حب الأبرار الجزء الثالث
نداء القلب ووشوشات القدر
بقلم مريم الحسن
كانت نسمات المساء الهادئة تنساب عبر أرجاء الشرفة الفسيحة، تحمل معها عبير الياسمين المتفتّح ورائحة القهوة العربية الأصيلة التي أعدّتها عائشة بحبٍّ واهتمام. جلست ليلى على الأريكة المخملية، تتأمل زرقة السماء التي بدأت تكتسي بلون الغروب الذهبي، وعقلها يسبح في بحر من المشاعر المتلاطمة. منذ اللقاء الأخير مع أحمد، لم يغب طيفه عن خيالها، ولم تهدأ أحاديث القلب التي بدأت تتعالى بالإعجاب والتقدير. كانت تدرك جيداً أن هذه المشاعر، وإن كانت طاهرة وعفوية، تقع تحت مظلة الرغبة في الارتباط الشرعي، وهي الطريق الوحيد الذي يرضي الله ويرضي عائلتها.
لكنّ الشكوك كانت تتسلل إلى روحها كظلٍّ خبيث. هل كان أحمد يرى فيها ما تراه هي فيه؟ هل كانت كلماته المعسولة وأحاديثه الهادئة مجرد مجاملات عابرة، أم أنها تحمل وعداً ببناء أسرة متينة على أساس الدين والمحبة؟ كانت تتذكر تلك النظرة المتفحصة في عينيه، ذلك الابتسام الهادئ الذي كان يرتسم على شفتيه حين يتحدث إليها. كانت هذه العلامات، بالنسبة لفتاةٍ تربت على قيم الحياء والعفاف، أبلغ من أيّ تصريح.
في هذه الأثناء، كان أحمد في مكتبه، يقلّب صفحات كتابٍ في الفقه، وعقله مشغولٌ بتفاصيل أخرى. كانت ليلى محور تفكيره، ليس كفتاةٍ أحبّت، بل كشريكة حياةٍ اختارها قلبه وعقله، مؤمناً بأنها تحمل من الصفات ما يجعلها أماً فاضلة وزوجةً صالحة. لقد رأى فيها الهدوء الذي يطمئن القلب، والعقل الذي يزن الأمور، والحياء الذي يزين الفتاة. لكنّ طريق الزواج لم يكن دائماً مفروشاً بالورود. كان يعلم جيداً أن هناك عقباتٍ، بعضها ظاهرٌ وبعضها كامنٌ، قد تعترض طريق سعادتهما.
كانت والدته، الحاجة فاطمة، امرأةٌ صالحةٌ لكنّها كانت شديدة التمسك بالعادات والتقاليد، وقد تحمل في طياتها بعض التحفظات التي قد لا تتناسب مع رؤية أحمد المستقبلية. كانت تحلم لابنها بزوجةٍ من عائلةٍ مرموقةٍ، ذات نسبٍ معروفٍ، وأن تكون قريبةً منها في المستوى الاجتماعي. ولم يكن أحمد متأكداً من مدى قبولها لليلى، الفتاة ذات القلب الطيب والخلق الرفيع، لكنّها قد لا تمتلك ذلك "الاسم" الذي تبحث عنه بعض الأمهات.
تنهد أحمد، وأغلق الكتاب. لم يكن يريد أن يستبق الأحداث، لكنّ التفكير في مستقبلٍ مع ليلى كان يملأ قلبه بالأمل. كان يجب عليه أن يصارح والدته، وأن يوضح لها أن معيار اختيار الزوجة الحقيقية هو التقوى والخلق، وليس المظاهر والنسب. لكنّ هذه الخطوة لم تكن سهلة. كانت الحاجة فاطمة تكنّ لها حباً كبيراً، ولم يكن يريد أن يجرح مشاعرها، أو أن يضعها في موقفٍ صعب.
في منزل الحاج عبد الرحمن، كان الأب يتبادل أطراف الحديث مع ابنته ليلى. كان يلاحظ هدوءها المعهود، لكنّ عينيه الثاقبتين تلتقطان أحياناً بريقاً غريباً، أو ابتسامةً خفيفةً ترتسم على شفتيها حين تتذكر شيئاً ما. "ما الذي يشغل بالك يا ابنتي؟" سأل الحاج عبد الرحمن بصوته الحنون. رفعت ليلى عينيها إليه، وأجابت بابتسامةٍ تخفي خلفها الكثير: "لا شيء يا أبي، مجرد أفكارٍ عادية." "أفكارٌ عاديةٌ لا تجعل الفتيات يتنهدن بهذا العمق،" قال الحاج عبد الرحمن بابتسامةٍ واسعة. "هل هناك شابٌّ شغل قلبك؟" تلون وجه ليلى بحمرةٍ خفيفة، لكنّها لم تنكر. "يا أبي، أنت تعلم أني أحترم حدود الله، وأن أيّ مشاعرَ أحملها يجب أن تكون في إطارٍ شرعي." "وهذا ما يجعلني فخوراً بكِ،" قال والدها بحرارة. "وبما أنكِ تتحدثين عن ذلك الإطار، فهل هناك أحدٌ بعينه؟" صمتت ليلى للحظة، ثم قالت بصوتٍ يكاد يكون هامساً: "لقد تحدثتَ مع السيد أحمد قبل فترة، أليس كذلك؟" اهتزّ وجه الحاج عبد الرحمن بالسعادة. "نعم، لقد تحدثتُ معه. إنه شابٌّ طيبٌ، ومؤمنٌ. وقد أبدى اهتماماً بكِ، وكذلك نحن." "وهو أيضاً أبداني احتراماً ووداً،" قالت ليلى، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ خجولة. "لكنّ الأمر لم يتجاوز حدود الاحترام المتبادل." "ولكنّ هذا هو الأساس يا ابنتي. الاحترام والمودة. ثم يأتي ما بعد ذلك. هل ترين في نفسكِ الاستعداد لفتح هذا الباب؟" نظرت ليلى إلى أبيها، وعيناها تلمعان بصدق. "إذا رأيتُ في هذا الشابِ خيراً لديني ودنياي، وإذا رأى هو فيّ ذلك، فما المانع؟" "أحسنتِ يا ابنتي. لا تزال الأبواب مفتوحة. لكنّني سمعتُ بعض الهمسات عن أن السيد أحمد قد يكون مرتبطاً بفتاةٍ أخرى من عائلةٍ أخرى. هل لديكِ أيّ فكرةٍ عن ذلك؟" تجمدت ليلى للحظة. همسات؟ ارتباط؟ لم تسمع شيئاً كهذا من قبل. كان أحمد يتحدث إليها باحترامٍ وود، وكان لقاؤهما مع أبيها يصبّ في اتجاهٍ واضح. هل كانت هذه مجرد شائعاتٍ زائفةٍ، أم أنها تحمل شيئاً من الحقيقة؟ "لا يا أبي، لم أسمع بهذا أبداً،" قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتاً. "ربما لم يبلغني الخبر الصحيح،" قال الحاج عبد الرحمن وهو يضع يده على كتفها. "لكنّ الأقدار تأتي بما لم يحتسبه الإنسان. ابقي على يقينٍ بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يخذل قلباً صادقاً." غادرت ليلى والدها، وعادت إلى غرفتها، وقلبها يعتصره مزيجٌ من التساؤلات والقلق. هل كانت هذه الهمسات مجرد غيرةٍ وحسدٍ من بعض الأقارب، أم أنها تشير إلى حقيقةٍ قد تغير كل شيء؟ كانت تعلم أن الصمت ليس دائماً حكمة، وأن بعض الأمور تتطلب مواجهةً صادقة. ولكن كيف؟ ومن تواجه؟
في غضون ذلك، كانت والدة أحمد، الحاجة فاطمة، في زيارةٍ لصديقتها القديمة، السيدة زينب. دار الحديث بينهما عن أمور الحياة، ثم تطرق إلى موضوع الزواج. "أتسمعين يا فاطمة، يقولون أن ابنكِ أحمد يضع عينيه على فتاةٍ من عائلةٍ متواضعةٍ، وإن كانت صاحبة خلقٍ،" قالت السيدة زينب بنبرةٍ فيها بعض الشماتة. رفعت الحاجة فاطمة حاجبيها بصدمة. "وهل هذا صحيح؟ من أين أتت هذه الأخبار؟" "لا أدري، ولكنّ الأقاويل انتشرت. عائلة آل الشريف، أليس كذلك؟ ربما تكون ذات نسبٍ، لكنّني لم أسمع بها كثيراً." تنهدت الحاجة فاطمة بعمق. كانت تعلم أن ابنها شابٌّ مستقلٌّ في تفكيره، لكنّها لم تكن تتوقع أن يسير في هذا الاتجاه. كانت تحلم له بالزواج من ابنة خالته، الفتاة الراقية، ذات الاسم العريق. "لا أدري يا زينب. أحمد لم يذكر لي شيئاً. لكنّني سأتحدث معه. لا أريد أن يدخل بيتاً يختلف علينا في المستوى أو التفكير." "صدقتِ يا فاطمة. الزواج يجمع العائلات، والمهم أن تكون العائلات متقاربة." كانت تلك الكلمات بمثابة شرارةٍ أشعلت في قلب الحاجة فاطمة قلقاً جديداً. لم يكن الخوف من ليلى نفسها، بل الخوف من ردة فعل المجتمع، ومن نظرة الناس، ومن تأثير ذلك على سمعة عائلتها. كانت ترى في الزواج استقراراً للعائلة، وتوسيعاً لنفوذها، لا مجرد علاقةٍ عاطفية.
عادت الحاجة فاطمة إلى منزلها، ونظرت إلى صورة ابنها المعلقة على الحائط. كان شاباً وسيماً، طيب القلب، لكنّها كانت تخشى عليه من أن يتخلى عن "أصله" من أجل نزوةٍ عابرة. قررت أن تواجهه بالأمر، ولكنّها أرادت أن تفعل ذلك بطريقةٍ دبلوماسية. لم ترد أن تبدو متحكمةً أو رافضةً، بل أمّاً تخاف على ابنها. "أحمد يا بني، هل لديكَ أخبارٌ جديدةٌ في حياتك؟" سألت بعد تناول العشاء. نظر إليها أحمد، وابتسم. "كله خير يا أمي. والحمد لله." "هل فكرتَ في أمر الزواج؟" "دائماً أفكر فيه يا أمي. ولكنّي أريد أن يكون الاختيار صائباً." "وهل وجدتَ هذا الاختيار؟" سألت ببطء، تراقب تعابير وجهه. تردد أحمد للحظة، ثم قال: "نعم يا أمي، لقد وجدتُ شخصاً أرى فيه المستقبل." "ومن هي هذه الفتاة؟" سألت والدته بلهجةٍ بدت فيها نبرةٌ خفيةٌ من التوتر. "إنها ليلى، يا أمي. ابنة الحاج عبد الرحمن." اتسعت عينا الحاجة فاطمة. "ليلى؟ وهل تعرف عائلتها جيداً؟" "نعم يا أمي. أعرف الحاج عبد الرحمن جيداً، وهو رجلٌ فاضلٌ. وليلى، إنها فتاةٌ ذات خلقٍ ودينٍ. رأيتُ فيها ما يسعدني." "ولكنّها من عائلةٍ ليست معروفةً في مجتمعنا كعائلتنا،" قالت الحاجة فاطمة بصوتٍ فيه شيءٌ من التحفظ. "هل فكرتَ في ذلك؟" "يا أمي، إنّ الأهم هو الدين والخلق. وإذا كان هناك محبةٌ وتفاهمٌ، فكلّ شيءٍ يمكن أن يُبنى." "ولكنّ الناس يا أحمد، ماذا سيقولون؟" "الناس لن يبنوا حياتنا يا أمي. نحن من سيبنيها. وأنا واثقٌ من اختياري." نظرت الحاجة فاطمة إلى ابنها، ورأت في عينيه إصراراً لم تعهده من قبل. أدركت أن معارضتها قد تسبب جرحاً عميقاً. لكنّها لم تستطع أن تتخلى عن مخاوفها بسهولة. "حسناً يا أحمد. إذا كنتَ مصراً، فسأفكر في الأمر. ولكنّني أريد أن ألتقي بهذه الفتاة، وأن أتعرف عليها جيداً." "هذا ما أتمناه يا أمي،" قال أحمد بارتياح. كان يعلم أن هذه الخطوة هي بدايةٌ لمرحلةٍ جديدة. مرحلةٌ تتطلب الحكمة والصبر، ومرحلةٌ ستكشف فيها الأقدار ما تخبئه.
في هذه الأثناء، كانت ليلى تتفحص هاتفها، وقلبها يخفق بشدة. كانت تنتظر رسالةً أو اتصالاً من أحمد، لكنّ شيئاً لم يحدث. هل كانت كلمات أبيها عن "همسات" مجرد وهمٍ، أم أنها حقيقةٌ تلوح في الأفق؟ تنهدت، وأغلقت هاتفها. بدا لها أن عالمها الصغير، الذي بدأ يتلون بألوان الأمل، قد يعود إلى رماديته المعهودة. كان شبح "الشك" قد بدأ يلقي بظلاله على قلبها، وبدأت تتساءل إن كانت مجرد "فتاةً عادية" في عيون أحدهم، وإن كان قلبها لن يجد الاستقرار الذي يصبو إليه.
كانت تلك الليلة تحمل في طياتها بداية تداخل الأقدار، وتصادم الرغبات، وبداية اختبارٍ حقيقيّ لمشاعرِ حبٍّ طاهرٍ، ولبناء أسرةٍ على أسسٍ راسخةٍ. فالقلوب التي بدأت تتعلق، والأحلام التي بدأت تتشكل، ستجد نفسها قريباً في مواجهةِ رياحٍ قد تعصف بها، أو تدفع بها نحو شاطئِ الأمان.