حب الأبرار الجزء الثالث
رحلة استكشاف في دروب الشك
بقلم مريم الحسن
في تلك الأثناء، وبينما كانت ليلى تستغرق في أفكارها، كانت مكالمة الحاج عبد الرحمن مع السيد فؤاد في دبي تزداد حدة. كان فؤاد، الرجل الذي أمضى سنواتٍ طويلةً في خدمة آل الحسيني، شخصاً يتسم بالجدية والالتزام، لكن صوته في هذه اللحظة كان يحمل نبرةً تثير القلق.
"يا حاج، الوضع هنا متوترٌ جداً." قال فؤاد بصوتٍ مكتوم، وهو يتهامس، وكأنما يتحدث من مكانٍ غير آمن. "ماذا يحدث يا فؤاد؟ تحدث بوضوح." أمر الحاج عبد الرحمن، وقلبه يبدأ بالخفقان بقلق. "الصفقة التي كنا نعمل عليها... هناك مشاكل. يبدو أن أحد المنافسين قد حصل على معلوماتٍ حساسةٍ عن خططنا، وبدأ في الضغط على الموردين والشركاء المحتملين." "من هذا المنافس؟ وهل لديكَ أي دليلٍ على ذلك؟" "الشكوك تحوم حول شركة "النجم الساطع". لديهم تاريخٌ في استخدام أساليب غير أخلاقية، ولكن إثبات ذلك صعب. لقد بدأتُ في استقصاء الأمر، ولكني بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الوقت."
ساد صمتٌ ثقيلٌ بينهما. الحاج عبد الرحمن، الذي اعتاد على أن تكون الأمور تحت سيطرته، شعر بخيبة أملٍ خفيفة. كانت صفقة "النجم الساطع" استثماراً استراتيجياً، وقد استنزفت الكثير من جهده ووقته. "حسناً يا فؤاد. استمر في جهودك، وأبلغني بأي مستجدات. ولكن، احذر. لا تضع نفسك في خطرٍ غير ضروري." "مفهوم يا حاج. سأكون حذراً."
انتهت المكالمة، ووقف الحاج عبد الرحمن في مكتبه، وعيناه شاخصتان نحو الخارج، وكأنما يبحث عن إجاباتٍ في زرقة السماء. لم يكن يميل إلى الشك، لكن خبرة سنواتٍ طويلةٍ علمته أن عالم التجارة لا يخلو من المؤامرات.
في تلك الأثناء، كانت ليلى قد عادت إلى مكتبها، وبدأت في مراجعة بعض الرسائل الإلكترونية. لفت انتباهها بريدٌ إلكترونيٌ من عنوانٍ غير مألوف، يحمل عنواناً غامضاً: "تحذيرٌ هامٌ بخصوص استثماراتكم." ترددت ليلى قليلاً قبل فتحه. الشك هو أولى درجات الحذر، وقد تعلمت من والدها أن لا تأخذ الأمور باستخفاف.
فتحت الرسالة، وجدتها مكتوبةً بلغةٍ رسمية، لكنها تحمل تحذيراً مباشراً. "عزيزتي الأستاذة ليلى الحسيني، نكتب إليكم بناءً على معلوماتٍ مؤكدةٍ حول وجود مخاطرٍ غير متوقعةٍ تهدد صفقة "النجم الساطع" التي تسعون لإتمامها. يبدو أن هناك جهاتٍ تسعى لخلق عقباتٍ أمام نجاحكم، وقد تكون هذه العقبات متعلقةٌ بتسريب معلوماتٍ استراتيجية. نوصي بشدةٍ بإعادة تقييم الوضع، والحذر من أي اتفاقياتٍ نهائيةٍ قبل التأكد الكامل من شفافية جميع الأطراف. مع خالص التحيات، صديقٌ مخلصٌ لأعمال آل الحسيني."
شعرت ليلى بقبضةٍ باردةٍ تعتصر قلبها. لم يكن هذا مجرد بريدٍ إلكترونيٍ عشوائي. لقد كان يحمل تفاصيل دقيقة، ولم يكن مجرد شكٍ عابر. بدأت عقلها في الربط بين ما قرأته هنا، وبين المكالمة التي سمعتها لوالدها. "الصفقة التي كنا نعمل عليها... هناك مشاكل." "أحد المنافسين قد حصل على معلوماتٍ حساسةٍ عن خططنا."
نظرت نحو مكتب والدها، الذي كان لا يزال مشغولاً. هل يجب أن تخبره فوراً؟ أم أنها يجب أن تنتظر حتى تتأكد من صحة هذا التحذير؟ كانت تعرف والدها جيداً. لن يقبل بتصديق أي شيءٍ دون دليلٍ قاطع.
قررت ليلى أن تبدأ بنفسها. فتحت مجلد "النجم الساطع" في حاسوبها، وبدأت في مراجعة الاتصالات الأخيرة، والاجتماعات التي عقدت. كانت تبحث عن أي ثغرةٍ، أي دليلٍ على تسريبٍ أو خيانة.
بينما كانت تتصفح الرسائل، لفت انتباهها ملفٌ قديمٌ، يعود إلى قبل ستة أشهر، كان مخزناً في مجلدٍ فرعيٍ غير متوقع. كان عنوانه "مقترحات أولية". فتحت الملف، ورأت فيه تفاصيل استراتيجيةٍ دقيقة، تتعلق بالصفقة الجديدة، بل وأكثر من ذلك، كانت تتضمن خططاً احتياطية، وحلولاً لمشاكل محتملة. لقد كان هذا الملف، بكل تأكيد، معلوماتٍ حساسةً للغاية.
لكن ما أثار استغرابها، هو أن هذا الملف كان محفوظاً على خادمٍ خارجي، يمكن الوصول إليه من أي مكان. وفوق كل ذلك، كان توقيت حفظه يتزامن مع الفترة التي كان فيها أحد موظفيها في قسم المحاسبة، واسمه "خالد"، قد قدم استقالته بشكلٍ مفاجئ، بحجة البحث عن فرصٍ أفضل في الخارج.
بدأ الشك ينمو في قلبها. خالد، الشاب الذي بدا هادئاً وطموحاً، هل كان لديه دوافع خفية؟ هل كان يعمل لصالح جهةٍ منافسة؟ "هذا مستحيل." همست لنفسها. "خالد كان شخصاً موثوقاً به." لكن العقلانية تغلبت على العاطفة. في عالم التجارة، لا مكان للثقة العمياء.
قررت ليلى أن تبدأ بتحقيقٍ صامت. دون أن تلفت الانتباه، بدأت في استقصاء المعلومات حول "خالد". بحثت عنه على الإنترنت، وتحدثت مع بعض الزملاء القدامى بشكلٍ غير مباشر. لم تجد شيئاً يدين "خالد" بشكلٍ مباشر، لكنها لاحظت أن هناك بعض الاستثمارات الغامضة التي قام بها بعد مغادرته الشركة.
كان الوقت يمضي، والشمس قد بدأت في المغيب. قررت ليلى أن تتحدث مع والدها. "يا والدي." قالت، وهي تدخل مكتبه. "تفضلي يا ابنتي. هل انتهيتِ من مراجعة الأوراق؟" "نعم. ولكن، لدي أمرٌ أود أن أناقشك فيه، وهو متعلقٌ بالصفقة." "تفضلي." "لقد تلقيتُ رسالةً إلكترونيةً غامضةً تحذر من مشاكل تهدد الصفقة. بالإضافة إلى ذلك، لقد اكتشفتُ أن ملفاً سرياً، يحتوي على تفاصيل استراتيجيةٍ هامة، كان متاحاً الوصول إليه من خارج الشركة. والمثير للقلق، أن ذلك حدث في الفترة التي استقال فيها "خالد"."
نظر الحاج عبد الرحمن إلى ابنته، وارتسمت على وجهه علامات الدهشة. "هل تقصدين أن "خالد" قد يكون له علاقةٌ بهذا؟" "لا أستطيع التأكيد، ولكني أشعر بالريبة. لقد قام ببعض الاستثمارات الغامضة بعد مغادرته. وأعتقد أننا يجب أن نتحقق من الأمر."
تنهد الحاج عبد الرحمن، وأومأ برأسه. "أخشى أن يكون ما تقولين صحيحاً. لقد شعرتُ ببعض القلق بعد مكالمتي مع فؤاد. يبدو أننا نواجه عدواً ماكراً." "ولكن، من هو هذا العدو يا والدي؟" سألت ليلى. "الشكوك تحوم حول "النجم الساطع". ولكن، لا يزال الأمر يحتاج إلى دليل."
"ماذا سنفعل الآن؟" سألت ليلى، وشعرت بأن المسؤولية تقع على عاتقها. "علينا أن نكون حذرين. لا يمكننا التسرع. سنحتاج إلى جمع المزيد من الأدلة، قبل أن نتخذ أي قرار. سأتصل بفؤاد غداً، وسأطلب منه المزيد من المعلومات. وأنتِ، استمري في بحثك، ولكن بحذرٍ شديد. لا تخبري أحداً بما اكتشفتيه حتى الآن."
نظرت ليلى إلى والدها، وشعرت بقوةٍ جديدةٍ تتغلغل في روحها. لم يكن الطريق سهلاً، ولكنها كانت مستعدةً للمواجهة. لقد بدأت رحلةٌ جديدة، رحلةٌ مليئةٌ بالتحديات، ولكنها ستكون رحلةً لكشف الحقائق، وحماية إرث عائلتها.