الزواج السعيد
الغد الموعود يبدو بعيداً
بقلم مريم الحسن
كانت ليلةً غاب فيها القمر، وكأن السماء ألقت بعباءةٍ سوداءَ ثقيلةٍ على القاهرة، لتكتمَ أنفاسَ المدينةِ وصخبَها. في شقةِ عائشةَ الهادئةِ، التي كانت تعبقُ دوماً برائحةِ الياسمينِ المتسللةِ من نافذتها المفتوحةِ على ضوءِ النجوم، سادَ صمتٌ ثقيلٌ، أثقلُ من غيابِ القمر. كانت عائشةُ جالسةً في غرفتها، وقد أدارت ظهرها لنافذتها، مستندةً بظهرها إلى الحائطِ البارد، وعيناها مغمضتانِ، تحاولُ جاهدةً أن تجدَ في أعماقِ روحها ملاذاً من عاصفةِ المشاعرِ التي اجتاحتها.
على الطاولةِ الصغيرةِ بجانبها، وضعتْ هاتفَها، لم تعدْ ترغبُ في النظرِ إليه. كلُّ نقرةٍ، كلُّ إشعارٍ، كانَ يطعنُ قلبها بسكينٍ بارد. إنها لم تتوقعْ أبداً أن يصلَ بها الحالُ إلى هذهِ النقطة. لم تتخيلْ أن تتآكلَ أحلامُها أمامَ عينيها، وأن يتحولَ ما بدا لها قبلَ أيامٍ قليلةٍ كالمستقبلِ المشرقِ إلى سرابٍ خادع.
الحديثُ معَ الأستاذِ سليم، محامي العائلةِ، كانَ كصفعةٍ على وجهها. كلماته، على الرغمِ من كونها دبلوماسيةً ومُغلّفةً بلغةٍ قانونيةٍ بحتة، إلا أنها مزقتْ ستارَ الوهمِ الذي كانت تعيشُ فيه. "يا ابنتي، إنَّ الإجراءاتِ القانونيةَ معقدةٌ، والوقتُ عاملٌ حاسم. يجبُ علينا أن نتحركَ بسرعةٍ قبلَ فواتِ الأوان." هكذا قالَ لها، وصوتُه الهادئُ يحملُ نبرةَ أسفٍ خفية.
لكنَّ المعنى الحقيقيَّ كانَ أكثرَ قسوة. إنَّ ما قالهُ الأستاذُ سليم، وإنْ لم ينطقْ بهِ صراحةً، كانَ يؤكدُ ما كانت تخشاهُ في قرارةِ نفسها. إنَّ التلاعبَ الماليَّ الذي قامَ بهِ فواز، ابنُ عمها، لم يكنْ مجردَ خطأٍ عابر. لقد كانَ تلاعباً مُتعمداً، مدروساً، بهدفِ الاستيلاءِ على جزءٍ كبيرٍ من ميراثِ والدها، وجعلِ عائلتِها في وضعٍ لا يُحسدُ عليه. وكانَ الثمنُ الأكبرُ هوَ علاقتها بـ"أحمد"، الذي بدأتْ ترى فيهِ نصفَها الآخر، ورجلاً أتقياً، حكيماً، يمكنُ أن تبني معه حياتها.
تذكرتْ كيفَ أنَّ أحمدَ كانَ يسألها دائماً عن سيرِ الإجراءاتِ المتعلقةِ بترتيباتِ الزواج. كانَ صبوراً، متفهماً، يمنحها الأمانَ والطمأنينة. "لا تقلقي يا حبيبتي، كلُّ شيءٍ سيكونُ على ما يرام. إنَّ اللهَ معنا." كانَ يرددُ دائماً، وكانَ كلامُه بلسمَاً لجراحِها. ولكنْ كيفَ ستشرحُ لهُ الآن؟ كيفَ ستخبرهُ أنَّ الأبوابَ التي بدتْ مفتوحةً على مصراعيها، أصبحتْ موصدةً، وأنَّ المستقبلَ الذي كانا يرسمانِهُ معاً، قدْ باتَ محفوفاً بالعقباتِ التي لا تُحصى؟
كانَ فواز، هوَ محورَ المصيبة. شابٌ طموحٌ، متسرعٌ، اعتادَ على الحصولِ على ما يريدُ بأيِّ ثمن. لقد استغلَّ طيبةَ والدتها، وثقتها العمياءَ بهِ، لينفذَ خطتهُ الخبيثة. كانتْ والدتها، الحاجةُ فاطمة، طيبةَ القلبِ، لكنها غالباً ما تفشلُ في رؤيةِ نوايا الناسِ الحقيقية. لطالما تحدثتْ عن فواز كابنِ أخٍ بارٍّ، وكيفَ أنهُ سيكونُ سنداً لعائشةَ بعدَ زواجها. لم تكنْ تعلمْ أنها كانتْ تخطئُ التقديرَ كثيراً.
في تلكَ اللحظة، شعرتْ عائشةُ بالوحدةِ المطلقة. لم يكنْ لديها من تُلجأُ إليهِ لتشكو إليهِ همومها. والدتها، للأسف، كانتْ هيَ السببُ الأولُ في تفاقمِ المشكلةِ. وأشقاؤها، رغمَ محبتهم لها، إلا أنهم كانوا مشغولينَ بحياتهم الخاصة، ولم يكنْ لديهم الوقتُ الكافيُ لفهمِ حجمِ المصيبةِ التي حلتْ بها.
صوتُ هاتفها قطعَ شرودها. نظرتْ إليهِ بتردد. كانَ اسمُ أحمدَ يضيءُ الشاشة. ترددتْ للحظة، ثمَّ أجابتْ بصوتٍ متهدجٍ حاولَتْ جاهدةً إخفاءَ ما فيه. "ألو... أحمد؟"
"عائشة؟ حبيبتي، كيفَ حالكِ؟ لم أسمعْ صوتكِ اليوم، ألهذا الحدِّ استنزفتكِ الاستعدادات؟" كانَ صوتُه يحملُ دفئاً عذباً، ولهفةً صادقة.
حاولتْ أن تبتسمَ، لكنَّ ابتسامتها كانتْ باهتةً كضوءِ شمعةٍ على وشكِ الانطفاء. "أنا بخيرٍ يا أحمد. فقط... بعضُ الأمورِ تتطلبُ وقتاً أطولَ مما توقعت."
"وهذا طبيعيٌ يا حبيبتي. لا تقلقي. المهمُّ أن نحافظَ على هدوئنا. هل أنتِ مستعدةٌ للقاءٍ قصيرٍ غداً؟ أرغبُ في رؤيةِ وجهكِ، والتأكدِ من أنكِ لم تُرهقي نفسكِ كثيراً."
تجمَّدَ الدمُ في عروقها. غداً؟ كيفَ ستنظرُ في عينيهِ غداً؟ كيفَ ستُخفي عنه الحقيقةَ المرة؟ لم يكنْ بإمكانها كتمانُ الأمرِ أكثرَ من ذلك. لقد وصلَ الأمرُ إلى مرحلةٍ لم يعدْ فيها التراجعُ ممكناً. إنَّ أحمدَ يستحقُّ الصدقَ، ويستحقُّ أن يعرفَ كلَّ شيءٍ قبلَ أن يتقدمَ لخطبتها رسمياً.
"أحمد..." بدأتْ، وصوتُها بالكادِ يُسمع. "هناك... هناكَ شيءٌ يجبُ أن أخبركَ به."
سكتَ أحمدُ للحظة، ثمَّ قالَ بصوتٍ هادئٍ ومطمئن: "تكلمي يا عائشة. أنا أسمعكِ."
تنفستْ بعمق، مستجمعةً شجاعتها. "إنَّ الأمورَ معقدةٌ جداً. فواز... ابنُ عمي... لقد... لقد قامَ ببعضِ التصرفاتِ الماليةِ التي سببتْ لنا مشاكلَ كبيرة. والمحامي يقولُ إنَّ قضيتنا ضعيفةٌ جداً الآن."
سكتَ أحمدُ مرةً أخرى، ولكنْ هذهِ المرة، سادَ صمتٌ أثقل، كأنَّ الوقتَ توقفَ عن الدوران. ثمَّ قالَ ببطءٍ، وكأنَّ كلَّ كلمةٍ تُنتزعُ من روحه: "فواز؟ مشاكلٌ مالية؟ عائشة، ماذا تعنينَ بالضبط؟"
شرحتْ لهُ كلَّ شيءٍ، كلمةً كلمة، بتفصيلٍ مؤلم. كلُّ كلمةٍ كانتْ سكيناً إضافياً يغوصُ في قلبها. وعندما انتهتْ، كانَ الصمتُ بينهما أشدَّ وطأةً من أيِّ حديث. لم يكنْ هناكَ كلماتٌ كافيةٌ لوصفِ الصدمةِ التي استقرتْ في صوتِ أحمدَ عندما قالَ في النهاية: "لم أكنْ أتوقعُ أبداً هذا. لم أتخيلْ أنَّ الأمورَ يمكنُ أن تكونَ بهذا السوء."
"أنا آسفةٌ يا أحمد. حقاً آسفة." همستْ، والدموعُ تتساقطُ على خديها.
"لا تقولي ذلك يا عائشة. هذا ليسَ ذنبكِ. ولكنْ... ماذا يعني هذا بالنسبةِ لنا؟"
كانَ هذا هوَ السؤالُ الذي يؤلمها. "لا أعرفُ يا أحمد. لا أعرفُ ماذا سيحدث. الأمورُ قدْ تتغيرُ كثيراً. قدْ نضطرُ إلى تأجيلِ كلِّ شيء... أو..." لم تستطعْ إكمالَ الجملة. "أو ربما... إلغائه."
كانَ الصمتُ يعودُ ليخيمَ على المكالمة، أثقلَ من ذي قبل. إنَّ مستقبلَهم، الذي بدا واضحاً ومشرقاً، قدْ تحولَ الآنَ إلى ضبابٍ كثيف، لا ترى فيهِ سوى ظلالٍ قاتمة.
"سأفكرُ في الأمرِ يا عائشة. سأكلمكِ غداً." قالَ أخيراً، وصوتُه خالٍ من أيِّ تعبير.
أغلقتْ عائشةُ الهاتفَ، ودموعُها تنهملُ بلا توقف. كانتْ تعلمُ أنَّ هذهِ الليلةَ كانتْ نقطةَ تحولٍ، وأنَّ الغدَ لن يكونَ كما تخيلتهُ أبداً. لقد بدأتْ معركةُ الأملِ ضدَّ اليأس، وكانَ اليأسُ يتقدمُ بخطواتٍ سريعة.