الفصل 10 / 25

الزواج السعيد

همسات القدر ولحن الأمل

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات المساء تلفح وجه ليلى وهي تقف على شرفة منزل عائلتها، تراقب الأضواء المتلألئة لمدينة الرياض وهي تغفو. في قلبها، كان هناك طيفٌ متناقضٌ من المشاعر؛ مزيجٌ من الحنين إلى الماضي المشرق، والقلق المتصاعد من مستقبلٍ لم تتضح معالمه بعد. منذ أن وطئت قدماها هذه الأرض الطيبة، بعد سنواتٍ من الغربة، شعرت أن هناك خيطًا رفيعًا، ولكنه متين، يربطها بهذا المكان، بحضارته العريقة، وقيمه الراسخة.

لكن تلك الرحلة لم تكن بلا ثمن. ذكريات والديها، وطريقة رحيلهما المفاجئة، كانت تلقي بظلالها على كل لحظة سعادة. ورغم أن خالتها، الحاجة فاطمة، كانت خير سندٍ لها، تحيطها بالحب والرعاية، إلا أن فراغًا كبيرًا ظلّ قائمًا. كانت تبحث عن الاستقرار، عن الشعور بالانتماء الذي منحها إياه والداها.

في الأيام التي تلت وصولها، اكتشفت ليلى جانبًا جديدًا من نفسها. كانت دائمًا ترى نفسها شخصًا هادئًا، يميل للانزواء، ولكنه في هذه البيئة الجديدة، ومع الحاجة فاطمة التي كانت تشجعها دائمًا على الخروج من قوقعتها، بدأت تخرج وتختلط. كانت تحضر مجالس النساء، تستمع إلى حكاياتهن، وتشارك في الأنشطة الاجتماعية التي تنظمها المسجد. اكتشفت شغفًا قديمًا بالتطريز، عادت إليه بشغفٍ كبير، وكانت قصراتها المتقنة والملونة تزين أركان الغرفة.

كانت الأحاديث مع الحاجة فاطمة دائمًا ما تتجه نحو الزواج. كانت الحاجة فاطمة، بحكمتها وعلمها، تدرك أن ليلى في مرحلةٍ تحتاج فيها إلى شريكٍ صالحٍ يشاركها حياتها، ويدعمها في بناء مستقبلها. كانت تقول لها دائمًا: "يا ابنتي، الحياة رحلة، ومن أجمل ما فيها أن تسيري فيها مع من يأخذ بيدك نحو رضى الله، ويملأ قلبك بالسكينة والمودة."

لكن ليلى كانت لا تزال متحفظة. تجربتها السابقة، رغم أنها لم تكن سيئة، إلا أنها لم تكن مثالية. كانت تخشى أن تكرر أخطاء الماضي، وأن تختار شخصًا لا يشاركها رؤيتها للحياة، أو لا يقدر قيمة هذه الرحلة المباركة.

في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تتصفح كتابًا قديمًا لوالدتها، وقعت عيناها على صورةٍ بالية. كانت صورة لوالدتها وهي شابة، تقف بجانب شابٍ وسيم، تبتسم ابتسامةً مشرقة. لم تعرف من هو هذا الشاب، ولكن قلبها شعرت بشيءٍ غريب. سألت الحاجة فاطمة عنه، فأخبرتها أنه صديقٌ قديمٌ للعائلة، ولكنه هاجر إلى بلدٍ آخر منذ زمنٍ طويل.

عاد هذا الشاب، الذي عرفت لاحقًا أن اسمه "سالم"، إلى ذاكرتها. كانت صورة والدتها في تلك الحقبة الزمنية تثير فيها فضولًا عميقًا. هل كان هناك قصة حبٍ قديمة لم تكتمل؟ هل كان هذا الشاب له دورٌ في حياة والديها؟

في ذات الوقت، كان سالم، الشاب الذي ظهر في الصورة، يعيش صراعاته الخاصة. بعد سنواتٍ من الغربة، عاد إلى وطنه، حاملًا معه أحلامًا كبيرة، ولكن أيضًا عبئًا ثقيلًا من الذكريات. كان سالم رجلًا طيبًا، يتمتع بخلقٍ حسن، ورزقٍ طيب من الله. ولكنه كان يشعر بوحدةٍ متزايدة. كان يعمل بجدٍ في تجارته، يبني مستقبله، ولكنه كان يتمنى دائمًا وجود شريكة حياةٍ تشاركه همومه وأفراحه، وتكون له معينًا وسندًا.

عندما علم بعودة ليلى، شعرت عائلته ببعض الترقب. كان سالم يذكر ليلى جيدًا، يتذكر طفولتها، ويتذكر ابتسامة والديها. ولكن رؤيته لوالدتها في تلك الصورة القديمة، أثارت فيه شيئًا لم يستطع تفسيره. كان يتذكر أن والدها كان رجلًا حكيمًا، ورأس عائلته ذات يوم، لكنه لم يكن يعرف التفاصيل الكاملة عن حياتهما.

في لقاءٍ عائلي، جمعته مع عائلة الحاجة فاطمة، رأى سالم ليلى لأول مرة منذ عودتها. كانت قد تغيرت كثيرًا. لم تعد الطفلة الصغيرة التي يعرفها، بل أصبحت شابةً ناضجة، تحمل في عينيها حكمةً ورقة. أحس بشيءٍ ما يجذبه إليها، ولكنه لم يكن يريد أن يعطي لهذا الشعور تفسيرًا سريعًا.

كانت ليلى، في المقابل، تشعر بالفضول تجاه سالم. كانت تراه رجلًا مهذبًا، لديه هيبةٌ واحترام. كانت تلاحظ اهتمامه بالحديث مع الحاجة فاطمة، وسؤاله عن أحوال العائلة. ولكن أكثر ما لفت انتباهها هو عندما رأته ينظر إليها. كانت نظرةً سريعة، ولكنها حملت في طياتها شيئًا ما، شيئًا جعل قلبها يخفق بشكلٍ أسرع.

كانت هذه اللقاءات العائلية، وإن كانت قصيرة، تشعل شرارةً من الأمل في قلب ليلى. ربما كان القدر يجمع بينهما. ربما كان هذا الشاب هو الشخص الذي تتمناه لوالدتها، والذي يمكن أن يكون لها سندًا في هذه الحياة.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانت ليلى تتجول في حديقة المنزل، قابلت سالم. كان يجلس وحده على مقعدٍ خشبي، يتأمل النجوم. اقتربت منه بتردد، وسألته عن أحواله. تحدثا عن ذكريات الطفولة، وعن الغربة. كان سالم يستمع إليها باهتمام، وكأنه يبحث عن شيءٍ مفقود.

قال لها سالم: "أتذكر والدتك جيدًا، كانت امرأةً رائعة. كانت دائمًا تبتسم، حتى في أصعب الظروف."

ابتسمت ليلى بحزن: "كانت كذلك. كنت أفتقدها كثيرًا، وأفتقد حكمتها."

صمت سالم لبرهة، ثم قال: "ربما.. ربما أستطيع أن أساعدك في فهم بعض الأمور. بعض الأسرار التي لم تُكشف بعد."

ارتعش قلب ليلى. هل كان سالم يعرف شيئًا عن ماضي والديها؟ هل كان بإمكانه أن يساعدها في فك لغز تلك الصورة؟

كانت هذه الكلمات بدايةً لشيءٍ جديد. بدأت تتكشف أمامهما خيوطٌ متشابكة من الماضي، كانت كافيةً لإشعال شرارةٍ من الفضول، وربما.. ربما بدايةً لقصة حبٍ مباركة، مبنية على الاحترام، وعلى فهمٍ عميقٍ لرحلة الحياة. في تلك اللحظة، وفي سكون الليل، شعرت ليلى أن هناك بابًا جديدًا قد فُتح أمامها، بابٌ قد يحمل معه السعادة والاستقرار الذي كانت تتوق إليه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%