الزواج السعيد
نسيم الشرق ولحن الغروب
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس ترسم لوحاتٍ من ذهبٍ وأرجوانٍ على صفحة السماء، تلفحُ خيوطها الدافئة شواطئَ المدينةِ العتيقةِ، حيثُ تلتقي أمواجُ الخليجِ الصافيةُ بحباتِ الرملِ البيضاءِ كاللؤلؤ. في هذا المشهدِ الساحرِ، وقفَ "أنسٌ" شاهداً على رحيلِ القاربِ الصغيرِ الذي حملَ أثمنَ ما في حياتهِ. كانت عيناهُ، بلونِ عسلِ الظهيرة، تترقبانِ نقطةً تتلاشى شيئاً فشيئاً في بحرٍ يمتدُّ بلا نهاية، وقلبهُ يئنُّ بوجعٍ لم يعهدْهُ من قبل.
كان القاربُ، الذي يحملُ اسمَ "الأمل"، قد انطلقَ قبلَ ساعاتٍ حاملاً معه "ليلى"، رفيقةَ دربهِ، حلمَ حياتهِ، وريحانةَ قلبه. لم يكنْ رحيلها سهلاً، بل كانَ انفصالاً اقتلعَ جزءاً من روحهِ، تاركاً فراغاً أسودَ يحاولُ أنْ يلتهمَ كلَّ ما تبقى من بهجة.
"أنسٌ"، شابٌ في مقتبلِ العمر، ذو قوامٍ ممشوقٍ وملامحَ عربيةٍ أصيلة، يتمتعُ ببشرةٍ حنطيةٍ وعينينِ واسعتينِ تفيضانِ بالذكاءِ والطيبة. نشأَ في أسرةٍ مرموقةٍ، معروفةٍ بكرمها وعلمها، وترعرعَ على قيمِ الدينِ والأخلاقِ الرفيعة. كانَ شغفهُ منذُ الصبا بالكتابةِ والأدبِ، يجدُ في الكلماتِ ملاذاً ومنفذاً لأحلامهِ. تخرّجَ من الجامعةِ متخصصاً في الأدبِ العربي، وبدأَ يخطو خطواتهِ الأولى في عالمِ الصحافةِ، ساعياً إلى توثيقِ جمالِ وطنهِ وقصصِ أهلهِ.
لكنَّ كلَّ هذهِ الطموحاتِ والأحلامِ بدتْ باهتةً أمامَ رحيلِ "ليلى". كانت "ليلى" للفتاةِ التي استوطنتْ قلبهُ منذُ لقائهما الأولِ في أحدِ معارضِ الكتابِ. كانتْ فتاةً تتمتعُ بجمالٍ هادئٍ، ورقةٍ في تعاملها، وروحٍ مرحةٍ تخطفُ الأنظار. اشتهرتْ بجمالِ خطها العربيِّ الأصيلِ، وكانتْ موهوبةً في الرسمِ، تجعلُ من الطبيعةِ وحيَ لوحاتها. تعارفا، أحبّا، وفي ظلِّ بيتٍ مسلمٍ متدينٍ، سارتْ خطبةٌ مباركةٌ، عُقدتْ بينَ العائلتينِ، وتمَّ تحديدُ موعدِ الزواجِ بعدَ أشهرٍ قليلة.
لكنَّ ظروفاً قاهرةً، لم يكنْ "أنسٌ" ليتحملَ عبءَ شرحها، استدعتْ سفرَ "ليلى" المفاجئَ معَ عائلتها إلى بلدٍ بعيدٍ، في رحلةٍ قد تطولُ. وداعٌ اضطراريٌّ، لم يتسعْ لهُ إلا بضعُ كلماتٍ، ونظراتٍ عميقةٍ تحملُ وعداً باللقاء.
وقفَ "أنسٌ" وحيداً على الشاطئ، ينظرُ إلى الأفقِ، حيثُ اختفتْ آخرُ بصيصاتِ الأملِ. همسَ باسمها: "ليلى... يا ليلي". لم يكنْ الصوتُ يحملُ مجردَ اسمٍ، بل كانَ صدىً لقلبٍ يعتصرُ ألماً. تذكرَ تلكَ النظرةَ الأخيرةَ في عينيها، امتزاجَ الحزنِ بالأملِ، والصبرِ على مشيئةِ الله. ابتسمَ رغمَ الألم، فهذا هوَ العهدُ بينهما، حبٌٌّ لا يعرفُ الحدودَ، ولا يضعفُ أمامَ الظروف.
"القادمُ أجملُ يا حبيبتي"، تمتمَ لنفسهِ، محاولاً استعادةَ رباطةَ جأشه. كانَ يعرفُ أنَّ اللهَ لا يبتلي عبدهُ إلا ليقوّيه، وأنَّ كلَّ مصيبةٍ تحملُ معها حكمةً وخيراً. بدأَ يعودُ أدراجهُ، تاركاً خلفهُ الشاطئَ وذكرياتِ الوداع. كانتْ خطواتهُ ثقيلةً، لكنَّ عزيمتهُ كانتْ أقوى.
في طريقهِ عائداً إلى منزلهِ، مرتْ ذكرياتهُ بـ"ليلى" كشريطِ سينما سريعة. أولُ لقاءٍ في سوقِ الكتبِ القديمة، حيثُ تقاسما الاهتمامَ بكتابٍ نادرٍ عن الشعرِ الأندلسي. ابتسامتها الأولى التي جعلتْ قلبهُ يخفقُ بجنون. حديثهما الأولِ الذي استمرَّ لساعاتٍ، وكأنَّ الزمنَ توقف. ثمَّ لحظةُ طلبِ يدها من والدها، تلكَ اللحظةُ التي شعرَ فيها بأنَّهُ يملكُ الدنيا وما فيها.
"أنسٌ" كانَ رجلَ قصةٍ. كانَ يحلمُ بزواجٍ تقليديٍّ، يجمعُ بينَ عائلتينِ متحابّتين، وزوجةٍ صالحةٍ تكونُ لهُ سكناً وأنيساً. لم يكنْ يبحثُ عن مجردِ حبٍّ عابرٍ، بل عن شريكةِ حياةٍ تُشاركهُ همومَ الحياةِ، وتُعانقُ أحلامهُ. ووجدَها في "ليلى".
وصلَ إلى منزلهِ، حيثُ استقبلتهُ والدتهُ بابتسامةٍ قلقة. "كيفَ حالُ ابنتي يا بني؟" سألتْ بصوتٍ خفيضٍ. "بخيرٍ يا أمي، لقدْ وادعتْنا بقلبٍ صابرٍ، ولعلَّ اللهَ يعجلُ بلقائنا"، أجابَ "أنسٌ" محاولاً تطمينها. عانقتهُ والدتهُ، وشعرتْ بكتفيهِ ترتجفانِ قليلاً. كانتْ تعلمُ مدى ارتباطِ ولدها بـ"ليلى". "لا تقلقْ يا بني. اللهُ معَ الصابرين. هذهِ الأيامُ ستمرُّ، وستعودُ حبيبتكَ إليكَ أقوى وأجمل".
في غرفتهِ، جلسَ "أنسٌ" أمامَ مكتبهِ. كانتْ هناكَ ورقةٌ فارغةٌ، وقلمٌ ينتظرُ كلماته. شعرَ برغبةٍ جامحةٍ في الكتابة، ليسَ لتفريغِ حزنهِ فقط، بل لنسجِ حكايةٍ جديدةٍ، حكايةِ حبٍّ يتحدى البعدَ والزمان. فتحَ مصحفاً صغيرًا، وقرأَ آياتٍ من سورةِ يوسف، يتذكرُ فيها صبرَ الأنبياءِ وعزمهم.
"إنَّ معَ العسرِ يسراً"، همسَ، وتجرّأَ أخيراً على كتابةِ أولِ حرفٍ. كانتْ كلماتهُ الأولى تتدفقُ بسلاسة، تصفُ رحيلَ "ليلى" بأسلوبٍ شاعريٍّ، لا يخلو منَ الشجنِ والتوق. بدأَ يرسمُ صورةَ البحرِ، والسماءِ، ورحيلِ الأملِ، لكنهُ سرعانَ ما استدركَ، ورسمَ بصيصَ نجمٍ في نهايةِ المشهدِ، كرمزٍ لعودةِ الحبيبةِ.
الشمسُ كانتْ قدْ غابتْ تماماً، وتركَتْ مكانها لنجومٍ بدأتْ تتلألأُ في سماءٍ حالكةٍ. شعرَ "أنسٌ" بالراحةِ بعدَ أنْ أفرغَ ما في جعبته. أغلقتِ الصفحةَ، وتركها لتجفَّ، وفي داخلهِ، بدأَ يتشكلُ فصلٌ جديدٌ من قصةِ حبهما، فصلٌ سيكتبُ بحروفٍ من الصبرِ، والإيمانِ، وانتظارٍ جميل.