حب الأبرار الجزء الثالث
بذور الأمل وترعرع الشك
بقلم مريم الحسن
بعد تلك الليلة العاصفة، وبينما كانت شمس الصباح تلوح بالأمل، قرر أحمد أن يبدأ رحلة التغيير. لم تكن سهلة، بل كانت أشبه بتسلق جبل شاهق، وكل خطوة كانت تتطلب جهدًا خارقًا. سعاد، رغم جرحها، كانت سندًا له. لم تتركه، ولم تيأس منه. كانت عيناها تتابعانه، تراقبان صراعه الداخلي، وتمدان له يد العون بصمت.
في اليوم التالي، بدأ أحمد بالتخلص من أسباب إدمانه. قام بمسح جميع ألعاب الفيديو من حاسوبه. تخلص من التطبيقات التي كانت تذكره بتلك الأوقات. كان الأمر أشبه بقطع جزء من جسده، ولكن كان يعلم أن هذا الجزء مريض، ويجب استئصاله.
عاد إلى مشروعه التجاري، المشروع الذي كان قد أهمله لفترة طويلة. وجد أن عقله، الذي كان مشغولاً بعوالم افتراضية، بدأ يستوعب الأرقام، ويحلل البيانات، ويضع الخطط. بدأ يستعيد شغفه، ورغبته في النجاح.
كانت سعاد تراه يتغير. كان يتحدث معها أكثر، يسألها عن يومها، ويشاركها أفكاره. كانا يعودان لتناول العشاء معًا، ثم يجلسان معًا يتحدثان، أو يقرآن. كانت تلك اللحظات البسيطة، التي كانت تبدو في السابق عادية، قد اكتسبت قيمة جديدة، قيمة تكمن في عمقها، وفي صدقها.
لكن، لم تكن الأمور بهذه البساطة. في أعماق سعاد، كان الشك لا يزال ينمو. كانت تتذكر تلك الليالي الطويلة، وتلك الكلمات التي قالها أحمد في لحظة غضبه. كانت تخشى أن يكون هذا التغيير مؤقتًا، مجرد رد فعل على المواجهة، وليس تغييرًا حقيقيًا.
في إحدى الأمسيات، بينما كانا يتناولان العشاء، سألته سعاد: "أحمد، هل أنت متأكد أنك بخير؟"
"نعم يا سعاد، أنا بخير. لماذا تسألين؟"
"فقط... أشعر أنك ما زلت تحمل همًا. أشعر أن شيئًا ما يزعجك."
نظر أحمد إليها، وشعر بوخز في قلبه. كان يعلم أنها على حق. كان لا يزال يشعر بآثار ذلك الإدمان، بآثار ما فقده. كان يعلم أن التغيير الحقيقي لا يحدث بين عشية وضحاها.
"سعاد،" بدأ أحمد، "لم أنسَ ما حدث. ولم أنسَ ألمي. ولكنني أحاول. أحاول جاهدًا أن أكون أفضل. أحاول أن أستعيد نفسي."
"أنا أعلم أنك تحاول يا حبيبي. وأنا أقدر ذلك. ولكن... هل أنت متأكد أنك لم تعد بحاجة إلى... ما كنت تفعله؟"
كانت الكلمة معلقة في الهواء، كلمة "الإدمان"، كلمة "الألعاب". أحمد يعرف أنها كانت تخشى أن يعود إليه.
"سعاد، لم أعد بحاجة إليها. لقد رأيت إلى أين كانت تأخذني. كانت تدمرني. تدمرنا."
"ولكن... إذا شعرت يومًا بالضعف؟ إذا شعرت بالضيق؟"
"سأتحدث معكِ. سأتحدث معكِ عن كل شيء. لن أختبئ منكِ مرة أخرى." وعد أحمد، وكان صوته يحمل صدقًا لم تسمعه سعاد منذ فترة طويلة.
ومع ذلك، كانت سعاد لا تزال تشعر ببعض القلق. كانت تتذكر كيف كان أحمد يختبئ، وكيف كان يرفض الحديث. كانت تخشى أن يعود إلى تلك العادة القديمة، خاصة إذا شعر بضغوط كبيرة.
في العمل، كان أحمد يواجه تحديات جديدة. مشروع تجاري كبير يتطلب منه الكثير من الجهد والتركيز. كان هناك منافسون أقوياء، وضغوط مالية. في بعض الأحيان، كان يشعر بالإرهاق، والرغبة في الهروب. كان يجد نفسه يحدق في شاشة الحاسوب، يتذكر تلك الساعات التي كان يقضيها في عالم الألعاب، حيث كانت المشاكل تبدو بسيطة، والانتصارات سهلة.
لكن في كل مرة كان يشعر فيها بهذه الرغبة، كان يتذكر وجه سعاد، يتذكر كلماتها، يتذكر وعده. كان يغلق عينيه، يأخذ نفسًا عميقًا، ثم يعود إلى عمله.
"أحمد،" قالت سعاد في إحدى الليالي، بعد أن لاحظت شحوب وجهه، "هل أنت بخير؟ تبدو مرهقًا جدًا."
"نعم يا حبيبتي، فقط ضغط العمل. لكنني بخير."
"هل أنت متأكد؟" كررت سعاد سؤالها. "إذا شعرت بأنك تحتاج إلى... التحدث، أو... أي شيء، فقل لي."
"لا تقلقي يا سعاد. أنا قوي الآن. بوجودكِ، أنا أقوى."
ابتسمت سعاد ابتسامة خفيفة، لكن عينيها ما زالت تحملان بعض القلق. كانت سعاد في هذه المرحلة، بين الرجاء والخوف. كانت تأمل أن يكون أحمد قد تغير حقًا، لكنها كانت تخشى أن يعود إلى حياته القديمة.
في هذه الأثناء، بدأ يظهر في حياة أحمد و سعاد شخص جديد. صديق قديم لأحمد، يدعى طارق. طارق شاب طموح، لكنه كان دائمًا ما يبحث عن أسهل الطرق لتحقيق أهدافه. كانت علاقة أحمد به قد خفتت بسبب اختلاف مسارات حياتهما، لكنه عاد ليتواصل معه.
"يا أحمد، أسمع أنك عدت إلى العمل بقوة." قال طارق ذات يوم، عندما التقيا في مقهى. "رائع! سمعت أن مشروعك الجديد واعد جدًا."
"الحمد لله، نعمل بجد." أجاب أحمد.
"ولكن، هل تذكر تلك الأيام التي كنا فيها نجلس معًا، نلعب حتى الصباح؟ يا لها من أيام! كانت تخفف عنا ضغوط الحياة."
شعر أحمد بانقباض في صدره. تذكر تلك الليالي، لكنه تذكر أيضًا الخراب الذي جلبته.
"نعم، كانت أيامًا." قال أحمد بحذر.
"اسمع يا أحمد، لدي فكرة. هناك لعبة جديدة، أسطورية. يقولون إنها تسبب الإدمان، لكنها ممتعة جدًا. قد تكون طريقة رائعة للتخفيف عنك بعد ضغط العمل."
نظر أحمد إلى طارق، ووجد في عينيه بريقًا مألوفًا، بريقًا كان يراه في نفسه قبل فترة. بريق البحث عن الملذات السريعة، عن الهروب.
"لا يا طارق، شكرًا لك. أنا لا ألعب الألعاب بعد الآن."
"لماذا؟ هل تخاف أن تصبح مدمنًا؟ يا أحمد، أنت رجل قوي، أنت تتحكم في نفسك. مجرد ساعة أو ساعتين... لن تضرك."
"صدقني يا طارق، أنا لا أريد المخاطرة."
"كما تشاء." قال طارق بابتسامة خفيفة، تحمل شيئًا من الشفقة، أو ربما الاستخفاف. "لكنني سأظل ألعب. ربما نلتقي في عالم افتراضي يومًا ما."
بعد لقائه بطارق، شعر أحمد ببعض القلق. هل أخطأ عندما رفض؟ هل كان حقًا يبالغ في حذره؟ لا، لقد تذكر سريعًا، وتذكر الألم، وتذكر وعوده.
كان طارق يمثل اختبارًا لأحمد. اختبارًا لقوته، ولقدرته على الالتزام بما قرره.
في هذه الأثناء، لاحظت سعاد أن أحمد أصبح أكثر انغلاقًا في الفترة الأخيرة. كان يعود إلى المنزل متعبًا، وبدا صامتًا. كانت تشعر بأن هناك شيئًا يخفيه.
"أحمد،" قالت له في إحدى الليالي، "هل كل شيء على ما يرام؟ تبدو مهمومًا."
"لا شيء يا سعاد. فقط بعض المشاكل في العمل."
"لكن... هل هي مشاكل حقًا؟ أم أنها... شيء آخر؟"
نظر أحمد إليها، وشعر بثقل الكلمات. كان يعرف أنه لم يعد بإمكانه إخفاء كل شيء.
"سعاد،" بدأ أحمد، "قابلت طارق اليوم."
"طارق؟ صديقك القديم؟"
"نعم. وتحدثنا عن الألعاب."
تغيرت ملامح سعاد. تجمدت قليلاً. "وماذا قال؟"
"قال إن هناك لعبة جديدة، ويريدني أن ألعبها معه."
"وماذا قلت له؟" سألت سعاد، وصوتها بدأ يرتعش.
"قلت له لا."
"قلت له لا؟ حقًا؟"
"نعم، قلت له لا. ولكن... لقد جعلني أفكر."
"تفكر؟ في ماذا؟"
"في أنني ربما أكون قد بالغت في حذري. ربما يمكنني اللعب قليلاً، دون أن أعود إلى ما كنت عليه."
تجمدت سعاد. كان قلبها يهوي. "ماذا تقول يا أحمد؟ أنت تمزح، أليس كذلك؟"
"لا، لست أمزح. أريد فقط أن أشعر أنني ما زلت قادرًا على الترفيه، دون أن أفقد السيطرة."
"ولكنك فقدت السيطرة يا أحمد! لقد أدركت هذا! وقد وعدتني! وعدتني بأنك لن تعود إلى هذا!"
"أنا أعلم، ولكن..."
"ولكن ماذا؟ هل تعتقد أنك تستطيع اللعب قليلاً، ثم التوقف؟ هل تنسى ما مررت به؟ هل تنسى ألمي؟"
"لم أنسَ يا سعاد! ولكنني أريد أن أستعيد جزءًا من حياتي."
"هذا ليس جزءًا من حياتك يا أحمد. هذا هو ما كان يدمر حياتك!" رفعت سعاد صوتها، والدموع تترقرق في عينيها. "أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول. هل كل شيء قلته لي في تلك الل