الزواج السعيد
مفترق طرق وحقيقة مكشوفة
بقلم مريم الحسن
بعد مغادرة السيد نادر، شعرت زينب بالثقل يزداد على صدرها. كانت في مفترق طرق، لا تعرف أي طريق تسلك. هل تثق بالسيد نادر، الذي يبدو أنه يعرض عليها المساعدة، ولكنه يحمل في عينيه نظرةً غامضة؟ أم أنها تخاطر بكل شيءٍ بالابتعاد عنه، وتترك عمها لمصيره؟
في تلك الليلة، وبعد أن تأكدت أن الجميع نائمون، تسللت زينب من غرفتها. أمسكت بالهاتف، وبطاقة السيد نادر، والورقة التي تحمل عنوان دار الأيتام. كانت مصممةً على اتخاذ قرار.
ذهبت إلى غرفة عمها، فوجدته مستيقظاً، ينظر إلى السقف.
"هل أنت بخير يا عمي؟" سألت بخفوت.
"أنا... بخير"، قال السيد إبراهيم بصوتٍ مرهق. "لكنني... أشعر بالأسف. آسف على كل ما حدث."
"لا تقلق يا عمي"، قالت زينب، وجلست بجانبه. "كل شيء سيكون بخير."
"هل... هل ستساعدينني؟" سأل. "هل ستجدين لي المساعدة؟"
"نعم يا عمي"، قالت زينب، وهي تنظر إلى عينيه. "سأجد لك المساعدة. ولكن... يجب أن تكون قوياً. يجب أن تقاوم."
"سأكون قوياً"، وعدها. "من أجلكِ، ومن أجلي."
بعد أن استأذنت عمها، خرجت زينب من الغرفة. توجهت نحو باب الشقة، وفتحت حقيبة يدها. أمسكت بورقة دار الأيتام. ثم نظرت إلى بطاقة السيد نادر.
"هل أذهب إلى دار الأيتام؟" همست لنفسها. "أم أثق بالسيد نادر؟"
كانت تعلم أن دار الأيتام قد يكون ملاذاً مؤقتاً، ولكنه لن يكون حلاً دائماً. بينما السيد نادر... هل كان حلاً؟ أم كان مشكلةً أكبر؟
في تلك اللحظة، سمعت صوتاً خافتاً قادماً من الصالة. صوتٌ يشبه صوت السيدة فاطمة. اقتربت زينب بحذر، وتسللت إلى مدخل الصالة.
رأت السيدة فاطمة جالسةً على الأريكة، تتحدث في الهاتف. كان صوتها منخفضاً، وحذراً.
"نعم... لقد ذهبت زينب إلى المقهى اليوم... وتحدثت مع السيد نادر... لا، لا أعتقد أنها تثق به تماماً... لكنها في مفترق طرق... يجب أن نستغل هذه الفرصة... نعم، أنت تعرف ماذا تفعل..."
تجمدت زينب في مكانها. كانت السيدة فاطمة تتحدث عن السيد نادر؟ وعن استغلال الفرصة؟ ومن كان الشخص الذي تتحدث إليه؟
"إذا لم نستطع إبقائها هنا، فلنتركها تذهب إلى مكانٍ آخر. لكن يجب أن نتأكد من أنها لن تعود أبداً... نعم، يجب أن ترحل... أما بالنسبة للسيد إبراهيم... فليأخذ ما يريد، طالما أننا سنحصل على ما نريده..."
كان كلام السيدة فاطمة صادماً. كانت تخطط لشيءٍ ما. شيءٌ خطير. وكلماتها عن "ما نريده" و"ما يريده السيد إبراهيم" كانت غامضةً ومخيفة.
أدركت زينب حينها أن السيدة فاطمة ليست مجرد امرأةٍ قاسية، بل هي شخصٌ ماكرٌ، يريد استغلال الوضع لمصلحته. وبأن السيد نادر ربما لم يكن يبحث عن علاقةٍ رومانسية، بل كان جزءاً من خطةٍ أكبر.
انسحبت زينب ببطء، وعادت إلى غرفتها. كانت تشعر بالبرد، رغم أن الجو كان دافئاً. خطة السيدة فاطمة كانت تدق ناقوس الخطر. كان عليها أن تتصرف بسرعة، وبحكمة.
فتحت حقيبة يدها، وأخرجت الورقة التي تحمل عنوان دار الأيتام. ثم نظرت إلى هاتفها. قررت أن تتصل بالسيد نادر.
"نعم، سيد نادر؟" قالت بصوتٍ ثابت. "أنا زينب. أردتُ أن أقول لك... أنني أفكر في عرضك."
"رائع!" قال السيد نادر، وساد على صوته حماسٌ ملحوظ. "متى يمكننا أن نلتقي؟"
"غداً"، قالت زينب. "في نفس المقهى."
"ممتاز. سأكون هناك. ولا تقلقي، سأكون معك."
أغلقت زينب الهاتف، وشعرت بقلبها يخفق بقوة. كانت تلعب لعبةً خطيرة. لكنها لم تكن ترى خياراً آخر. كان عليها أن تعرف ما هي خطة السيدة فاطمة، وما هو دور السيد نادر فيها.
نظرت إلى الورقة التي تحمل عنوان دار الأيتام. ربما كانت تلك هي وجهتها الأخيرة. ربما كانت هذه هي بداية رحلتها الحقيقية.
في تلك اللحظة، أدركت زينب أنها لم تعد الفتاة الضعيفة التي لجأت إلى بيت عمها. لقد مرت بتجارب قاسية، ورأت الوجه الآخر للحياة. كانت الآن أقوى، وأكثر تصميماً.
استيقظت في صباح اليوم التالي، وشعرت بالهدوء. لم يكن هدء السكون، بل كان هدء المعركة، استعداداً للمواجهة. ارتدت ملابسها، وتوضأت، وصعدت إلى غرفة عمها.
"صباح الخير يا عمي"، قالت. "اليوم، سنتخذ بعض القرارات الهامة."
نظر إليها السيد إبراهيم، وعيناه تحملان بعض الأمل.
"ما هي؟" سأل.
"سأذهب للقاء السيد نادر"، قالت زينب. "وسأخبرك بكل ما سيحدث."
"هل هذا آمن؟" سأل بقلق.
"لا أعرف"، قالت زينب. "لكن عليّ أن أفعل ذلك. من أجلك، ومن أجلي."
في تلك اللحظة، فتحت السيدة فاطمة الباب، ووقفت تتظاهر بالاهتمام. "ماذا تفعلان؟"
"نتحدث عن مستقبلنا يا عمة"، قالت زينب، وهي تنظر إلى عينيها مباشرة. "وعن الطرق التي سنتبعه."
شعرت زينب بأن المعركة قد بدأت بالفعل. وأنها على وشك كشف المستور.