الفصل 20 / 25

الزواج السعيد

حقيقةٌ تُنيرُ الدربَ المظلم

بقلم مريم الحسن

استيقظتْ القاهرةُ على ضوءِ شمسٍ شاحب، كأنها تشاركهُ أحزانه. في منزلِ أحمد، سادَ هدوءٌ ثقيلٌ منذُ الليلةِ الماضية. كانَ أحمدُ قدْ أمضى ساعاتٍ طويلةً يتأملُ السقفَ، محاولاً استيعابَ ما سمعَ. صورةُ عائشةَ، وجهها الملائكيُّ الذي طالما كانَ مصدرَ سعادتهِ وراحته، اتحدتْ الآنَ معَ صورةِ الخيانةِ والتلاعب.

لم يكنْ أحمدُ رجلاً مندفعاً. لقد عُرفَ بالحكمةِ والتروي في قراراته. لكنَّ ما حدثَ كانَ يفوقُ قدرتهُ على التحمل. لقد وعدَ عائشةَ ببناءِ بيتٍ كريمٍ، يعفُّها ويحفظُ لها كرامتها. كانَ يرى فيها زوجةً صالحةً، وأماً حنونةً لأبنائه. الآن، يبدو أنَّ هذا الحلمَ يبتعدُ عن متناولِ اليد، وأنَّ العقباتِ التي وضعها فواز، ابنُ عمها، عميقةٌ جداً.

لقد بحثَ أحمدُ عن فواز. لم يكنْ الأمرُ صعباً. كانَ فوازُ معروفاً بظهورهِ المتكررِ في الأماكنِ الراقية، وكأنهُ لا يكترثُ بأيِّ شيء. قابلهُ أحمدُ في مقهىً راقٍ في وسطِ البلد، والمكانُ يعجُّ بالناسِ لكنَّ الهواءَ بينهما كانَ مشحوناً بالتوتر.

"فواز؟" نادى أحمدُ بصوتٍ ثابتٍ، فيهِ خليطٌ من الهدوءِ والتحذير.

التفتَ فوازُ، وابتسامةٌ متكلفةٌ ارتسمتْ على شفتيه. "أحمد! ما الذي أتى بكَ إلى هنا؟ هل اشتقتَ لصديقِ الطفولة؟"

"لا وقتَ للمزاحِ يا فواز. لقد علمتُ بكلِّ شيء." قالَ أحمدُ، وجلسَ أمامهُ مباشرة، رافضاً دعوةَ النادلِ لطلبِ شيء.

ارتعشتْ عينا فوازَ للحظة، لكنهُ سرعانَ ما استعادَ رباطةَ جأشه. "لا أفهمُ ماذا تقصد."

"أفهمُ جيداً ما تعنيهِ أنت. لقد تلاعبتَ بميراثِ عائشة، واستغلتَ طيبةَ والدتها. لماذا فعلتَ هذا؟" سألَ أحمدُ، وصوتهُ يرتفعُ قليلاً.

قهقهَ فوازُ بتهكم. "ولماذا لا أفعل؟ هذا حقّي يا أحمد. إنها عائلةُ أبي. والمالُ يجبُ أن يبقى داخلَ العائلة. بالإضافةِ إلى ذلك، إنَّ عائشةَ ستتزوجُ منك. ما الحاجةُ لأنْ تمتلكَ ثروةً لا تستطيعُ أن تستفيدَ منها؟"

كانَ كلامُ فوازَ كالصاعقةِ على أحمد. لم يكنْ يتوقعُ منهُ هذهِ الوقاحةَ وهذا الانحطاط. "هل أنتَ مجنون؟ أنتَ تدمرُ حياةَ فتاةٍ بريئةٍ، وتدمرُ سمعةَ عائلتكَ كلها."

"سمعتُ عن خطبتكم. بصراحة، لم أتوقعْ أبداً أنَّ أحمدَ سيقبلُ الزواجَ من فتاةٍ لديها كلَّ هذهِ المشاكل. هل تعرفُ عائشةُ ما فعلتُه؟" سألَ فوازُ، وعيناهُ تلمعانِ بالخبث.

"نعم، إنها تعرفُ. وقدْ سألتني عن هذا. هل أنتَ سعيدٌ الآن؟ هل حققتَ ما تريد؟"

"بالتأكيد. لم أكنْ لأسمحَ لأحدٍ بأنْ يأخذَ ما هوَ لي. والآن، إذا سمحتَ لي، لديَّ مواعيدُ أهمُّ من التحدثِ معَ شخصٍ أحمقَ مثلك." نهضَ فوازُ، وكانَ على وشكِ المغادرة.

قبضَ أحمدُ على ذراعهِ بحزم. "لن تذهبَ قبلَ أن تسمعَ ما لديَّ لأقوله."

نظرَ فوازُ إليهِ بغضب. "وماذا لديكَ لتقولَه؟ تهديدات؟ لن تخيفني."

"ليسَ تهديدات، بلْ حقائق. لقد فهمتُ الآن. أنتَ تخافُ. تخافُ أنْ يرثَ أحمدُ ثروةً كبيرةً، وأنْ تصبحَ عائشةُ قويةً مالياً، فلا تعتمدَ عليكَ أو على عائلتكَ في أيِّ شيء. أنتَ تريدُ أنْ تبقيها ضعيفةً، وأنْ تكونَ أنتَ المتحكمَ في كلِّ شيء."

ازدادَ الاحمرارُ على وجهِ فواز. "أنتَ لا تفهمُ شيئاً."

"بلْ أفهمُ أكثرَ مما تتخيل. لقد بحثتُ في كلِّ شيء. لقد وجدتُ أوراقاً تثبتُ تلاعبكَ. وهذهِ الأوراقُ لن تدمرَك أنتَ فقط، بلْ ستدمرُ سمعةَ والدكَ أيضاً. إنَّ أباكَ كانَ رجلاً نزيهاً، ولن يقبلَ بما فعلتَ."

ارتعشَ جسدُ فوازَ، وفقدَ كلَّ ما كانَ لديهِ من ثقة. "أنتَ تكذب."

"ليسَ كذباً. هل تريدُ أنْ ترى؟" قالَ أحمدُ، وأخرجَ من جيبهِ مجلدَ وثائقَ رقيقاً.

شحبَ وجهُ فوازَ تماماً. لقد كانَ يعرفُ أنَّ أحمدَ رجلٌ ذكيٌّ، ولكنهُ لم يكنْ يتوقعُ منهُ أنْ يصلَ إلى هذا الحد. "ماذا تريدُ مني؟"

"أريدُ منك أمراً واحداً: أنْ تعترفَ بخطئكَ، وأنْ تعيدَ كلَّ ما أخذتَه. وإلا، فسأقدمُ هذهِ الأوراقَ إلى الشرطةِ وإلى عائلتكَ. وهذا يعني أنكَ ستفقدُ كلَّ شيء: سمعتكَ، مالكَ، ومكانتكَ في المجتمع."

نظرَ فوازُ إلى أحمدَ بعينينِ ملؤهما الكراهية. "لن تفعلَ ذلك. أنتَ لا تستطيعُ."

"سأفعلُ، لأنني لا أستطيعُ أنْ أرى فتاةً أحبها تُدمرُ بسببِ طمعِ شخصٍ مثلك. إنَّ دينيَ يحثني على العدلِ ومحاربةِ الظلم. والآن، قررْ. هل تريدُ أنْ تخسرَ كلَّ شيء، أمْ أنْ تعترفَ وتُصلحَ ما أفسدتَ؟"

صمتَ فوازُ طويلاً، يفكرُ في العواقب. لقد كانَ عالقاً. إما أنْ يعترفَ ويواجهَ العارَ، أوْ أنْ يخسرَ كلَّ شيء. بعدَ لحظاتٍ بدتْ كأنها دهور، قالَ بصوتٍ متقطع: "سأفعل. سأعيدُ كلَّ شيء. ولكنْ بشرط."

"ما هوَ شرطكَ؟" سألَ أحمدُ بحذر.

"أنْ لا تخبرَ أحداً بما فعلتُ. وخاصةً عائشةَ ووالدتها. أريدُ أنْ أتصرفَ كأنَّ شيئاً لم يحدث."

ضحكَ أحمدُ بسخرية. "هل تعتقدُ أنني ساطلبُ منك أنْ تخادعَ عائشةَ مرةً أخرى؟ لا يا فواز. إنها تستحقُّ الحقيقة. ولكنْ، سأمنحكَ فرصةً أخيرة. ستُعيدُ كلَّ شيء، وستكتبُ اعترافاً مكتوباً بخطِّ يدكَ، وستُقدمُه لي. ثمَّ سنرى. ولكنْ، أريدك أنْ تعلمَ أنَّ هذا لا يعني أنَّ كلَّ شيءٍ سيعودُ كما كان."

شعرَ أحمدُ بأنهُ قدْ بلغَ ذروةَ قوته. لقد واجهَ الظلمَ، وقدْ وجدَ طريقاً لإصلاحه. لكنَّ الأهمَّ من ذلك، أنهُ شعرَ أنَّ ما يفعلهُ هوَ الصواب، وأنَّه يحمي من يحب.

عادَ أحمدُ إلى شقتهِ، وقلبهُ ما زالَ مضطرباً. لم يكنْ يعلمُ كيفَ سيخبرُ عائشةَ بهذا. هل سيصدقها؟ هل سيفهمُ أنَّ الحبَّ قادرٌ على تجاوزِ كلِّ العقبات؟ كانَ يتمنى ذلكَ بصدق. لقد كانَ يحبها حباً عميقاً، وسيبذلُ كلَّ ما في وسعهِ لينقذَ مستقبلهم.

تذكرَ والدتهُ، السيدةَ زينب، كم كانتْ تحثه دائماً على فعلِ الخيرِ والصلاح. "يا بني، الدنيا دارُ اختبار. والابتلاءُ هوَ ما يظهرُ معدنَ الإنسان." ربما كانتْ هذهِ هيَ محنتهُ، واختبارهُ.

نظرَ إلى صورةٍ لعائشةَ كانتْ موضوعةً على مكتبهِ. كانتْ تبتسمُ لهُ ابتسامةً دافئة. "يا عائشة،" همسَ، "سأقاتلُ من أجلكِ. سأعيدُ لكِ حقكِ."

لقد كانَ يوماً طويلاً، مليئاً بالصدماتِ والمواجهات. لكنَّ نهايتهُ بدتْ تحملُ بصيصَ أملٍ، ضوءاً خافتاً يشقُّ طريقهُ عبرَ ظلامِ المشاكل. لكنَّ السؤالَ الذي ظلَّ يترددُ في ذهنه: هل سيكونُ هذا الأملُ كافياً؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%