حب الأبرار الجزء الثالث

سحابة الظن وأثرها

بقلم مريم الحسن

كانت الأيام تمضي ثقيلة، تحمل معها غيومًا كثيفة من الشك والريبة، تلقي بظلالها على سماء صفاء آل عمران. لم يعد لقاء الأستاذة سارة بـ "عمار" بريئًا كما بدا في البداية. كانت الأفكار تتصارع في صدرها، بين ما تراه عيناها وما تحس به روحها. عمار، الشاب الهادئ، الذي بدا لها ملاذًا آمنًا بعد عاصفة الماضي، قد تحول في نظرها إلى لغزٍ مبهم، تتناثر فيه خيوطٌ رمادية تثير القلق.

في أحد الأيام، بينما كانت سارة تراجع بعض الأوراق في مكتبها، تلقّت رسالةً عبر البريد الإلكتروني من حسابٍ مجهول. فتحتها بفضولٍ ممزوجٍ بحذر، فإذا بها صورٌ متفرقة، يظهر فيها عمار في لقاءاتٍ حميمة مع امرأةٍ لم ترها من قبل. كانت الصور لا تحمل أي دليلٍ قاطع على طبيعة العلاقة، لكن الابتسامات المتبادلة، والقرب الجسدي، كلّها كانت كفيلةً بإشعال نار الشك في قلب سارة. تكررت الرسائل، تحمل تعليقاتٍ مبهمة، تلمّح إلى أن هذه المرأة ليست غريبةً عن حياة عمار، وأن هناك ما يخفيه عنها.

تسارعت أنفاس سارة، وشحب وجهها. جلست على كرسيها، محاولةً استيعاب ما رأته. هل يمكن أن يكون عمار قد خدعها؟ هل كلّ تلك الكلمات الرقيقة، النظرات الصادقة، كانت مجرد تمثيلٍ بارع؟ لم تستطع أن تصدّق ذلك. كانت تعرف عمار، أو على الأقل، كانت تظن أنها تعرفه. لكن الصور كانت أمامه، تشهد بما لا يدع مجالًا للشك.

قررت أن تواجهه. لم تستطع الانتظار أكثر. اختارت وقتًا مناسبًا، بعيدًا عن أعين الفضوليين، ودعته للقائها في حديقة الجامعة الهادئة، بعيدًا عن صخب الحياة. عندما وصل عمار، ابتسم ابتسامته المعتادة، لكن سارة لم تستطع أن تبادله الابتسامة. كان البرد يتسلل إلى روحها، وهو ما لم يعتد عليه عمار منها.

"هل كلّ شيءٍ على ما يرام، أستاذة سارة؟" سأل عمار بلهجةٍ قلقة. نظرت سارة في عينيه مباشرةً، وقالت بصوتٍ يرتجف قليلاً: "عمار، أريد أن أرى شيئًا." مدّت يدها نحوه، وأخرجت هاتقها، تعرض عليه الصور.

تجمد عمار في مكانه، واتسعت عيناه بصدمةٍ واضحة. لم يكن يتوقع هذا أبدًا. شحب وجهه هو الآخر، وبدا كأنّ الهواء قد انقطع من رئتيه. صمتٌ ثقيلٌ ساد المكان، لم يقطعه سوى زقزقة العصافير التي بدت وكأنها تسخر من هذا المشهد الحزين.

"من... من أرسل لكِ هذه الصور؟" سأل عمار بصوتٍ بالكادٍ يُسمع. "هذا ليس المهم الآن، عمار. المهم هو حقيقتها." قالت سارة، وعيناها تترقرق بالدموع. "من هي هذه المرأة؟ وما علاقتك بها؟"

ارتبك عمار، وبدأ يتمتم بكلماتٍ غير واضحة. كانت الارتباكات تتزايد، مما زاد من شكوك سارة. "أتعتذر عن كلّ شيءٍ حدث؟" سألت سارة بمرارة. "أم أنك تخطط لمزيدٍ من الأكاذيب؟"

"لا، لا أبداً." قال عمار، محاولًا استعادة رباطة جأشه. "هذه الصور... هي سوء فهمٍ كبير." "سوء فهم؟" رفعت سارة حاجبها. "هل القرب الذي يظهر في الصور، والابتسامات، كلها مجرد سوء فهم؟"

"أنا... أنا على وشك شرح كلّ شيءٍ لكِ." قال عمار، وأخذ نفسًا عميقًا. "لكن ليس هنا. ليس الآن." "متى إذًا؟" سألت سارة، وقد دبّ فيها اليأس. "بعد أن أكتشف كلّ شيءٍ بنفسي؟ بعد أن يتغلغل الألم في قلبي أكثر؟"

"أرجوكِ، ثقي بي." توسل عمار. "أنا لم أخنكِ أبدًا، ولم أكذب عليكِ. هناك تفسيرٌ لكلّ هذا، وسأقدّمه لكِ قريبًا جدًا." "قريبًا؟" تكررت الكلمة وكأنها صدىً لماضيٍ مليءٍ بالوعود الكاذبة. "لقد تعبتُ من الوعود، عمار. أريد الحقيقة. أريدها كاملةً، غير منقوصة."

أمسك عمار بيد سارة، لكنها انتزعت يدها بسرعة. "لا تلمسني." قالت ببرودٍ مفاجئ. "حتى تعرف الحقيقة، لا أريدك أن تلمسني." وقف الاثنان في صمتٍ مطبق، تفصل بينهما مسافةٌ لم تكن مجرد أمتار، بل كانت فجوةً سحيقةً ملأتها سحابة الظن. أدارت سارة ظهرها لعمار، ومشيت مبتعدةً، تاركةً إياه واقفًا وحيدًا في الحديقة، تحت وطأة الشك الذي بدأ يقضي على كلّ أمل. كانت تلك لحظةٌ فاصلة، نقطةُ تحوّلٍ لا رجعة فيها، بدأت فيها رحلةٌ شاقةٌ نحو استجلاء الحقيقة، مهما كان ثمنها. لم تكن تعلم سارة أن هذه الصور، وهذا اللقاء، ما هما إلا بدايةٌ لأمواجٍ عاتيةٍ ستضرب حياتهما، وستكشف عن أسرارٍ دفنت طويلًا، وتضع قيم الحبّ والصدق على المحكّ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%