حب الأبرار الجزء الثالث

همسات في الظلام

بقلم مريم الحسن

جلسا في صالة المعيشة، تحت ضوء خافت، ضوء لم يكن كافيًا ليخفي قلق أحمد، لكنه كان كافيًا ليضفي جوًا من الجدية على المكان. الأستاذ عبد الله، برغم رحلته الطويلة، كان يبدو يقظًا، وعيناه تترصدان كل حركة، وكل تعبير يظهر على وجه أحمد.

"أحمد،" بدأ الأستاذ عبد الله بصوته الهادئ، الذي لم يفقد رنقه أبدًا، "لقد عدت مبكرًا لأنني شعرت بقلق كبير."

ارتبك أحمد. "قلق؟ هل حدث شيء يا عمي؟"

"قلق عليك يا بني. وقلق على ابنتي." نظر إليه الأستاذ عبد الله مباشرة، نظرة جعلت أحمد يشعر وكأن جدران الصالة تضيق عليه. "لقد سمعت بعض الأمور."

تصاعد نبض أحمد. "أمور؟ أي أمور يا عمي؟"

"أمور تتعلق بك. أمور لا تليق بشاب مثلك، شاب طموح، شاب أخذت ابنتي بيدها لتكمل معه ما بدأه. سمعت عن سهرك لوقت متأخر، عن انشغالك المبالغ فيه عن زوجتك."

شعر أحمد بالخجل يلفه. كان يتوقع أي شيء، لكنه لم يتوقع أن تصل الأخبار إلى والد سعاد بهذه السرعة. من أين؟ هل هناك من يراقبه؟ أم أن أمورًا بسيطة، تافهة في نظره، قد تم تضخيمها؟

"يا عمي، أنا..." حاول أحمد أن يبدأ، لكنه وجد كلماته تتخبط. "أنا أعمل بجد، والعمل يتطلب بعض السهر أحيانًا."

"السهر في العمل شيء، والسهر في ما لا ينفع شيء آخر يا بني." قاطعه الأستاذ عبد الله بهدوء، لكن صوته حمل نبرة تحذير. "لقد أخبرتني سعاد بنفسها، ببعض التلميحات. قالت إنك أصبحت شاردًا، وأنك تقضي ساعات طويلة وحيدًا في غرفتك."

تراجعت أنفاس أحمد. سعاد! إنها هي من تتحدث. قلبها الطيب، الذي كان يدافع عنه، هو نفسه الذي يكشف أمره. كان يتمنى لو أنها لم تكن صادقة جدًا، لو أنها لم تكن بهذا الوعي.

"ولكن يا عمي، الألعاب الإلكترونية... هي مجرد وسيلة للترفيه، لا أكثر." قال أحمد، محاولًا أن يخفف من وطأة الكلمة.

"ترفيه؟" ارتفعت حاجب الأستاذ عبد الله قليلًا. "أحمد، أنا لست غريبًا عن هذا العالم. أعرف ما هي الألعاب الإلكترونية. أعرف كيف يمكن أن تتحول من ترفيه إلى إدمان. لقد رأيت شبابًا يضيعون أعمارهم، ويخسرون مستقبلهم، بسبب هذا 'الترفيه'."

كانت كلمات الأستاذ عبد الله كالسياط تلسع أحمد. كان يعلم، في أعماقه، أن ما يقوله الأستاذ عبد الله صحيح. لكنه لم يكن يريد أن يعترف بذلك. لم يكن يريد أن يرى الحقيقة واضحة أمام عينيه.

"يا عمي، صدقني، أنا أتحكم في الأمر. الأمر ليس بهذا السوء."

"أحمد،" الأستاذ عبد الله وضع يده على كتف أحمد. كانت يدًا دافئة، تحمل الكثير من الخبرة والحكمة. "أنا لا أشك في نواياك الطيبة، ولا في حبك لسعاد. ولكنني أرى علامات الخطر. أرى شابًا ينجرف، وهو لا يدري."

"وماذا تريد مني أن أفعل يا عمي؟" سأل أحمد، والصوت فيه شيء من اليأس.

"أريدك أن تتذكر عهدك. أن تتذكر وعدك لسعاد، لوالدها، ولنفسك. أريدك أن تتذكر أن سعاد هي كل شيء. وأن سعاد تستحق منك أفضل ما عندك. وأن الحب الحقيقي، الحب الحلال، يقوم على التضحية، وعلى الاهتمام، وعلى وجود كل منكما بجانب الآخر، لا أن يكون أحدكما هاربًا في عالم آخر."

صمت الأستاذ عبد الله للحظة، ونظر إلى أحمد بعينين تحملان الشفقة والرجاء. "أحمد، أنت تعرف أنني وثقت بك. وثقت بقدرتك على حماية ابنتي، وعلى إسعادها. لا تجعلني أندم على هذه الثقة."

شعر أحمد بالدموع تتجمع في عينيه. كانت هذه هي اللحظة التي كان يخشاها. لحظة المواجهة. لحظة الحقيقة. نظر إلى الأستاذ عبد الله، وشعر بأنه يقف أمامه كطفل مذنب.

"يا عمي، أنا... أنا آسف." خرجت الكلمة بصعوبة، ممزوجة بالندم. "أنا لم أقصد أن أخيب ظنك. ولم أقصد أن أجرح سعاد."

"أعرف أنك لم تقصد ذلك يا بني. ولكن أحيانًا، أفعالنا، حتى لو لم تكن بنية سيئة، قد تؤذي من نحب. الألعاب الإلكترونية، في حد ذاتها، ليست شرًا. ولكنها تصبح شرًا عندما تصبح هي سيدتك، وعندما تجعلك تنسى واجباتك، وتنسى من تحب."

"وماذا أفعل؟" سأل أحمد مرة أخرى، بصوت مختنق.

"أحمد، أنت شاب ذكي، وقادر. أنت تعرف قدراتك. أتذكر عندما تحدثنا عن مشروعك التجاري؟ عن شغفك بالابتكار؟ أنت تملك كل المقومات لتكون ناجحًا، لتكون رجل أعمال عظيم. لماذا تضيع هذا كله في عالم افتراضي؟"

"لكنني... أشعر بالضغوط. أشعر بأنني... لست قويًا كفاية في الواقع." اعترف أحمد، بصوت بالكاد مسموع.

"يا بني، لا يوجد إنسان قوي دائمًا. القوة ليست في عدم السقوط، بل في النهوض بعد كل سقوط. والقوة الحقيقية هي في مواجهة مخاوفنا، لا في الهروب منها. وسعاد، هي أحد أكبر مصادر قوتك."

"لكنني أخاف أن تخيب ظنها. أخاف أن ترى ضعفي."

"وهل تعتقد أن الهروب، وتغطية ضعفك بالوهم، هو الحل؟ سعاد تحبك يا أحمد. تحبك بكل ما فيك. تحب روحك، طيبتك، طموحك. إنها ترغب في أن ترى أحمد الذي تعرفه، أحمد الذي وعدها بمستقبل مشرق. وليس أحمد الذي يختبئ خلف شاشة."

تنهد الأستاذ عبد الله بعمق. "أحمد، أنا لا أستطيع أن أجبرك على شيء. ولكنني أطلب منك، كأب، وكصديق، أن تفكر مليًا. أن تفكر في سعاد، في مستقبلكم، وفي نفسك. أريدك أن تتخذ قرارًا، قرارًا يخرجك من هذا العالم، ويعيدك إلى عالمك الحقيقي، عالم الحب، والمسؤولية، والبناء."

"سأفكر يا عمي. أعدك."

"أتمنى ذلك يا بني." قام الأستاذ عبد الله، ومد يده ليصافح أحمد. "الآن، أعتقد أنني يجب أن أذهب لأستريح. صباح الخير."

"صباح النور يا عمي."

وقف أحمد في الصالة، يراقب الأستاذ عبد الله وهو يتجه نحو باب الغرفة المخصصة له. شعر بثقل كبير على صدره، ثقل لا يقل عن وزن ذنوبه. كان يعلم أن كلمات الأستاذ عبد الله قد لامست وتراً حساساً بداخله. لكن هل كان كافياً؟ هل سيستطيع أن ينتشل نفسه من هذا المستنقع، قبل أن يبتلعه بالكامل؟

نظر إلى الباب المغلق، ثم إلى ساعة الحائط. كانت قد بدأت شمس الصباح تشرق. لكن بالنسبة لأحمد، كان الظلام لا يزال يلف روحه. كان يعلم أن المعركة لم تنته بعد. بل ربما، قد بدأت للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%