الفصل 6 / 25

الزواج السعيد

خيوط الأمل في عتمة الظلام

بقلم مريم الحسن

تسللت خيوط الفجر الأولى، لتداعب ستائر غرفة زينب، وتنبهها من سباتها المضطرب. لم تنم زينب طويلاً، فقد ظلت أصداء الليلة الماضية تدوي في أذنيها، وصورة عمها وهو غارقٌ في كأسه، تتردد في مخيلتها. نهضت من فراشها، وشعرت بثقلٍ جديدٍ يلقى على كتفيها. لم يعد الأمر مجرد خوفٍ من المستقبل، بل أصبح واجباً، مسؤولية.

ارتدت ملابسها، وتوضأت، وقامت لتصلي الفجر. كانت الصلاة ملاذها الأخير، ودرعها الواقي. في سجودها، رفعت يديها إلى السماء، وهمست بكلماتٍ متقطعة: "يا رب، أنت عالمٌ بحالي. خذ بيدي، وقوّني. أرشدني إلى الطريق الصحيح. لا تكلني إلى نفسي طرفة عين."

بعد الصلاة، جلست على سجادتها، تتأمل الورقة الصغيرة التي كانت لا تزال في يدها. عنوان دار الأيتام. هل حقاً يمكن أن تجد فيه منفذاً؟ هل هناك من سيساعدها؟ لم يكن لديها الكثير من المال، فقد أخذت منها السيدة فاطمة معظم ما تبقى معها من أوراقٍ نقدية بحجة "المصاريف". لكنها كانت مؤمنة بأن الله سيفتح لها باباً.

في ذلك الوقت، دخلت السيدة فاطمة إلى الغرفة، بوجهٍ خالٍ من أي تعبير. "استيقظتِ أخيراً؟" قالت ببرود. "انهضي، أعدي الفطور. عمكِ يريد أن يتحدث إليكِ."

شعرت زينب بالتوتر يتسلل إلى قلبها. كلام عمها المباغت، ووجهه الشاحب، وصوته المرتعش الليلة الماضية... كل ذلك كان ينذر بشيءٍ ما. ربما كان يريد أن يطلب منها المال؟ ربما كان يريد أن يبتزها؟

نزلت زينب إلى الصالة، وكان عمها جالساً على الأريكة، يحتسي قدحاً من القهوة. كان يبدو مرهقاً، وعيناه محمرتان. لكن لم يكن هناك أثرٌ لتلك البشاعة التي رأتها فيه الليلة الماضية. وكأنه كان حلماً.

"صباح الخير يا زينب"، قال بصوتٍ أجش. "تفضلي، اجلسي."

جلست زينب أمامه، وقلبها يدق بعنف. "صباح النور يا عمي."

بدأ عمها بالحديث، وبدأ بنبرةٍ لم تعهدها منه. لم تكن فيها تلك النبرة المتملقة، أو النبرة المتسلطة. بل كانت نبرةً فيها حزنٌ عميق، وندمٌ ظاهر.

"زينب... أنا... أنا آسف. آسف لما رأيتهِ بالأمس. وما فعلته... كان ضعفاً. ضعفاً كبيراً."

صدمت زينب. لم تتوقع منه اعتذاراً، خاصةً بعد رؤيتها تلك الليلة.

"عمي..." بدأت.

قاطعها: "لا، لا تقولي شيئاً. أعرف أنكِ رأيتِ كل شيء. رأيتِ حقيقتي. ورأيتِ كيف أنني... كيف أنني مدمن."

كانت كلمة "مدمن" تبدو غريبةً في فمه. الرجل الذي كان يحاول أن يتودد إليها، وأن يفرض سلطته عليها، هو مدمن؟

"أنا... أنا أدمنت الخمر منذ سنوات. بدأتُ به للتسلية، ثم أصبح عادة، ثم أصبح قيداً. قيداً يمنعني من أن أكون الرجل الذي كنتُ أتمناه. الرجل الذي وعدتُ به نفسي، والديّ. لقد خسرتُ الكثير بسبب هذا الإدمان. خسرتُ صحتي، خسرتُ علاقاتي، خسرتُ... خسرتُ نفسي."

كان عمها يتحدث بصدق، وبألمٍ حقيقي. شعرت زينب بأنها ترى إنساناً ضعيفاً، عالقاً في شبكةٍ معقدة.

"لقد كنتُ أتمنى أن أكون الرجل الذي تستحقينه، يا زينب. أن أكون السند الذي لا يخذلكِ. لكن... لكنني لستُ كذلك. أنا رجلٌ مريض. مريضٌ بداءٍ لا أستطيع التغلب عليه وحدي."

نظر إليها بعينين دامعتين. "أريد أن أتوب، يا زينب. أريد أن أعيش حياةً كريمة. لكنني لا أعرف كيف. أشعر أنني أغرق."

شعرت زينب بمسؤوليةٍ أكبر تلقي على عاتقها. لم يعد الأمر مجرد رغبةٍ في الهرب. بل أصبح واجباً أخلاقياً، وواجباً دينياً.

"يا عمي"، قالت بصوتٍ هادئ، لكنه ثابت. "الله غفورٌ رحيم. مادمتَ تندم، وتطلب العفو، فإن باب التوبة مفتوحٌ لكَ. ولكن... يجب أن تساعد نفسك."

"كيف؟" سأل بتلهف. "كيف أساعد نفسي؟"

"أولاً"، قالت زينب، متذكرةً ما قرأته في بعض الكتب. "يجب أن تعترف بمرضك، وهذا ما فعلته. وثانياً، يجب أن تطلب المساعدة. هناك مؤسسات، أطباء، يمكنهم مساعدتك على التغلب على هذا الإدمان."

"هل... هل يمكنكِ مساعدتي؟" سأل بلهفة. "هل يمكن أن تجدي لي أحداً؟"

نظرت زينب إلى الورقة التي في يدها. دار الأيتام. ربما لم يكن هو المكان المناسب، لكن ربما...

"أنا... سأبحث عن المساعدة لك يا عمي"، قالت. "لكن يجب أن تعدني بأنك ستلتزم بالعلاج، وأنك ستترك هذا الطريق."

"أعدك!" قال عمها بصدق، ومسك بيديها. "أعدكِ يا زينب. سأفعل أي شيء."

في تلك اللحظة، شعرت زينب بشيءٍ من الأمل. ربما لم يكن هذا البيت مقبرةً للأحلام. ربما كان بدايةً لقصةٍ جديدة، قصةٍ عن الشفاء، وعن التوبة، وعن الخلاص.

في الوقت نفسه، كانت السيدة فاطمة تراقب المشهد من باب المطبخ، والغضب يعتصر قلبها. لم تكن تريد أن يتغير عم إبراهيم. كانت تريد أن يستمر في حياته المنحلة، فقد كانت تستفيد من ثروته، ومن نفوذه. ولم تكن تريد لزينب، هذه الفتاة البريئة، أن تغير مجرى الأمور.

"هذا لن يمر مرور الكرام!" همست لنفسها، وعيناها تشتعلان بالشر.

أما زينب، فقد بدأت تبحث في هاتفها عن أرقامٍ لمراكز علاج الإدمان. كانت تعلم أن الطريق سيكون طويلاً وصعباً، لكنها قررت أن تخوضه. من أجل عمها، ومن أجل نفسها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%