حب الأبرار الجزء الثالث
وهج الشاشات وصدى الصرخات
بقلم مريم الحسن
عادت سعاد إلى حياتها الطبيعية، إلى روتينها اليومي، لكن شيئًا ما في داخلها كان يصرخ. لم تكن كلمات أحمد المعتادة، ولا ابتساماته المتعبة، كافية لطمأنة قلبها. كانت تشعر بتغير فيه، تغيير خفي، لكنه محسوس. كان غائبًا، كثيرًا ما كان غائبًا حتى وهو بجانبها.
في أحد الأيام، وبينما كانت تعد الغداء، سمعت صوت سعال متقطع من غرفة أحمد. عادة ما كان أحمد يتفادى السعال في وجودها، كأنه يخشى أن يكشف عن ضعف. لكن هذه المرة، بدا الصوت أقوى، وأكثر إلحاحًا.
تسللت إلى غرفة المكتب، حيث كان يقضي معظم وقته. وجدت الباب مواربًا، وسمعت صوت نقرات سريعة على لوحة المفاتيح، ممزوجة بتنهدات متقطعة. فتحت الباب ببطء، لترى أحمد جالسًا أمام شاشة الحاسوب، وجهه مرهق، عيناه حمراوان، ويرتدي نفس الملابس منذ الصباح.
"أحمد؟" نادت سعاد بصوت خفيض.
انتفض أحمد، وكأنه قد أُمسك متلبسًا. "سعاد! ما الذي تفعلينه هنا؟"
"أتيت لأرى ما بك. كنت تسمعك تسعل." اقتربت سعاد منه، ولاحظت كيف كان يتجنب النظر إليها. "هل أنت بخير؟ تبدو شاحبًا جدًا."
"أنا بخير، فقط بعض الإرهاق. كنت أحاول إنهاء بعض الأعمال." كان يكذب، والكذب يظهر بوضوح على وجهه.
"أحمد،" وضعت سعاد يدها على جبينه. كان ساخنًا. "لديك حمى. يجب أن ترتاح."
"لا، لا أحتاج للراحة. أحتاج فقط لإنهاء هذا العمل." كان صوته أجشًا، ومرتفعًا بشكل غير طبيعي.
"ولكنك تسعل بقوة. وهذا ليس مجرد إرهاق." نظرت سعاد حولها، ولاحظت الأكواب الفارغة المتناثرة، وبعض علب الحلوى الفارغة. "ما هذا؟"
"لا شيء." أجاب أحمد بسرعة، محاولًا تغطية الأكواب ببعض الأوراق.
"هذه ليست مجرد أعمال يا أحمد. ما الذي تفعله هنا؟" صوت سعاد بدأ يعلو، والقلق يتحول إلى غضب خفيف.
"أنا ألعب، أليس هذا ما ترغبين في معرفته؟" قال أحمد بتهكم، وكان يعرف أن هذا هو أسوأ رد يمكن أن يقدمه.
تجمدت سعاد. "تلعب؟ تلعب ماذا؟"
"ألعاب الفيديو. هل لديك مشكلة؟"
"مشكلة؟ مشكلة! هل تعتقد أن هذا هو ما أخشاه؟ هل تعتقد أنني أعاتبك على ساعة أو ساعتين؟ أحمد، أنت لا تستطيع التنفس بدون هذا الجهاز! أنت تقضي كل وقتك فيه، وأنت مريض، وأنت مرهق! ألا ترى؟"
ارتفعت حدة صوتها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. "أين أحمد الذي أحببته؟ أين أحمد الذي كان يخطط لمستقبلنا؟ أين أحمد الذي يشاركني أحلامي؟"
"سعاد، أرجوكِ..." حاول أحمد أن يهدئ من روعها، لكن كلماته كانت تضيع في دوامة غضبها.
"لا تقل لي أرجوكِ! انظر إلى نفسك! أنت تدمر نفسك! وأنت تدمرنا!" رفعت سعاد يدها، مشيرة إلى الحاسوب. "هل هذه هي الحياة التي وعدتني بها؟ هل هذا هو الحب؟"
"هذا مجرد هروب يا سعاد! أنا لا أستطيع أن أواجه كل شيء! أنا لست قويًا كفاية!" صرخ أحمد، وكأن كل ما كان يكتمه قد انفجر دفعة واحدة.
"تختبئ خلف الشاشة! تختبئ خلف الألعاب! بينما أنا هنا، أحاول أن أكون قوتك! أحاول أن أكون سندك!" نزلت الدموع من عيني سعاد، وأخذت تتساقط على وجنتيها. "ولكنك لا ترى! أنت لا تراني!"
"أنا أراكِ! أنا أحبكِ! ولكنني..."
"لكنك لا تستطيع أن تتخلى عن هذا! عن هذا الإدمان اللعين!" صرخت سعاد، ثم بدأت تبتعد عن أحمد، وقلبها يتمزق. "لماذا تفعل هذا بنفسك يا أحمد؟ لماذا تفعل هذا بنا؟"
خرجت سعاد من الغرفة، وتركت أحمد وحيدًا مع وهج الشاشات، وصوت صرخاتها الذي ما زال يتردد في أذنيه. شعر بأن الأرض تميد به. لقد وصل الأمر إلى ما كان يخشاه. لقد فقد السيطرة.
عاد أحمد إلى كرسيه، ورأى انعكاسه المشوه على شاشة الحاسوب. لم يكن يرى أحمد الشاب القوي، الواعد، بل رأى شبحًا، شبحًا فقد بريقه، وفقد طريقه.
بدأ يضرب على لوحة المفاتيح بعنف، وكأنه يحاول تدمير العالم الافتراضي الذي أصبح سجنه. لكن ذلك لم يجلب له أي راحة. بل زاد من شعوره بالذنب، والفراغ.
تذكر كلمات والده، ووالد سعاد. "القوة في مواجهة مخاوفنا، لا في الهروب منها." لكنه كان قد هرب، وهرب بعيدًا جدًا.
نظر إلى هاتفه. صورته مع سعاد، صورتهما في يوم زفافهما، يوم كان مليئًا بالبهجة والأمل. كانت تلك الصور الآن مؤلمة، مؤلمة جدًا. وكأنها تذكره بما يفقده، بما يدمر.
أدرك أحمد في تلك اللحظة، أن هذا الإدمان ليس مجرد عادة سيئة، بل هو مرض. مرض يدمر الروح، ويسرق الحياة. وإذا لم يتوقف الآن، فلن يبقى منه شيء.
كانت سعاد تبكي في غرفتها، وقلبها ينزف. كانت تحبه، وتحب الحياة التي كانوا يبنونها معًا. لكن كيف يمكن لبناء أن يستمر، إذا كان أساسه ينهار؟
في تلك اللحظة، اتخذ أحمد قرارًا. قرارًا صعبًا، مؤلمًا، لكنه ضروري. يجب أن يحارب. يجب أن يتغلب على هذا الوهم. يجب أن يعود إلى سعاد، إلى حياته الحقيقية.
أغلق أحمد الحاسوب. لم تكن مجرد إغلاقة. كانت إغلاقة رمزية، إغلاقة لباب كبير، باب كان يؤدي به إلى الهلاك.
نهض أحمد من كرسيه، وسار بخطوات متثاقلة نحو غرفة سعاد. فتح الباب، ورآها تجلس على السرير، واحتضنت وسادة، ووجهها غارق في الدموع.
"سعاد..." نادى أحمد بصوت خفيض.
رفعت سعاد رأسها، ورأت وجه أحمد. كان وجهه شاحبًا، لكنه كان يحمل شيئًا من العزم.
"أنا آسف يا سعاد." قال أحمد، وهو يقترب منها. "أنا آسف حقًا. لقد كنت مخطئًا. مخطئًا جدًا."
جلست سعاد، ولم تتكلم. كانت تنتظر.
"لقد أدركت الآن. لقد أدركت حجم خطئي. لقد أدركت أنني أضيع كل شيء. أضيعكِ، وأضيع نفسي."
ترددت دموع في عيني أحمد، لكنه لم يدعها تسقط. "أنا... أنا سأتغير يا سعاد. أعدك. سأتخلص من هذا. سأحارب. لأجلك. لأجلنا."
اقترب أحمد، وجلس بجوارها على السرير. لم يحتضنها فورًا. كان يعرف أن الثقة قد اهتزت، وأن الجرح عميق.
"هل تستطيعين مسامحتي؟" سأل بصوت بالكاد مسموع.
نظرت سعاد إليه، ونظرتها تحمل مزيجًا من الألم، والأمل، والتساؤل. لم تجب. لكنها لم تبتعد.
شعر أحمد ببعض الارتياح. هذه كانت بداية. بداية طريق صعب، لكنه طريق كان يجب أن يسلكه. طريق للشفاء، طريق للاستعادة، طريق للحب الحقيقي، الحب الذي لا يهرب، الحب الذي يواجه.