الفصل 2 / 25

الزواج السعيد

أصداءُ الماضي ولحنُ الحاضر

بقلم مريم الحسن

في أزقةِ حيِّ "المسجدِ الكبيرِ" القديمِ، حيثُ يتناغمُ عبقُ التاريخِ معَ نسماتِ الرياحِ المحملةِ برائحةِ البخورِ والقهوةِ العربيةِ، كانتْ "نورُ" تسيرُ بخطواتٍ وئيدةٍ، تترقرقُ عيناها ببريقٍ حذرٍ. كانتْ تحملُ بينَ يديها سلةً مليئةً بالتمورِ الطازجةِ، وكوباً منَ العصيرِ الطازجِ، متجهةً نحوَ بيتِ جدتها "أمينة"، الذي كانَ يقعُ في قلبِ الحيِّ، بجوارِ منزلِ "أنس".

"نورُ"، شابةٌ في العشرينِ من عمرها، تتمتعُ بجمالٍ لافتٍ، يجمعُ بينَ براءةِ الطفولةِ ورزانةِ الشابات. بشرتها بيضاءُ صافيةٌ، وعيناها واسعتانِ سوداوانِ، كحيلتانِ بشكلٍ طبيعي، وشفتاها ورديتانِ دوماً. ترتدي حجاباً فضفاضاً ينسدلُ بأناقةٍ، وتفضلُ الملابسَ ذاتَ الألوانِ الهادئةِ، التي تعكسُ رقةَ روحها. نشأتْ في بيتٍ محافظٍ، تعلمتْ فيهِ أهميةَ احترامِ الكبيرِ، وبركةَ صلةِ الرحم.

كانتْ جدتها "أمينة" شخصيةً محوريةً في حياةِ "نور". امرأةٌ مسنّةٌ، فاضلةٌ، تتمتعُ بذكاءٍ حادٍّ وحكمةٍ عميقة. كانتْ نبعَ الحنانِ والدفءِ لعائلتها، ومرجعاً للجميعِ في الأمورِ الدينيةِ والاجتماعية. غالباً ما كانتْ "نورُ" تقضي أيامَ عطلتها في بيتِ جدتها، تستمعُ إلى قصصها وحكاياتها عن الماضي، وتتعلمُ منها فنَّ التطريزِ وخبزِ الكعكِ.

وصلتْ "نورُ" إلى البابِ الخشبيِّ العتيقِ، الذي تزينهُ نقوشٌ عربيةٌ قديمة. طرقتْ بأدبٍ، وسرعانَ ما انفتحَ البابُ، لتستقبلها ابتسامةٌ دافئةٌ من جدتها. "أهلاً بكِ يا حبيبتي، لقدْ كنتُ بانتظاركِ".

"مساءُ الخيرِ يا جدتي، أتيتُ حاملةً لكِ بعضَ ما جادتْ بهِ الطبيعةُ"، قالتْ "نورُ" وهيَ تُقدّمُ السلةَ. "باركِ اللهُ فيكِ يا ابنتي. تفضلي بالجلوسِ، سأُعدُّ لكِ كوباً منَ الشايِ الأخضرِ بالنعناعِ"، أجابتْ "أمينة" وهيَ تُشيرُ إلى مقعدٍ مريحٍ بجوارِ النافذةِ المطلةِ على ساحةِ البيتِ الصغيرة.

جلستْ "نورُ"، تنظرُ حولها إلى أثاثِ البيتِ العتيقِ، الذي يحملُ عبقَ ذكرياتٍ لا تُحصى. صورٌ مؤطرةٌ لرجالٍ ونساءٍ من عائلتها، أوشحةٌ قديمةٌ، ومصاحفٌ مزينةٌ. كلُّ شيءٍ في هذا المكانِ يحكي قصةً.

"كيفَ حالُ جارنا الطيبِ "أنسٌ"؟" سألتْ "أمينة" فجأةً، مستوقفةً "نور" عنْ شرودها. شعرتْ "نورُ" بحرارةٍ خفيفةٍ تصعدُ إلى خديها. كانتْ تعرفُ أنَّ جدتها تدركُ علاقتها الوثيقةَ بـ"أنس"، وإنْ لم يكنْ هناكَ شيءٌ رسميٌّ واضحٌ حتى الآن. كانتْ تربطهما علاقةُ صداقةٍ عميقةٍ منذُ الطفولة، نمتْ وتطورتْ معَ مرورِ السنوات. كانا يتشاركانِ الشغفَ بالأدبِ، والقراءةِ، والاهتمامَ بالتفاصيلِ الصغيرةِ في الحياة.

"لقدْ كانَ بوداعِ "ليلى" يا جدتي. سمعتُ أنهُ كانَ يبدو حزيناً جداً عندما رأيتهُ على الشاطئِ قبلَ قليل"، أجابتْ "نورُ" بصوتٍ خفيضٍ. تنهدتْ "أمينة" بحنان. "آهٍ، "ليلى". فتاةٌ جميلةٌ، وأرى في "أنسٍ" خيراً كثيراً لها. لكنَّ الأقدارَ تسيرُ بما تشاء. علينا أنْ نثقَ بحكمةِ اللهِ ورحمتهِ. ربما يكونُ في هذا البعدِ خيرٌ لهما."

"لكنَّ "أنسٌ" يبدو متأثراً جداً يا جدتي. رأيتُهُ يكتبُ في مكتبهِ، وكانَ وجههُ شاردَ الذهنِ"، قالتْ "نورُ" وهيَ تُراقبُ وجهَ جدتها. "ابنتي، "أنسٌ" شابٌ مرهفُ الحسِّ، وقلبهُ كبيرٌ. الحبُّ الصادقُ يتركُ بصماته. لكنَّهُ أيضاً يملكُ إيماناً قوياً، وهذا ما سيُعينهُ على تجاوزِ أيِّ محنة."

"هل تعتقدينَ يا جدتي أنَّ "ليلى" ستعودُ قريباً؟" سألتْ "نورُ" بلهفةٍ، تشعرُ بأنَّ سؤالها يحملُ أكثرَ من مجردِ فضولٍ. ابتسمتْ "أمينة" ابتسامةَ العارفين. "لا نستطيعُ أنْ نُحددَ موعداً يا حبيبتي. لكنَّ القلوبَ الطيبةَ، والروابطَ الصادقةَ، غالباً ما تجدُ طريقها للعودةِ. المهمُّ هوَ أنْ يحافظَ كلٌّ منهم على قلبهِ، وعلى عهدِهِ."

شربتْ "نورُ" من كوبِ الشايِ، وكانتْ تفكرُ في كلماتها. كانتْ تدركُ تماماً طبيعةَ علاقتها بـ"أنس". لم تكنْ تريدُ أنْ تفسدَ صداقةً امتدتْ لسنواتٍ طويلة، لكنَّها كانتْ تشعرُ ببوادرَ حبٍّ جديدٍ ينمو في قلبها، حبٍّ بريءٍ، ولطيف، تجاهَ هذا الشابِّ الذي عرفتهُ عن قربٍ، وأعجبتْ بأخلاقهِ، وذكائهِ، وقلبهِ الكبير.

"يا جدتي، هل لديكِ أخبارٌ عنِ "الشيخِ عثمان"؟ سمعتُ أنَّهُ سيعودُ قريباً من رحلتهِ العلاجية." سألتْ "نورُ"، محاولةً تغييرَ مجرى الحديثِ. "آهٍ، "الشيخِ عثمان". باركَ اللهُ فيهِ، وألبسهُ ثوبَ الصحةِ والعافية. لقدْ كانَ صوتهُ أمسَ طيّباً، وقدْ أخبرني أنَّهُ سيصلُ غداً. سأُعدُّ لهُ وجبةً خاصةً. وجودهُ هنا يُضفي على الحيِّ سكينةً وطمأنينة."

"الشيخِ عثمان" كانَ إمامَ المسجدِ الكبيرِ، ورجلَ دينٍ وعلمٍ، يحظى باحترامٍ وتقديرٍ كبيرينِ في الحيِّ. كانَ لهُ دورٌ كبيرٌ في تربيةِ الأجيالِ، ونشرِ الفضيلةِ.

"هل ستقامُ احتفالاتٌ بمناسبةِ عودتهِ؟" سألتْ "نورُ" وهيَ تشعرُ ببهجةٍ خفيفةٍ. "بالطبعِ يا حبيبتي. سنُقيمُ لهُ حفلاً متواضعاً بعدَ صلاةِ العشاءِ في ساحةِ المسجدِ. أتمنى أنْ تحضري، وأنْ نُرحبَ بعودتهِ سوياً."

"سأكونُ حاضرةً بإذنِ اللهِ يا جدتي. أشعرُ بفرحٍ كبيرٍ لسماعِ هذا الخبر."

نهضتْ "نورُ" لتودعَ جدتها، وقدْ استقرتْ في قلبها رغبةٌ في رؤيةِ "أنسٍ" قريباً، للاطمئنانِ عليهِ، ومشاركتهِ دعواتِها. كانتْ تعلمُ أنَّ الأيامَ القادمةَ قدْ تحملُ الكثيرَ، وأنَّ القدرَ قدْ رسمَ لها ولـ"أنسٍ" مساراً، ربما يتقاطعُ أو يتباعدُ، لكنَّ الأهمَّ هوَ الحفاظُ على النقاءِ، والصدقِ، والالتزامِ بالقيمِ.

قبلَ أنْ تغادرَ، نظرتْ "نورُ" نحو منزلِ "أنس"، رأتْ نورَ المصباحِ في نافذةِ مكتبهِ. تمنتْ لهُ كلَّ الخيرِ، وأنْ يجدَ في إيمانهِ وصبرهِ القوةَ التي تعينهُ على تجاوزِ مرارةِ الفراقِ، وربما، في يومٍ من الأيامِ، يجدُ ما يُضيءُ دربهُ بطريقةٍ أخرى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%