الزواج السعيد
ظلالُ الماضي وهمساتُ الحاضر
بقلم مريم الحسن
مرَّتْ أسابيعٌ، وبدأتْ رائحةُ الربيعِ تُعطِّرُ الأجواءَ. في كلِّ صباحٍ، كانتْ "نورُ" تتلقى رسالةً نصيةً قصيرةً من "أنسٍ"، تحملُ عباراتٍ لطيفةً، ودعواتٍ صباحيةً، وأحياناً اقتباساتٍ أدبيةً تُعجبها. كانتْ هذهِ الرسائلُ البسيطةُ تُضيءُ يومها، وتُشعرها بأنَّ هناكَ شخصاً يهتمُّ بها، ويفكرُ فيها.
لم تتطورْ العلاقةُ بينهما كثيراً على أرضِ الواقع. كانتْ لقاءاتهما مقتصرةً على المناسباتِ العائليةِ، وزياراتِ جدتها، وبعضِ اللقاءاتِ العابرةِ في الحيِّ. لكنَّ ذلكَ لم يمنعْ نموَّ مشاعرَ قويةٍ في قلبِ "نور". كانتْ تُعجبُ بذكاءِ "أنسٍ"، وكلماته الرقيقةِ، وطريقتهِ في فهمِ ما تشعرُ بهِ دونَ أنْ تتحدثَ.
في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ "نورُ" تُساعدُ جدتها في إعدادِ طعامٍ للفقراءِ، سمعتْ حديثاً بينَ جدتها وبعضِ نساءِ الحيِّ. كانتْ الأحاديثُ تدورُ حولَ "ليلى" وعائلتها، وكيفَ أنَّهم قرروا البقاءَ في الخارجِ لفترةٍ أطولَ مما كانَ متوقعاً. شعرتْ "نورُ" بقلبها يخفقُ بسرعةٍ. هل هذا يعني أنَّ "ليلى" لنْ تعودَ قريباً؟
"يا جدتي، هل "ليلى" وعائلتها سيبقون في الخارجِ لفترةٍ طويلةٍ؟" سألتْ "نورُ" بعدَ أنْ انسحبتْ قليلاً عنِ الحديثِ. توقفتْ "أمينة" عنْ عملها، ونظرتْ إلى حفيدتها. "نعم يا حبيبتي. لقدْ أرسلوا خبراً يفيدُ بأنَّهم سيُطيلونَ إقامتهم. يبدو أنَّ لديهمْ بعضَ الالتزاماتِ هناك." "وهل... هل هذا يعني أنَّ خطبةَ "ليلى" و"أنسٍ" قدْ تمَّ فسخها؟" سألتْ "نورُ" وهيَ تشعرُ بتوترٍ شديد.
ابتسمتْ "أمينة" بحنانٍ، وأمسكتْ بيدِ حفيدتها. "لا تقلقي يا حبيبتي. لم يتمَّ فسخُ الخطبةِ رسمياً. لكنَّ الوضعَ أصبحَ معقداً. "أنسٌ" رجلٌ صبورٌ، وهوَ ينتظرُ ما سيحدثُ. ولكنَّ في الأمرِ حكمةً منَ اللهِ. علينا أنْ نتركَ الأمورَ تسيرُ في مجراها."
شعرتْ "نورُ" ببعضِ الارتياحِ، لكنَّ القلقَ لم يختفِ تماماً. كانتْ تخشى أنْ تكونَ مجردَ "بديلٍ" في حياةِ "أنسٍ"، وأنَّهُ ما زالَ ينتظرُ عودةَ "ليلى" بفارغِ الصبر. هذا التفكيرُ كانَ يُقلقها ويُرهقها.
في المساءِ، تلقتْ "نورُ" رسالةً من "أنسٍ": "مساءُ الخيرِ يا "نورُ". هل أنتِ بخيرٍ؟ رأيتُ أنَّكِ تبدينَ شاردةَ الذهنِ هذا اليوم." شعرتْ "نورُ" بأنَّ "أنسٍ" يقرأُ أفكارها. قررتْ أنْ تكونَ صريحةً معه، ولو قليلاً. "مساءُ النورِ يا "أنسٌ". أنا بخيرٍ، لكنَّني قلقةٌ بعضَ الشيء." "قلقةٌ من ماذا؟ هل منْ شيءٍ يُمكنني المساعدةُ فيهِ؟"
أخذتْ "نورُ" نفساً عميقاً، وقررتْ أنْ تخاطرَ. "سمعتُ أنَّ "ليلى" وعائلتها سيُطيلونَ إقامتهم. هل هذا يعني أنَّ الأمورَ بينكم..؟" بعدَ لحظاتٍ منَ الصمتِ، جاءَ الردُّ: "نعم، هذا صحيحٌ. الوضعُ صعبٌ. لا أعرفُ ما سيحدثُ. لكنَّني أؤمنُ بأنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ الصابرين. و... أؤمنُ بأنَّ الوجودَ القريبَ لبعضِ الأشخاصِ يُعطي قوةً."
فهمتْ "نورُ" قصدَ "أنسٍ". لقدْ أشارَ إليها بشكلٍ غيرِ مباشر. شعرتْ بأنَّ قلبها يرقصُ فرحاً، لكنَّها حاولتْ كتمانَ ذلكَ. "أتمنى لكَ كلَّ الخيرِ يا "أنسٌ". ثقْ بأنَّ اللهَ معَكَ، وسيجعلُ لكَ منَ الأمرِ فرجاً ومخرجاً."
"شكراً لكِ يا "نورُ". كلماتُكِ تُثلجُ صدري. أرغبُ في رؤيتكِ قريباً، إذا كانَ لديكِ وقتٌ." "بالتأكيد. متى تشاء."
بعدَ أيامٍ قليلةٍ، التقى "أنسٌ" و"نورُ" في مقهىً هادئٍ في منطقةٍ راقيةٍ منَ المدينة. كانَ اللقاءُ خارجَ نطاقِ الحيِّ، ليبتعدا قليلاً عنِ الأعينِ المعتادة. جلسا في زاويةٍ بعيدةٍ، وكانتْ الأجواءُ تحملُ بعضَ الرومانسيةِ الهادئة.
"أنا أقدرُ لكِ كلَّ شيءٍ فعلتيهِ لي يا "نورُ". صداقتكِ، ودعمكِ، ووجودكِ. لقدْ كنتِ مصدرَ قوةٍ لي في هذهِ الفترةِ الصعبة." قالَ "أنسٌ" وهوَ ينظرُ إليها بعمقٍ. "واجبٌ يا "أنسٌ". نحنُ أصدقاءُ. والأصدقاءُ سندٌ لبعضهم البعض."
"لكنَّني أشعرُ بأنَّ الأمرَ أصبحَ أكثرَ منْ مجردِ صداقةٍ بالنسبةِ لي." اعترفَ "أنسٌ" بصدقٍ، وشعرَ بنبضاتِ قلبهِ تتسارع. شعرتْ "نورُ" بأنَّ الأرضَ تميلُ بها. نظرتْ إليهِ، وكانتْ عيناها تفضحانِ ما في قلبها. "وأنا... وأنا أيضاً أشعرُ بذلكَ يا "أنسٌ"."
"إذاً... إذاً ما رأيكِ أنْ نتحدثَ بجديةٍ؟" سألَ "أنسٌ"، وقدْ ارتسمتْ على وجههِ ابتسامةٌ واسعةٌ. "أعلمُ أنَّ الوضعَ معقدٌ، وأنَّ "ليلى" ما زالتْ جزءاً منْ ماضيَّ. لكنَّ الحاضرَ معكِ يُصبحُ أجملَ بكثير. أريدُ أنْ أعرفَ ما إذا كنتِ مستعدةً لمواجهةِ هذهِ المشاعرِ، وربما، بناءِ مستقبلٍ جديدٍ."
كانَ حديثاً جريئاً، وصريحاً، وخارجاً عنِ المألوفِ بالنسبةِ لهما. لكنَّهُ كانَ ضرورياً. بدأتْ "نورُ" تشرحُ مشاعرها، وكيفَ أنها كانتْ تُعجبُ بـ"أنسٍ" منذُ زمنٍ طويل، ولكنَّها كانتْ تخشى أنْ تكونَ مجردَ بديلةٍ.
"أنا لا أبحثُ عنْ بديلةٍ يا "نورُ". أنا أبحثُ عنْ شريكةِ حياةٍ. شخصٍ يُكملُني، ويُسعدني. ولقدْ وجدتُ ذلكَ فيكِ." قالَ "أنسٌ" بجديةٍ، ووضعَ يدهُ فوقَ يدها على الطاولة.
شعرتْ "نورُ" بدفءِ يدهِ، وشعرتْ بأنَّ كلَّ المخاوفِ بدأتْ تتبددُ. لكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ لنْ يكونَ سهلاً. "لكنَّ "ليلى"؟ ما موقفها؟ وما موقفُ عائلتها؟" "سأتحدثُ معَ "ليلى" بكلِّ صراحةٍ. سأُخبرها بمشاعري، وبما أشعرُ بهِ تجاهكِ. ثمَّ سأتحدثُ معَ عائلتي، ومعَ عائلتكِ. أريدُ أنْ أفعلَ هذا بطريقةٍ شرعيةٍ، وبما يُرضي اللهَ."
شعرتْ "نورُ" بأنَّ "أنسٍ" رجلٌ نبيلٌ، وأنَّهُ يُفكرُ في كلِّ شيءٍ. "أنا مستعدةٌ يا "أنسٌ". مستعدةٌ لأنْ نُحاولَ. لكنَّ علينا أنْ نكونَ صادقينَ معَ أنفسنا، ومعَ الآخرين."
"أتعهدُ لكِ بذلكَ. الصدقُ هوَ أساسُ كلِّ علاقةٍ