حب الأبرار الجزء الثالث
اعترافٌ مريرٌ وكشفٌ للحقيقة
بقلم مريم الحسن
لم تستطع سارة النوم تلك الليلة. كانت الأفكار تتصارع في رأسها، كلّ معلومةٍ جديدةٍ كانت تزيد من تعقيد الأمور. صورة عمتها مع السيدة وداد، كلمات السيدة ليلى عن حزنها وفقدانها، العثور على التحفة التي تخصّ عمتها في مقتنيات السيدة وداد. كلّ هذا بدأ يشكل خريطةً غامضة، لكنها بدأت تظهر ملامحها.
في صباح اليوم التالي، قررت سارة أن تواجه عمار مرةً أخرى. هذه المرة، لم تكن تريد مجرد إجابات، بل كانت تريد تفسيرًا كاملًا. ذهبت إلى مقر عمله، وطلبت مقابلته. عندما سمح لها بالدخول، وجدته جالسًا على مكتبه، شارد الذهن، ويبدو عليه الإرهاق.
"عمار." قالت سارة بصوتٍ ثابت، يخفي وراءه عاصفةً من المشاعر. رفع عمار بصره، وبدا عليه الارتياح لرؤيتها، لكنه سرعان ما عاد القلق ليحتلّ مكانه. "سارة! لقد كنتُ أفكر فيكِ." "أنا أيضًا كنتُ أفكر فيك." قالت سارة، وجلست أمامه. "لكن ليس بالطريقة التي تتوقعها."
مدّت يدها، ووضعت صورةً بينهما. لم تكن صورةً لعمار مع امرأة، بل كانت صورةً لعمتها أمينة، وصورةً للسيدة وداد. نظر عمار إلى الصورتين، وتفاجأ. "هذه... هذه السيدة وداد. لماذا لديكِ صورتها؟"
"لا يهمّ لماذا لديّ صورتها الآن." قالت سارة، بلهجةٍ فيها تحدٍّ. "المهم هو علاقتها بعمتي أمينة، وعلاقتها بك." ارتعش جسد عمار. بدأ يدرك أن الأمر أصبح جديًا، وأن سارة قد بدأت تكشف بعض الأسرار. "سارة، أنا..."
"لا تقل لي إنها مجرد سوء فهمٍ آخر." قاطعته سارة، بصوتٍ قوي. "لقد اكتشفتُ الكثير. اكتشفتُ أن هذه المرأة، السيدة وداد، كانت صديقةً عزيزةً لعمتي. واكتشفتُ أنها فقدت زوجها وابنها. وأظنّ أنها تعلم شيئًا عن ماضي عائلتي."
صمت عمار. كان الصمت أبلغ من أيّ كلام. بدت عيناه تتجهان إلى الأعلى، وكأنه يبحث عن كلماتٍ تخرجه من هذا المأزق. "عمار، أنا أحتاج للحقيقة." قالت سارة، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها. "قل لي كلّ شيء. من هي هذه المرأة؟ وما علاقتها بك؟ وما سرّ هذه الصور التي وصلني؟"
بعد لحظةٍ طويلة، تنهد عمار بعمق. بدا وكأنه يحمل ثقل العالم على كتفيه. "سارة، أرجوكِ، استمعي لي جيدًا." قال بصوتٍ خافت. "كلّ ما قلتِه صحيح. السيدة وداد كانت صديقةً مقربةً لعمتك أمينة. وكانت تربطهما علاقةٌ قوية جدًا. لقد كانت أمينة بمثابة العائلة لها بعد فقدان زوجها وابنها."
"لكن هذا لا يفسر علاقتك بها." قالت سارة، بلهجةٍ قاسية. "بل يفسرها." قال عمار، ونظر في عيني سارة. "عمتك أمينة، رحمها الله، لم تكن مجرد صديقة للسيدة وداد، بل كانت أيضًا... كانت والدة."
صدمةٌ كهربائيةٌ مرت في جسد سارة. "ماذا؟" همست، غير مصدقةٍ لما سمعت. "نعم." أكمل عمار. "والدة. السيدة وداد هي والدتي البيولوجية."
لم تستطع سارة أن تنبس ببنت شفة. كانت الكلمات تتردد في أذنيها، غير مستوعبة. والدة عمار؟ والدة السيدة وداد؟ وهذا يعني أن السيدة وداد هي... "السيدة وداد هي أمي." قال عمار، ودمعةٌ وحيدةٌ سقطت على خده. "لكنني لم أعرف ذلك إلا مؤخرًا. أمينة، رحمها الله، لم تخبرني أبدًا. كانت تخاف أن أفقدها، أو أن أتأثر بذلك. لقد ربّتني كابنٍ لها، وأنا أحببتها وأحترمتها كثيرًا."
"لكن... لكن لماذا لم تخبركِ؟" سألت سارة، وما زالت في حالةٍ من الذهول. "كانت هناك أسبابٌ معقدة." قال عمار. "لقد كانت السيدة وداد تبتعد عن حياتي عمدًا، لحمايتي، ولأنها كانت تعتقد أن ذلك هو الأفضل. لكن بعد وفاة أمينة، بدأت أموري تتكشف. وجدتُ بعض الرسائل، وبعض الوصايا، التي أشارت إلى الحقيقة."
"والصور؟" سألت سارة. "لماذا أرسلوا لكِ الصور؟" "أمي، السيدة وداد، هي من أرسلتها." قال عمار. "لقد كانت تريد أن تريني أنها لا تزال موجودةً في حياتي، وأنها تهتم لأمري. وأنها لم تنسني أبدًا."
"لكن هذا لم يكن الطريقة الصحيحة، عمار!" قالت سارة، وقد استعادت بعضًا من غضبها. "لقد كنتَ تخفي عني كلّ هذا! كنتَ تسمح لي بأن أظنّ بك الظنون!" "لم أكن أعرف كيف أقول لكِ." قال عمار، بصوتٍ مليءٍ بالندم. "كنتُ خائفًا جدًا أن أخسركِ. كنتُ أعرف أنكِ تقدرين أمينة كثيرًا، ولم أرد أن أخيب ظنكِ بها، أو بي. لكنني تعلمتُ الآن أن الصدق هو أفضل طريق، مهما كان صعبًا."
"وهل أنتَ مستعدٌ الآن لأن تواجه والدتك؟" سألت سارة. "نعم." قال عمار. "لقد طلبتُ منها أن نلتقي، وأن أرى ما لديها لتقوله. وأنا أريدكِ أن تأتي معي."
نظر عمار إلى سارة، بلهجةٍ مليئةٍ بالأمل. "سارة، أنا أحبكِ. وأنا لا أريد أن أخسر علاقتنا بسبب الماضي. لقد كانت هناك أسرارٌ دفنت طويلًا، لكننا الآن سنواجهها معًا. هل ستساعدينني؟"
نظرت سارة إلى عمار، ورأت الصدق في عينيه. لقد كان مؤلمًا، لكنه كان ضروريًا. لقد كان اكتشافًا هائلًا، نقطة تحوّلٍ حقيقية. لقد أصبحت الحقيقة واضحةً الآن، لكن الطريق لم يكن قد انتهى بعد. كان هناك لقاءٌ آخر ينتظرهم، لقاءٌ مع شبحٍ من الماضي، وأمٍّ ضلت طريقها.