخاذِ قراراتٍ صعبةٍ. ولكنْ، أردتُ أنْ أعرفَ رأيكِ. هلْ يمكنكِ أنْ تعيشي معَ رجلٍ لا يُحبكِ؟"

نظرتْ "فاطمة" إلى "أحمد"، ثمَّ إلى الأرضِ. صمتتْ لبرهةٍ، ثمَّ قالتْ بصوتٍ خفيضٍ: "لا أعتقدُ ذلكَ يا أحمد. الزواجُ بدونِ حبٍّ، هوَ قفصٌ."

"شكراً لكِ على تفهمكِ يا فاطمة. هذهِ الشجاعةُ منكِ تُقدَّرُ كثيراً." قالَ "أحمد"، وشعرَ بنوعٍ منَ الارتياحِ، ولكنهُ كانَ يدركُ أنَّ هذهِ ليستْ نهايةَ القصةِ، بلْ بدايةٌ لمرحلةٍ جديدةٍ منَ الصراعِ.

عندما عادَ "أحمد" إلى المنزلِ، كانتْ والدتُهُ في انتظارِهِ. لمْ تكنْ تنتظرُ منهُ لقاءً بـ"فاطمة"، بلْ كانتْ تُخططُ لمفاجأةٍ.

"أحمد، عزيزي. لقدْ رتبتُ لقاءً عائلياً كبيراً يومَ الجمعةِ القادمةِ. سنُعلنُ فيهِ خطبتكَ منْ فاطمةَ رسمياً. لقدْ أرسلتُ الدعواتِ بالفعلِ." قالتْ والدةُ أحمدَ بابتسامةٍ واسعةٍ.

تجمدَ "أحمد" في مكانِهِ. لمْ يستطعْ أنْ يُصدقَ ما سمعَ. "ماذا؟ أمي، أنتِ جادةٌ؟ كيفَ فعلتِ هذا دونَ أنْ تُخبريني؟"

"لا تقلقْ يا بني. لقدْ اتخذتُ القرارَ نيابةً عنكَ. فاطمةٌ فتاةٌ رائعةٌ، وستكونُ زوجةً مثاليةً لكَ."

"ولكنَّني... ولكنَّني لا أريدُ الزواجَ منها يا أمي. لقدْ أخبرتكَ أنَّ قلبي معَ ليلى." قالَ "أحمد"، وشعرَ بالغضبِ يتصاعدُ بداخله.

"ليلى؟ ليلى التي لا نسبَ لها؟ ليلى التي لا تملكُ شيئاً؟ أحمد، هذهِ ليستْ خياراتٍ لنا. عائلتنا لها مكانتُها، ولا يمكنُ أنْ نُضعفَها بفتاةٍ كهذهِ." قالتْ والدةُ أحمدَ بنبرةٍ لا تخلو منَ الاستعلاء.

"أمي، أنتِ لا تفهمينَ. ليلى ليستْ مجردَ فتاةٍ. إنها الروحُ التي أريدُ أنْ أعيشَ معها. إنها السكنُ والمودةُ التي بحثتُ عنها."

"هذهِ أحلامُ الشبابِ يا أحمد. الواقعُ شيءٌ آخرُ. سوفَ تتزوجُ منْ فاطمةَ، وهذا هوَ القرارُ." قالتْ والدةُ أحمدَ بحزمٍ، ولمْ تكنْ مستعدةً للاستماعِ إلى حججِ ابنها.

شعرَ "أحمد" بأنَّهُ محاصرٌ. حاولَ أنْ يُدافعَ عنْ حبّهِ، ولكنَّ كلماتِ والدتِهِ كانتْ كالسدِّ المنيعِ. شعرَ بأنَّهُ يفقدُ السيطرةَ على حياتهِ، وأنَّ مصيرَهُ قدْ أصبحَ مُسجلّاً بيدِ الآخرين.

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "ليلى" تعيشُ لحظاتٍ منَ القلقِ المتزايد. لمْ تسمعْ منْ "أحمد" منذُ أيامٍ، وكانتْ قلقةً عليهِ. كانتْ تعلمُ أنَّه يتعرضُ لضغوطٍ، ولكنَّها لمْ تكنْ تتوقعْ أنْ تصلَ الأمورُ إلى هذا الحدِّ.

فجأةً، وصلتها رسالةٌ قصيرةٌ منْ رقمٍ مجهولٍ: "الخطبةُ ستُعلنُ يومَ الجمعةِ. لا تذهبي إلى هناكِ. لا تنتظريهِ."

قرأتْ "ليلى" الرسالةَ، وشعرتْ ببرودةٍ تسري في عروقها. هلْ هذا حقاً ما سيحدثُ؟ هلْ سيُعلنُ "أحمد" خطبتَهُ منْ "فاطمة"؟ شعرتْ بقلبها ينقبضُ، وبأنَّ الأملَ الذي بدا يتجددُ قدْ خبا فجأةً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%