الفصل 17 / 25

الزواج السعيد

صدى الماضي في أروقة الذاكرة

بقلم مريم الحسن

انطلقتْ ليلى في رحلةٍ استكشافيةٍ داخلَ أروقةِ القصرِ المهيب. لمْ يعدْ القصرُ مجردَ مكانٍ للإقامة، بلْ أصبحَ كتاباً مفتوحاً، صفحاتُهُ مليئةٌ بالأسرارِ والذكريات. كانتْ كلُّ غرفةٍ، كلُّ ممرٍّ، كلُّ لوحةٍ معلّقةٍ على الجدران، تحكي قصةً، وتشيرُ إلى خيطٍ جديدٍ في نسيجِ الماضي المعقد.

أكثرُ ما أثارَ فضولَها هوَ الغرفةُ التي وصفتْها جدّتُها بأنَّها كانتْ تخصُّ جدّتَها زينب. كانتْ الغرفةُ مغلقةً منذُ عقود، وبابُها مزينٌ بنقوشٍ دقيقةٍ لزهرةِ الياسمين، وهيَ الزهرةُ التي كانتْ جدّتُها زينبُ تُحبُّها. بعدَ إلحاحٍ من ليلى، وبتصريحٍ من جدّتِها، حصلتْ على المفتاحِ القديمِ الذي يفتحُ بابَ الغرفة.

عندما فتحتْ البابَ، استقبلَها عبقٌ خفيفٌ من الوردِ المجففِ والجلدِ العتيق. كانتْ الغرفةُ صغيرةً نسبياً، لكنَّها أنيقةٌ وبسيطة. كانَ فيها سريرٌ خشبىٌّ عليهِ فراشٌ مطرزٌ بدقة، ومرآةٌ كبيرةٌ ذاتُ إطارٍ مزخرفٍ بالفضة، وخزانةٌ ملابسُ قديمة. لكنَّ ما لفتَ انتباهَها بشدةٍ هوَ مكتبٌ صغيرٌ وُضعَ في زاويةِ الغرفة، فوقَهُ مصباحٌ زيتىٌّ قديمٌ، وبعضُ الكتبِ الغبارية.

اقتربتْ ليلى من المكتب، ولمستْ سطحهُ البارد. كانَ يبدو وكأنَّهُ ينتظرُ يدَها منذُ زمن. فتحتْ أدراجَهُ ببطءٍ وحذر. كانتْ مليئةً بأوراقٍ قديمة، ورسائلَ مكدسة، وصورٍ باهتة. كانتْ معظمُ الرسائلِ موجهةً إلى "عزيزتي زينب"، بخطٍّ أنيقٍ وجميل، وتوقيعٍ لمْ تستطعْ قراءتهُ بوضوح.

بدأتْ تقرأُ بعضَ الرسائل. كانتْ تتحدثُ عن مشاعرَ عميقة، عن شوقٍ وحنين، وعن لقاءاتٍ سريةٍ في حدائقَ مخفية. كانتْ لغةُ الحبِّ فيها قويةٌ وعذبة، وتخلو من أيِّ ابتذال، وتتسمُ بالاحترامِ والتقدير. شعرتْ ليلى بأنَّها تطلُّ على عالمٍ من العاطفةِ النبيلة، عالمٍ كانَ يعيشُ فيةِ جدّتُها زينبُ.

ثمَّ وجدتْ رسالةً مختلفةً عن البقية. كانتْ مكتوبةً بخطٍّ مختلف، وبأحرفٍ مبعثرةٍ قليلاً، وكأنَّها كُتبتْ على عجل. كانتْ موجهةً إلى "ابنتي الحبيبة فاطمة"، أيْ جدّتَها. تساءلتْ ليلى عن سببِ وجودِها في هذا المكتب.

"ابنتي فاطمة،" بدأتْ الرسالة، "إذا كنتِ تقرأينَ هذهِ الأوراق، فهذا يعني أنَّني رحلتُ عن الدنيا. أحملُ في قلبي سراً ثقيلاً، سراً كادَ أنْ يدمرَ حياتي، وسيكشفُ حقيقةَ الكثير. أعلمُ أنَّكِ ستكونينَ قويةً، وستتخذينَ القرارَ الصحيح."

توقفتْ ليلى عن القراءة، وشعرتْ بأنَّ قلبَها بدأَ يخفقُ بقوة. كانتْ هذهِ هيَ الوصيةُ التي تحدثتْ عنها جدّتُها!

"زوجي عبد الرحمن، رحمةُ اللهِ عليه، كانَ رجلاً طيباً، لكنَّه كانَ يحملُ طيبةً زائدةً عن الحدّ. وقعَ ضحيةً لخيانةٍ مؤلمةٍ من شخصٍ وثقَ بهِ كلَّ الثقة. ولمْ أستطعْ أنْ أُسامحَ نفسي على صمتي في ذلكَ الوقت. كانَ السببُ في خرابِ سمعتِنا، وفي نزاعٍ كبيرٍ بينَ عائلتِنا وعائلةٍ أخرى."

"أريدُكِ أنْ تعرفي، يا فاطمة، أنَّ حبّي الأكبرَ لمْ يكنْ لعبد الرحمن، بلْ لشخصٍ آخرَ أحببتُه في شبابي، وكانَ اسمهُ أحمد. كانَ أحمدُ شاباً صالحاً، لكنَّ الظروفَ أجبرتنا على الانفصال. وأنا، في تلكَ الفترةِ، كنتُ حاملاً."

صُدمتْ ليلى. هلْ كانَ عبد الرحمنُ ليسَ والدَ أمِّها؟

"أنجبتُ طفلةً، وأعطيتُها لعائلةٍ أمينةٍ جداً، خوفاً على مستقبلِها، وخوفاً على سمعةِ أهلي. لمْ أستطعْ أنْ أفصحَ عن الحقيقةِ لأحد. وتركتُ ابنتي، وهيَ جدتُكِ أمُّكِ، لتربيتها. لكنَّ ضميري لمْ يهدأ أبداً. وأحمدُ، والدُها الحقيقي، لمْ يعرفْ أبداً بوجودِ ابنتِهِ."

"وأخيراً، يا ابنتي، فإنَّ هذهِ الطفلةُ التي أنجبتُها، والتي هيَ جدتُكِ، أنجبتْ بدورِها ابنةً، وهيَ أمُّكِ، التي ربتْ خالدٍ. نعم، خالدٌ ليسَ غريباً عن عائلتِنا. جدّتُه، كانتْ ابنتِي الأولى، التي لمْ يعرفْها أحمد. لقدْ تزوجتْ ابنتي من عائلةٍ معروفةٍ، وأنجبتْ ابنةً، وهيَ والدةُ خالد. وهكذا، فإنَّ خالدٍ، هوَ سليلُ ابنتي الأولى، ابنتي من أحمد."

شعرتْ ليلى بأنَّ كلَّ شيءٍ يتهاوى حولَها. كانتْ المعلوماتُ تتفجرُ كالقنابل. أمُّها... لمْ تكنْ ابنةَ عبد الرحمن؟ وخالدٌ... كانَ قريباً جداً لها، بلْ هوَ ابنُ عمٍّ من جهةٍ عائليةٍ لمْ تكنْ تعرفُها؟

"النزاعُ الكبيرُ الذي ذكرتُه، كانَ معَ عائلةِ أحمد. حاولوا استعادةَ ابنتِي، لكنَّ الأمورَ تعقدتْ. ثمَّ، بعدَ سنواتٍ طويلة، تواصلتْ ابنتي الأولى معَ عائلةِ أحمد، وأصبحتْ والدةُ خالدٍ، ابنتُها. هكذا، فإنَّ الأسرارَ اجتمعتْ. والآن، أنتِ، يا ليلى، وحيدةً في هذا القصر، معَ معرفةٍ محدودةٍ عن هذا التاريخ. أريدُ منْكِ أنْ تعرفي الحقيقةَ كاملة. وابحثي عن اسمِها، اسمُ جدّتِكِ الأولى، فقدْ أخفيتُه في مكانٍ ما. هذا الاسمُ هوَ مفتاحُ الحقيقةِ الكاملة."

"لقدْ وضعتُ وثائقَ أخرى في صندوقٍ خشبيٍّ صغيرٍ، مخبأً في مكانٍ لا يتوقعهُ أحد. هذا الصندوقُ فيهِ تفاصيلُ كلِّ شيء. وهوَ قريبٌ من ذكرى جدّكِ عبد الرحمن. ابحثي عن هذا الصندوق، يا فاطمة، وحاولي أنْ تُصلحي ما أفسدتْهُ الأقدار."

"وداعاً يا ابنتي، وأتمنى أنْ تجدي السلامَ الذي لمْ أجدهُ أنا."

أغلقتْ ليلى الرسالة، وقلبُها يكادُ يخرجُ من صدرِها. كانتْ في حالةٍ من الذهولِ التام. المعلوماتُ كانتْ متدفقةً، ومتناقضةً، ومؤلمةً. أمّها... كانتْ ابنةً غيرَ شرعية؟ وخالدٌ... قريبٌ جداً؟

نظرتْ حولَ الغرفةِ، تبحثُ عن أيِّ شيءٍ يدلُّ على الصندوقِ المذكور. "قريبٌ من ذكرى جدّكِ عبد الرحمن." هلْ كانَ يقصدُ قبرَهُ؟ أمْ شيئاً يخصُّهُ؟

كانتْ هناكَ صورٌ كثيرةٌ على المكتب. بدأتْ تفرزُها. صورٌ لجدّتِها زينبَ، شابةً، تبدو عليها علاماتُ السعادةِ والحزنِ في آنٍ واحد. صورٌ لجدّها عبد الرحمن، رجلٌ ذو ملامحَ صارمةٍ لكنَّها تحملُ طيبةً واضحة. ثمَّ وجدتْ صورةً صغيرةً لفتاةٍ صغيرةٍ، ذاتِ عينينِ واسعتينِ، تشبهُ ليلى كثيراً. مكتوبٌ على ظهرِها باللونِ الباهت: "ابنتي الحبيبة، أميرة".

أميرة؟ هلْ كانتْ هذهِ هيَ ابنةُ زينبَ الأولى؟ أميرة... اسمٌ جميلٌ، لكنَّهُ لمْ يذكرْ في أيِّ حديثٍ.

فتحتْ درجاً أخيراً في المكتب، ووجدتْ صندوقاً خشبياً صغيراً، مزيناً بنقوشٍ بسيطةٍ لزهرةِ الياسمين. كانَ الصندوقُ ثقيلاً. فتحتْهُ بلهفة. بداخلهِ وُجدتْ وثائقُ رسميةٌ، وسجلاتٌ قديمة، وبعضُ المجوهراتِ الباهتة. كانتْ هناكَ وثيقةٌ مكتوبةٌ بخطٍّ واضحٍ: "شهادةُ ميلادٍ، باسمِ أميرة، بنتِ زينبَ وأحمد."

شعرتْ ليلى بأنَّ الأرضَ تدورُ بها. كلُّ شيءٍ كانَ حقيقياً. كانتْ الحقيقةُ أقسى وأكثرَ تعقيداً مما تخيلتْ. خالدٌ، الذي بدأتْ مشاعرُها نحوهُ تتفتح، لمْ يعدْ مجردَ شخصٍ غريبٍ، بلْ أصبحَ مرتبطاً بتاريخِ عائلتِها بطريقةٍ دراميةٍ ومؤلمة.

لمْ تعدْ تعلمُ ماذا تفعل. هلْ تخبرُ جدّتَها؟ هلْ تخبرُ خالد؟ هلْ تستطيعُ أنْ تواجهَ هذهِ الحقيقةَ وحدها؟

حملتْ الصندوقَ، وخرجتْ من الغرفةِ، تاركةً وراءَها عبقَ الماضي، وصدى الأسرارِ التي بدأتْ تتكشفُ ببطءٍ، لكنْ بقوةٍ مدمرة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%