الفصل 11 / 25

الزواج السعيد

خيطٌ من الماضي يتكشف

بقلم مريم الحسن

استمرت زيارات سالم لمنزل الحاجة فاطمة، في إطارٍ من الاحترام والتقدير. لم تكن زياراتٍ تخلو من بعض الحيرة والترقب لدى ليلى. كانت ترى في عينيه اهتمامًا يتجاوز مجرد الواجب الاجتماعي. وفي كل مرةٍ يلتقيان فيها، كانت تشعر أن هناك شيئًا ما يريد أن يقوله، شيئًا يخفيه خلف تلك النظرات الثاقبة.

في أحد الأيام، بينما كانت الحاجة فاطمة تستقبل سالم، دعته ليلى لتناول الشاي معها. استغل سالم تلك الفرصة، بعد أن اطمأن إلى أن الحديث بينهما سيكون خاصًا، ليتحدث مع ليلى عن والدتها.

"يا ليلى،" بدأ سالم، بصوتٍ خفيضٍ يكتنفه بعض الحزن، "لقد عرفت والدتك قبل سنواتٍ طويلة. كانت من أجمل النساء اللواتي عرفتهن. كانت تتمتع بقلبٍ طيب، وروحٍ مرحة. ولطالما أُعجبت بحكمتها ورزانتها."

شعرت ليلى بلسعةٍ من الشوق لوالدتها، وبفضولٍ عميقٍ تجاه هذه الذكريات التي يشاركها سالم. "أتذكرها دائمًا بابتسامتها، وحنانها. ولكن.. هل تعرف كيف التقت بوالدي؟"

تنهد سالم، ونظر إلى الفراغ للحظة: "لقد عرفت والدك أيضًا. كان رجلًا نبيلًا، يعتمد عليه. كانا يعيشان في حيٍّ قريبٍ من حيّنا، وكنت أتذكر زياراته لوالدتي، حينما كانا ما يزالان في بداية حياتهما."

"زيارات؟" تساءلت ليلى، ببعض المفاجأة. "لم أكن أعلم بهذا."

"نعم،" أكمل سالم، "ولكن.. هناك أمرٌ آخر. كان بين والدتك وشخصٍ آخر علاقةٌ سابقة. قبل أن تلتقي بوالدك."

ارتعش قلب ليلى. هل كانت الصورة التي وجدتها لوالدتها هي إشارةٌ إلى هذا الشخص؟ "شخصٌ آخر؟ من هو؟"

"كان اسمه 'خالد'،" أجاب سالم. "كان شابًا طموحًا، ولكن.. للأسف، لم تكن ظروفهما تسمح لهما بالاستمرار. لقد رحل عن البلاد ليعمل، ووعد بالعودة. ولكن.. لم يعد."

صمت سالم، ثم أردف: "كانت والدتك تحبه كثيرًا. وكانت صورته دائمًا تحتفظ بها. هذه الصورة التي وجدتها.. أعتقد أنها هي."

كانت كلمات سالم كالصاعقة على ليلى. لم تتخيل أبدًا أن تكون والدتها قد مرت بتجربةٍ عاطفيةٍ عميقة قبل والدها. شعرت ببعض الارتباك، ولكن أيضًا بنوعٍ من الفهم. كانت والدتها إنسانة، مرت بتجارب حياتها، ولها قصتها الخاصة.

"لم أعلم بهذا قط،" قالت ليلى بصوتٍ واهن. "هل.. هل كنت أنت تعرفه؟"

"كنت أعرفه قليلًا،" أجاب سالم. "كان صديقًا لأحد جيراننا. كان شابًا جيدًا، ولكن.. لم تسر الأمور كما خطط لها. لقد ابتعدت عنه الحياة، وتزوجت والدك. وكانت دائمًا تكن له احترامًا كبيرًا، ولكن.. الأمور قد تتغير."

كانت هذه المعلومات تشكل لدى ليلى بانوراما جديدة عن حياة والديها. لم تعد مجرد صورةٍ غامضة، بل أصبحت قصةً إنسانية، مليئةً بالمشاعر والتحديات. شعرت ليلى بتقديرٍ كبيرٍ لسالم، لأنه شاركها هذه الأسرار، ولم يبخل عليها بالمعلومات.

"شكرًا لك يا سالم،" قالت ليلى بصدق. "هذا يعني لي الكثير. لقد ساعدتني في فهم جوانب لم أكن أعرفها."

ابتسم سالم ابتسامةً خفيفة، تبعث على الطمأنينة: "يسرني ذلك يا ليلى. أرغب دائمًا في رؤية السعادة تملأ حياتك، كما كانت تملأ حياة والدتك."

في الأيام التالية، لم تفارق هذه الأفكار ليلى. كانت تفكر في خالد، الشاب الذي أحبته والدتها، وفي الظروف التي فرقت بينهما. ولكن الأهم من ذلك، كانت تفكر في والدها، الرجل الذي اختارته والدتها، والذي بناء معها حياةً مليئةً بالحب والاستقرار.

كانت تشعر بشيءٍ من القلق، هل يمكن أن يثير هذا الموضوع بعض الشكوك في قلب سالم؟ هل يمكن أن يتساءل عن سبب اهتمامه بهذا القدر؟ ولكن سرعان ما تبدد هذا القلق. كانت نظرات سالم تحمل دائمًا الاحترام والتقدير، ولم تكن هناك أي إشارةٍ إلى دوافع أخرى.

في إحدى اللقاءات، سألت الحاجة فاطمة ليلى عن سالم. "ما رأيك في سالم يا ابنتي؟ شابٌ طيب، وذو أخلاقٍ حسنة."

ابتسمت ليلى: "نعم يا خالتي. رجلٌ محترم جدًا."

"كنت أتمنى أن تجدي معه السعادة،" قالت الحاجة فاطمة، بنبرةٍ تحمل أملًا. "لقد كان والدك يحب أهله كثيرًا، وأعتقد أن والدته كانت قريبةً من والدتك. ربما هناك أسبابٌ تدفعنا للتفكير في هذا الارتباط."

كانت كلمات الحاجة فاطمة، وإن كانت مباشرة، تزيد من إحساس ليلى بمسؤوليتها. هل كان عليها أن تتجاهل مشاعرها، وتنظر إلى هذا الارتباط كواجبٍ اجتماعي؟ أم أن هناك شيئًا أعمق، شيئًا يربطها بسالم؟

بدأت ليلى تلاحظ اهتمام سالم بالأمور الدينية، وشغفه بالعمل التطوعي. كان يتحدث دائمًا عن أهمية بناء مجتمعٍ قوي، قائمٍ على القيم الإسلامية. كانت هذه الأمور تتوافق مع رؤيتها للحياة، وكانت تشعر بأنها تشاركه الكثير من اهتماماته.

في المقابل، كان سالم يشعر بارتياحٍ كبيرٍ في الحديث مع ليلى. كان يرى فيها نفس الهدوء والرقة التي كان يتمتع بها والدتها. كان يشعر بأنها تفهمه، وأنها تقدر قيمه.

في أحد الأيام، وفي أثناء زيارته، لمح سالم كتابًا قديمًا على رفّ مكتبة الحاجة فاطمة. كان كتابًا عن تاريخ الرياض. "هذا الكتاب،" قال سالم، "كان لوالدي. كان يحب جمع الكتب القديمة."

فتحت ليلى الكتاب، وبحثت عن أي شيءٍ قد يربطها بوالديها. وفجأة، وقعت عيناها على ورقةٍ صغيرةٍ قديمة، كانت مدسوسةً بين الصفحات. كانت مكتوبةً بخطٍ أنيق، وكلماتها تحمل أثرًا للزمن.

"ما هذا؟" سألت ليلى، وقلبها يدق بسرعة.

ناولها سالم الورقة. قرأت ليلى: "إلى حبيبتي، ليلى. أكتب إليك هذه الكلمات، وأنا على وشك السفر. لا تقلقي عليّ. سأعود قريبًا، حاملًا معي أحلامنا. تذكري دائمًا أن حبك هو نور حياتي، وأنكِ أجمل ما أملك. إلى لقاءٍ قريب، خالد."

تجمدت ليلى في مكانها. كانت هذه الرسالة من خالد، الشاب الذي أحبته والدتها، موجهةً إليها هي، ليلى. هل كان هذا يعني أن والدتها كانت تتوقع مولودًا؟ هل كانت تسمي ابنتها ليلى تيمنًا بهذا الحب؟

نظر سالم إليها، ورأى الدهشة والفرح والحزن تختلط في عينيها. "يا إلهي،" قال سالم، "كنت أتوقع أن هذه الورقة تخص والدتك، ولكني لم أتخيل أنها موجهةٌ إليكِ."

كانت هذه اللحظة نقطة تحولٍ حاسمة. لقد تكشفت خيوطٌ متشابكة من الماضي، ولم تعد مجرد معلوماتٍ عابرة، بل أصبحت جزءًا من قصة ليلى، قصة حبٍ ووفاءٍ امتد عبر الزمن. شعرت ليلى أن حياتها قد اكتسبت بعدًا جديدًا، وبعدًا مليئًا بالغموض والأمل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%