الزواج السعيد
أشباح الماضي وقيد الحاضر
بقلم مريم الحسن
كانت ليلةً من ليالي القاهرة القديمة، تحمل عبق الياسمين المتسلل من الشرفات العتيقة، ممزوجاً بضجيج الحياة الذي لا يهدأ. في شقةٍ تطل على شارع المعز، كانت زينب، الفتاة التي ألقت بها الأقدار في متاهةٍ لم تخترها، تحدق في السقف، وقلبها يعتصر ألماً وحيرة. لم يكن نومها مريحاً منذ أن وطأت قدماها أرض هذا البيت، بيت عمها، الذي أصبح سجنها المظلم. لم يمر وقت طويل على وصولها، لكن كل يوم كان يغرس فيها سهماً جديداً من السخط والإحباط.
عادت بها الذاكرة إلى الأيام الخوالي، حين كانت تعيش في كنف والديها، في بيتٍ يضج بالحب والأمان. كانت أحلامها بسيطة، وردية، تدور حول الزواج من رجلٍ طيب، يبني معها حياةً هانئة، يملأ بيتها بالأطفال والضحكات. لكن القدر كان له رأيٌ آخر. فقد والديها في حادثٍ مفجع، وتركت وحيدةً في هذا العالم الواسع، لا سند لها سوى الله، ثم عمها الذي لم تكن تعرفه حق المعرفة.
حين أبلغها المحامي بقرار عمها باستضافتها، تنفست الصعداء. ظنت أن السلام سينعم به قلبها، وأنها ستجد في بيت عمها ملاذاً من قسوة الأيام. لكن الواقع كان أشد وطأةً مما تخيلت. عمها، السيد إبراهيم، رجلٌ صاحب نفوذٍ في مجتمعه، لكنه غارقٌ في ملذاته، مستهترٌ بدينه ودنياه. أما زوجته، السيدة فاطمة، فكانت امرأةً قاسية، عيناها تراقبان كل شاردة وواردة، وقلبها خالٍ من الرحمة.
كانت زينب ترى في عيني عمها بريقاً خبيثاً كلما وقعت عيناه عليها. كان يحادثها بكلماتٍ لا تخلو من التلميحات، ويداها تمتد نحوها دون حياء. كانت ترتعب كلما اقترب منها، وتشعر بالغثيان. كانت ترفض الخروج من غرفتها إلا للضرورة، تتقوقع على نفسها، تحاول أن تتجاهل ما تراه وتسمعه، لكن الأصوات العالية، والضحكات الماجنة، والروائح العطرة التي تفوح من ثياب عمها، كانت تخترق جدران غرفتها، وتؤرق سكينتها.
الأمر لم يقتصر على عمها. كانت ترى كيف كان عمها يأتي بضيوفٍ لا تعرفهم، رجالٍ تتناثر منهم رائحة الخمر، ونساءٍ يتزين بأشكالٍ لم ترها إلا في أفلامٍ محرمة. كانوا يتحدثون بصوتٍ عالٍ، ويضحكون بضجيجٍ، ويشربون الخمر علناً. كانت السيدة فاطمة تشجعهم، وتشاركهم في حديثهم، وفي ضحكهم. كانت زينب تشعر أنها تعيش في عالمٍ آخر، عالمٍ يسوده الفجور والانحلال، عالمٌ لا تشبهه أبداً.
في إحدى الليالي، استيقظت زينب على صوتٍ غريب. صوتٌ أنينٌ مكتوم، يتخلله صوتٌ شبيهٌ بالشهقة. تسللت من سريرها، وفتحت باب غرفتها بحذر. خفت الضوء في الصالة، لكنها استطاعت أن تميز ظلالاً تتحرك. اقتربت أكثر، ودقات قلبها تتسارع. رأت عمها جالساً على الأريكة، ورأته، لأول مرة، في حالةٍ بشعة. كان جسده يرتجف، ووجهه شاحبٌ، وعيناه زائغتان. أمامه، على الطاولة، زجاجةٌ فارغة، وكوبٌ ممتلئٌ بسائلٍ كهرماني.
كان عمها يشرب. كان يشرب بشراهة، وكأنه يحاول أن يخفي شيئاً عظيماً، شيئاً يمزقه من الداخل. كانت زينب تشعر بالقشعريرة تسري في جسدها. لم تكن تعرف أن عمها يشرب الخمر، بل كانت تظنه رجلاً صالحاً، يحافظ على مظهره. الآن، رأت وجهه الآخر، وجهه الذي لم يكن يعرضه إلا في هذه اللحظات.
كانت تتمنى لو تصرخ، لو تهرب، لو تختبئ في مكانٍ لا يمكن لأحدٍ أن يجدها فيه. لكن قدميها كانتا مسمرتين في الأرض. صوت عمها خرج خافتاً، متقطعاً: "لماذا... لماذا لا أحد يفهم؟ لماذا الجميع يخذلني؟". ثم بدأ بالبكاء، بكاءٌ مريرٌ، يائس.
شعرت زينب بالشفقة، ممزوجةً بالخوف. هل هذا هو حال الرجل الذي لجأت إليه؟ هل هذا هو السند الذي وعدها به؟ نظرت إلى الكوب، وإلى الزجاجة، ثم إلى وجه عمها الملطخ بالدموع. أدركت حينها أن هذا البيت لم يكن ملاذاً، بل كان مقبرةً للأحلام، ومصنعاً للآلام.
في تلك اللحظة، شعرت بمسؤوليةٍ غريبة تلقى على عاتقها. لم تعد فتاةً ضعيفة، تنتظر من ينقذها. لقد رأت الجانب المظلم، ورأت الحاجة إلى المساعدة، وإن كانت هي نفسها تحتاج إلى المساعدة. هل يمكنها أن تفعل شيئاً؟ هل يمكنها أن تغير هذا الواقع المرير؟
انسحبت ببطء، وعادت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. جلست على الأرض، تستند إلى الباب، وجسدها يرتجف. لم تعد تشعر بالبرد، بل بحرارةٍ غريبة تشتعل في صدرها. كانت تشعر بالغضب، والإحباط، والأمل، والخوف. كانت تشعر بكل شيءٍ في آنٍ واحد.
أغمضت عينيها، وتذكرت كلام والديها، وصورتهما في ذهنها. "كوني قوية يا ابنتي"، كان والدي يقول لها دائماً. "لا تدعي أحداً يكسرك"، كانت والدتها تردد. تنهدت تنهيدةً عميقة، وحاولت أن تستجمع قواها. لم يكن هذا هو مصيرها. لن تسمح بأن يتحول هذا البيت إلى نهاية قصتها.
نظرت إلى حقيبة يدها، التي لم تفرغها بعد. وضعت يدها في جيوبها، وخرجت منها ورقةٌ صغيرة، كانت قد استلمتها من المحامي. كان عليها عنوانٌ، واسم. كان عنواناً لدارٍ للأيتام، كان المحامي قد أخبرها أن لها صلةً بسيطة بها. لم تفهم حينها لماذا أعطاها إياه، لكن الآن، شعرت أن هذه الورقة قد تكون مفتاح نجاتها.
نظرت إلى النجوم المتلألئة في سماء القاهرة من نافذة غرفتها. كانت تبدو بعيدةً، وغامضة. تماماً مثل مستقبلها. لكنها عرفت شيئاً واحداً. لن تستسلم. لن تسمح لأشباح الماضي، وقيود الحاضر، أن تسلبها حقها في حياةٍ كريمة.