حب الأبرار الجزء الثالث
ضيفٌ غير متوقع في أمسيةٍ هادئة
بقلم مريم الحسن
مرت الأيام، وازدادت الأمور تعقيداً. لم تكن ليلى تشعر بالراحة. كانت تراقب كل شيءٍ حولها بعينٍ يقظة، وتفكر في كل حركةٍ، وكل كلمةٍ. كانت اجتماعات العمل مستمرة، لكنها كانت تشعر بأن هناك شيئاً ما يدور في الخفاء، مؤامرةٌ تُحاكُ بخبث.
في أحد الأمسيات، وبينما كانت السماء تحتضن النجوم، قررت ليلى أن تخرج قليلاً لتتنفس الهواء النقي. كان قصر آل الحسيني محاطاً بحدائق واسعة، تتخللها أشجار النخيل الشاهقة، وزهورٌ تفوح عطراً. توجهت نحو الجناح الخلفي للقصر، حيث توجد شرفةٌ تطل على بحيرةٍ صناعيةٍ صغيرة، تتلألأ فيها انعكاسات القمر.
جلست على المقعد الخشبي، وأغمضت عينيها، محاولةً استعادة هدوئها. كانت تفكر في والدها، وفي صحته المتدهورة، وفي المسؤوليات التي تحملها على عاتقها. شعرت بأنها وحيدةٌ في مواجهة هذا العالم المعقد.
فجأة، سمعت صوتاً خفيفاً يقترب. فتحت عينيها، ورأت شخصاً يقف على بعد خطواتٍ منها، يرتدي ملابس أنيقة، ويحمل في يده حقيبةً جلدية. لم تكن تعرفه. كانت ملامحه غير مألوفة.
"السلام عليكم." قال الرجل بصوتٍ هادئ، يحمل نبرةً من الاحترام. "وعليكم السلام." أجابت ليلى، وهي تشعر ببعض الحذر. "من أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟" "أعتذر عن هذا الاقتحام المفاجئ. اسمي طارق، وأنا صديقٌ قديمٌ للوالد، الحاج عبد الرحمن. لقد جئتُ من الخارج، ولم أكن أعرف أنني سأجدكم في هذا الوقت." "طارق؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل." قالت ليلى، وهي تحاول تذكر أي شيءٍ يتعلق به. "ربما لأنني لم أزر الرياض منذ سنواتٍ طويلة. لقد كنا نعمل سوياً في مشاريعٍ مشتركةٍ قبل أن تشتد ظروف الوالد الصحية. علمتُ بأمر مرضهِ، وأردتُ أن أطمئن عليه، وأطمئن على أحوالكم."
نظر طارق إلى ليلى بعينين ثاقبتين، تحملان دفئاً وصدقاً. كانت تبدو مختلفةً عما تخيله. لقد كان يتوقع أن يجد شخصاً أكثر خشونةً، أكثر جراءةً. "تفضلي بالجلوس يا أستاذة ليلى. يبدو أنني أزعجتكِ." قال طارق، مشيراً إلى المقعد الفارغ بجانبها.
ترددت ليلى قليلاً، لكنها شعرت بأن الرجل لا يحمل أي سوء. ربما كان حقاً صديقاً لوالدها. "تفضل."
جلس طارق، وبدأ يتحدث عن ذكرياتٍ قديمةٍ مع والدها، عن رحلاتٍ قاموا بها، وعن مشاريعٍ حققوها. كان حديثه مليئاً بالود والاحترام، وترك انطباعاً جيداً لدى ليلى. "لقد سمعتُ عن الصعوبات التي تواجهونها في صفقة "النجم الساطع"." قال طارق فجأة، بنبرةٍ تحمل شيئاً من الجدية.
تجمدت ليلى في مكانها. كيف علم بهذا الأمر؟ هل كان يتحدث عن الصفقة نفسها، أم عن المؤامرات المحيطة بها؟ "من أين لكَ هذه المعلومات؟" سألت بحذر. "أنا رجلٌ أعمل في مجال الأعمال، وأتابع الأخبار عن كثب. سمعتُ عن التحركات غير المعتادة في السوق، وعن الضغوط التي تتعرض لها بعض الشركات. يبدو أن هناك منافسةً شرسةً في هذه الصفقة." "نعم، يبدو ذلك." قالت ليلى، وهي تفكر فيما إذا كانت يجب أن تخبره بما اكتشفته.
"أعلم أن الأمر قد يكون حساساً، ولكن ألا ترين أن هناك من يحاول زرع الشكوك؟" قال طارق، وهو ينظر مباشرةً في عينيها. "ماذا تقصد؟" "أقصد أن هناك من يهدف إلى إضعاف موقفكم، لخلق فرصةٍ للانقضاض عليكم. ربما هو نفس الشخص الذي أرسل لكِ رسالةً إلكترونيةً غامضة؟"
شعرت ليلى بصدمةٍ شديدة. كيف عرف بطارق بوجود تلك الرسالة؟ هل كان يراقبها؟ أم أن الأمر كان مجرد تخمين؟ "لقد تلقيتُ رسالةً بالفعل." اعترفت ليلى، بصوتٍ خافت. "ولكن، هل أنتِ متأكدةٌ من صحة المعلومات الواردة فيها؟ أحياناً، قد تكون هذه الرسائل وسيلةً لتضليلكم، وإبعادكم عن المسار الصحيح."
نظر طارق إلى ليلى، ثم قال: "إذا كنتِ بحاجةٍ إلى مساعدةٍ، أو نصيحةٍ، فلا تترددي في سؤالي. لقد عرفتُ الوالد لسنواتٍ طويلة، وأحترمكم كعائلة. وأعلم أن هذه الشركة تحمل تاريخاً طيباً."
شعرت ليلى بارتياحٍ غريب. لم تكن تعرف لماذا، ولكنها شعرت بأن هذا الرجل، على الرغم من ظهوره المفاجئ، يمكن الوثوق به. "شكراً لك يا أستاذ طارق. سأضع عرضك في الاعتبار."
"من الجيد أن تراقبي كل شيءٍ يا أستاذة ليلى. ولكن، لا تدعي الشك يسيطر على قراراتك. أحياناً، يكون الحل أبسط مما نتخيل." قال طارق، وهو يبتسم ابتسامةً غامضة.
بعد فترةٍ وجيزة، استأذن طارق بالانصراف، ووعد بزيارة الحاج عبد الرحمن في اليوم التالي. غادرت ليلى الشرفة، وهي تشعر بمزيدٍ من الارتباك. من هو طارق حقاً؟ هل هو صديقٌ مخلصٌ، أم أن وراءه أجندةً خفية؟
عادت ليلى إلى غرفتها، وحاولت استيعاب ما حدث. لقد كان لقاءً غريباً، ترك وراءه المزيد من الأسئلة. لكنها كانت تعلم شيئاً واحداً: أن طريقها لكشف الحقيقة أصبح أكثر تعقيداً.
في الصباح التالي، زار طارق الحاج عبد الرحمن، وجلسا يتحدثان لساعاتٍ طوال. لم تكن ليلى تعلم ما دار بينهما، ولكنها لاحظت أن والدها كان يبدو أكثر راحةً بعد زيارة طارق.
"هل تعرفين هذا الرجل يا ليلى؟" سأل الحاج عبد الرحمن، وهو يشير إلى صورةٍ قديمةٍ كانت معلقةً على الحائط. نظرت ليلى إلى الصورة. كانت صورةً لوالدها، وهو شابٌ يافع، يقف بجانبه رجلٌ آخر، ذو ملامحٍ قوية، وابتسامةٍ واسعة. "لا يا والدي. من هو؟" "هذا هو طارق. صديقٌ عزيزٌ جمعتني به صداقةٌ قويةٌ قبل سنواتٍ طويلة. لقد كان شريكاً لي في العديد من المشاريع الناجحة."
شعرت ليلى بارتياحٍ كبير. لقد تأكدت من صحة كلام طارق. كان حقاً صديقاً قديماً لوالدها. "لقد أخبرني طارق بأنه سيبقى في الرياض لبعض الوقت. وقال إنه مستعدٌ لتقديم أي مساعدةٍ نحتاجها." قال الحاج عبد الرحمن، بابتسامةٍ رضا.
"هذا جيدٌ يا والدي. ولكن، هل أنتَ متأكدٌ من أنه لا يحمل أي أجندة؟" سألت ليلى، وهي لا تزال تشعر ببعض الشك. "يا ابنتي، طارق رجلٌ نبيلٌ وصادق. لقد عرفته لسنواتٍ طويلة. لا تقلقي."
ابتسمت ليلى، ولكنها لم تستطع أن تتخلص من شعورٍ غامضٍ بأن شيئاً ما لا يزال غير واضح. هل كانت رؤيتها لطارق كصديقٍ حقيقيٍ مجرد وهم؟ أم أن الأمر كان متعلقاً بالغموض الذي يحيط بصفقة "النجم الساطع"؟
في تلك الليلة، وبينما كانت النجوم تتلألأ في سماء الرياض، لم تستطع ليلى النوم. كانت تفكر في طارق، وفي الرسالة الغامضة، وفي المؤامرات التي قد تكون محيطةً بها. لقد أدركت أنها لا تزال في بداية رحلتها، وأن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالمفاجآت.