الزواج السعيد
لقاءٌ تحتَ ضوءِ القمر
بقلم مريم الحسن
كانَ المسجدُ الكبيرُ، بشموخهِ وهيبتهِ، يزدادُ بهاءً تحتَ قمرٍ اكتملَ ليُلقي خيوطَ فضيتهِ على ساحةٍ اجتمعتْ فيها قلوبٌ مؤمنةٌ. أقيمَ حفلٌ متواضعٌ لاستقبالِ عودةِ "الشيخِ عثمان"، إمامِ المسجدِ، بعدَ رحلةِ شفاءٍ. كانَ الحضورُ يضمُّ وجهاءَ الحيِّ، وعائلاتهُ، بالإضافةِ إلى أهلِ المنطقةِ الذينَ تربطهم بـ"الشيخِ" علاقةُ مودةٍ واحترامٍ عميقة.
"نورُ" كانتْ من أوائلِ الحاضرين، وقدْ ارتدتْ ثوباً أبيضَ فضفاضاً، يعكسُ نقاءَ روحها. كانتْ تبحثُ بعينيها عن وجهٍ مألوفٍ، قلبها يخفقُ بتوقعٍ لطيف. لم تكنْ قدْ رأتْ "أنسٍ" منذُ لقائهما في منزلِ جدتها، وشعرتْ بالحاجةِ لرؤيتهِ، للاطمئنانِ عليهِ بعدَ ظروفِ فراقِ "ليلى".
"مرحباً بكِ يا "نورُ"، سررتُ لرؤيتكِ هنا"، سمعتْ صوتاً عميقاً وودوداً. التفتتْ لتجدَ "الشيخِ عثمان" يقفُ أمامها، يبتسمُ ابتسامةَ الأبِ الحنون. "مرحباً بكَ يا شيخنا الجليل. الحمدُ للهِ على سلامتكم. لقدْ اشتقنا لخطبكم ونصائحكم." "الحمدُ للهِ على نعمهِ. أسألُ اللهَ أنْ يديمَ عليكمُ الصحةَ والعافيةَ، وأنْ يجعلَنا دائماً في طاعتهِ. يبدو أنَّ الحيَّ يزدادُ نوراً بحضوركم."
بينما كانا يتحدثانِ، لمحَتْ "نورُ" "أنسٍ" قادماً، يسيرُ بخطىً أبطأَ من المعتاد، وكأنَّ ثقلاً ما يُثقلُ كاهلهُ. وقفَ للحظةٍ، وكأنهُ يبحثُ عن أحدٍ. عندما التقتْ عيناهُ بعيني "نور"، شعرَ بارتياحٍ مفاجئ.
"مرحباً بكَ يا "أنسٌ". الحمدُ للهِ على سلامتكم أيضاً"، قالتْ "نورُ" بلهجةٍ تحملُ دفءَ الصداقةِ والقلقِ. "أهلاً بكِ يا "نورُ". الحمدُ لله. سعيدةٌ برؤيةِ "الشيخِ عثمان" سالماً بيننا." كانَ صوتهُ هادئاً، لكنَّ ظلَّ الحزنِ كانَ لا يزالُ واضحاً في عينيه.
"هل أصبحتْ الأمورُ أفضلَ؟" سألتْ "نورُ" بصوتٍ خفيضٍ، محاولةً الابتعادَ عنِ آذانِ الآخرين. "أعملُ على ذلكَ. بفضلِ اللهِ، وبدعواتِكم." نظرَ إليها، وشعرَ بأنَّ كلماتها البسيطةَ تحملُ أثراً كبيراً في تخفيفِ وطأةِ الحزنِ. "أنا سعيدٌ جداً برؤيةِ "الشيخِ عثمان" عائداً، هذا يُبشرُ بالخيرِ."
"نعم، حضورهُ يُطمئنُ القلوبَ. ولكنَّني أرى في عينيكَ شيئاً منَ الشجنِ." لم تستطعْ "نورُ" كتمانَ ما رأتْ. تنهدَ "أنسٌ" بخفة. "الفراقُ صعبٌ يا "نورُ". لكنَّني أؤمنُ بأنَّ لكلِّ شيءٍ وقتاً. "ليلى" غاليةٌ عليَّ، لكنَّ اللهَ أقدرُ على جمعِ القلوبِ."
"أتذكرُ عندما كنّا أطفالاً، وكنا نلعبُ هنا في ساحةِ المسجدِ؟" قالتْ "نورُ" وهيَ تُشيرُ بيديها. "كنتَ دائماً تبحثُ عنْ قصصٍ جديدةٍ، وأنا كنتُ أستمعُ إليكَ بانبهار." ابتسمَ "أنسٌ" ابتسامةً خفيفة. "نعم، أتذكرُ. لقدْ كانتْ تلكَ الأيامُ جميلةً. أنتِ الوحيدةُ التي كانتْ تستمعُ لي بجديةٍ، دونَ أنْ تملَّ منْ قصصي."
"ربما لأنَّ قصصكَ كانتْ تحملُ سحراً خاصاً. تماماً ككلماتكَ التي تكتبها. لقدْ قرأتُ ما كتبتهُ بعدَ رحيلِ "ليلى". كانَ جميلاً جداً، ومليئاً بالأملِ."
"كلماتُكِ تُشجعني يا "نورُ". أحياناً، أشعرُ أنَّ الكتابةَ هيَ الطريقةُ الوحيدةُ التي أستطيعُ بها التعبيرَ عنْ ما في داخلي." "وهذا ما يجعلُكَ مميزاً يا "أنسٌ". لديكَ موهبةٌ عظيمةٌ، وقلبٌ طيبٌ."
تبادلا نظراتٍ طويلةٍ، نظراتٌ لم تكنْ مجردَ نظراتِ أصدقاء. كانَ هناكَ شيءٌ أعمقُ، إحساسٌ خفيٌّ بالانسجامِ والتفاهم. في تلكَ اللحظةِ، وبينَ ضجيجِ الناسِ، وهدوءِ ضوءِ القمرِ، شعرا بأنَّهُما اكتشفا شيئاً جديداً في علاقتهما.
"هل لكِ أنْ تُخبريني عنْ آخرِ أخبارِ جدتكِ؟" سألَ "أنسٌ" ليُغيرَ الموضوعَ، لكنَّهُ كانَ يشعرُ بأنَّهُ يهربُ منْ مشاعرَ جديدةٍ بدأتْ تتشكلُ بداخله. "جدتي بخيرٍ، وهيَ سعيدةٌ جداً بعودةِ "الشيخِ عثمان". لقدْ أعدتْ لهُ بعضَ الأطعمةِ التي يحبها. هل ترغبُ في تناولِ بعضِها معنا؟"
"بكلِّ سرورٍ. لا أستطيعُ أنْ أرفضَ دعوةَ جدتكِ الكريمة." "ممتاز. سأُخبرُها بأنكَ ستأتي."
بينما كانتْ "نورُ" تذهبُ لإبلاغِ جدتها، بقيَ "أنسٌ" واقفاً، ينظرُ إلى السماءِ. شعرَ بأنَّهُ قدْ وجدَ ضالتهُ في "نور". لم تكنْ "ليلى" مجردَ ذكرى، بل كانتْ رحلةَ حبٍٍّ مباركةٍ، لكنَّ المستقبلَ قدْ يكونُ يحملُ لهُ شيئاً آخر. شيئاً قدْ يكونُ أجملَ، وأكثرَ استقراراً.
بعدَ فترةٍ قصيرةٍ، انضمَّ "أنسٌ" إلى "نورُ" وجدتها، حيثُ تناولوا بعضَ الحلوى والتمرِ، وتبادلوا الأحاديثَ حولَ عودةِ "الشيخِ عثمان" وأخبارِ الحيِّ. كانتْ "نورُ" تبتسمُ لـ"أنسٍ" بخفةٍ بينَ الحينِ والآخر، وهوَ كانَ يشعرُ براحةٍ كبيرةٍ وهوَ يراها.
في نهايةِ الأمسيةِ، وبينما كانَ الناسُ يتفرقونَ، وقفَ "أنسٌ" معَ "نورُ" عندَ البابِ. "شكراً لكِ يا "نورُ" على صحبتكِ الطيبةِ. لقدْ جعلتِ هذا المساءَ أجملَ." "بل الشكرُ لكَ يا "أنسٌ". أنا سعيدةٌ لأنني استطعتُ أنْ أُخففَ عنكَ قليلاً."
"لا تقلقي، سأكونُ بخيرٍ. فمعَ وجودِ أصدقاءٍ مثلكِ، كلُّ شيءٍ ممكن." نظرتْ إليهِ، وشعرتْ بأنَّ الأمانَ يلفُّ قلبها. "سأكونُ هنا دائماً لكَ يا "أنسٌ". إنْ احتجتَ شيئاً."
ثمَّ استدارتْ، وابتعدتْ، تاركةً "أنسٍ" يقفُ وحيداً تحتَ ضوءِ القمرِ، وقدْ امتلأتْ روحهُ بأملٍ جديد، وبرغبةٍ متزايدةٍ في اكتشافِ ما يخبئهُ لهُ القدرُ في هذهِ العلاقةِ الوليدة.