حب من نظرة الجزء الثالث

خيوطُ الماضي وحبالُ المستقبلِ

بقلم مريم الحسن

بدأَ "أنس" حديثَهُ بصوتٍ خافتٍ، وكأنَّهُ يُدلي باعترافٍ. "نور، أعلمُ أنَّ كلماتي لنْ تُصلحَ ما حدثَ، ولنْ تمحو آثارَ غيابي. ولكنَّني أردتُ أنْ أقولَ لكِ إنَّ كلَّ لحظةٍ قضيتُها بعيداً عنكِ كانتْ عذاباً. كنتُ أرى وجهَكِ في كلِّ مكانٍ، أسمعُ صوتَكِ في كلِّ همسةٍ. لقدْ فهمتُ معنى الفراغِ الحقيقيِّ، وفهمتُ كمْ كنتُ مخطئاً."

نظرتْ إليهِ "نور" بهدوءٍ، تحاولُ أنْ تُبقيَ صوتَها ثابتاً. "فهمتَ، ولكنَّ الفهمَ لمْ يكنْ كافياً. لقدْ مرَّتْ أيامٌ وأسابيعُ وسنواتٌ، وكانَ غيابُكَ فراغاً كبيراً في حياتي. فراغٌ ملأتهُ دموعٌ، وملأتهُ دعواتٌ. دعواتٌ بأنْ يعودَ كلُّ شيءٍ إلى طبيعتِهِ."

تنهدَ "أنس" بعمقٍ. "أعلمُ. وأنا أستحقُّ كلَّ هذا. لقدْ تركتُكِ وحيدةً في أصعبِ الأوقاتِ. تركتُكِ تواجهينَ تحدياتٍ لمْ تكوني مستعدةً لها وحدكِ. ولكنَّني لمْ أكنْ قادراً على البقاءِ. كانتْ هناكَ أمورٌ كبيرةٌ تحدثُ، أمورٌ احتاجتْ مني كلَّ قوتي وتركيزي."

"وما هيَ هذهِ الأمورُ التي كانتْ أهمَّ مني، أهمَّ منْ وعدِكَ، أهمَّ منْ قلبٍ كانَ ينتظرُ؟" سألتْ "نور" بنبرةٍ تحملُ بعضَ اللومِ، ولكنَّها لمْ تكنْ عنيفةً. كانتْ في عينيْها رغبةٌ في الفهمِ، وليسَ في الانتقامِ.

"كانتْ مسؤولياتٌ عائليةٌ كبيرةٌ، يا نور. مشاكلُ صحيةٌ مفاجئةٌ، وأعمالٌ تجاريةٌ على وشكِ الانهيارِ. كانَ عليَّ أنْ أكونَ هناكَ، أنْ أُسيطرَ على الوضعِ. لقدْ حاولتُ أنْ أتواصلَ، ولكنَّ الظروفَ حالتْ دونَ ذلكَ. ثمَّ، ومعَ تصاعدِ الأزمةِ، بدأتُ أشعرُ أنَّني فقدتُ السيطرةَ، وأنَّني أغرقُ. لمْ أردْ أنْ أُشكلَ عبئاً عليكِ، أو على عائلتِكِ. كنتُ أعتقدُ أنَّ البقاءَ بعيداً هوَ الحلُّ الأفضلُ."

"الحلُّ الأفضلُ؟ أنْ تختفيَ كالشبحِ؟ أنْ تتركَ خلفَكَ قلباً محطَّماً؟" ردتْ "نور" بمرارةٍ واضحةٍ. "هذا ليسَ حلاً، يا أنس. هذا هروبٌ. هذا جبنٌ."

شعرَ "أنس" بلكمةٍ موجعةٍ. كانَ يعلمُ أنَّها محقةٌ. "أعلمُ، وأنا أتحملُ مسؤوليةَ كلِّ كلمةٍ قلتِها. لمْ يكنْ لديَّ الوقتُ لِأشرحَ، لِأتواصلَ، لِأُبررَ. ولكنَّني هنا الآنَ. أريدُ أنْ أُصلحَ. أريدُ أنْ أبنيَ منْ جديدٍ. أريدُ أنْ أُثبتَ لكِ أنَّني تغيرتُ."

"وكيفَ ستُثبتُ ذلكَ؟" سألتْ "نور" وهيَ تُراقبُ ملامحَهُ المتعبةَ. كانَ يبدوَ شاحباً، وعيناهُ تحملانِ سواداً عميقاً. "كيفَ لِشخصٍ هربَ منْ مسؤولياتِهِ أنْ يبنيَ مستقبلاً؟"

"بالتزامٍ لا يتزعزعُ، يا نور. بالتضحيةِ. بالصدقِ. وبإعادةِ بناءِ الثقةِ التي كسرتُها. أعرفُ أنَّ الأمرَ لنْ يكونَ سهلاً. أعرفُ أنَّ الندوبَ قدْ تبقى. ولكنَّني مستعدٌّ لِخوضِ هذهِ المعركةِ. أريدُ أنْ أتزوجَكِ، يا نور. أريدُ أنْ أُكملَ ما بدأناهُ. ولكنْ هذهِ المرةَ، بِكلِّ صدقٍ والتزامٍ."

هذهِ الكلماتُ كانتْ مفاجئةً لـ "نور". لمْ تكنْ تتوقعُ أنْ يصلَ الأمرُ إلى هذا الحدِّ بهذهِ السرعةِ. لقدْ ظنَّتْ أنَّ لقاءَ اليومَ هوَ مجردَ بدايةٍ لِفترةِ اعتذارٍ وتوضيحٍ. "تتزوجُني؟ أنس، نحنُ بالكادِ تحدثنا. لقدْ مرتْ سنواتٌ. لا يمكنُ لِكلِّ شيءٍ أنْ يعودَ كما كانَ بكلمتينِ."

"لا، لا أريدُ أنْ يعودَ كلُّ شيءٍ كما كانَ. أريدُ أنْ نبنيَ شيئاً جديداً. شيئاً أقوى. أريدُ أنْ أُثبتَ لكِ أنَّني رجلٌ يستحقُّ حبَّكِ. أريدُ أنْ أُثبتَ أنَّني قادرٌ على تحملِ المسؤوليةِ، ليسَ فقطَ مسؤولياتِ العملِ، بلْ مسؤولياتِ العائلةِ، ومسؤولياتِ قلبِكِ."

تأملتْ "نور" وجهَهُ. كانتْ ترى فيهِ صدقاً، ولكنَّها لمْ تستطعْ أنْ تتجاهلَ الخوفَ الذي كانَ يتملكُها. لقدْ جرحتها مرارةُ الغيابِ بشدةٍ. "أنس، ثقتي قدْ اهتزتْ. قلبي قدْ تألمَ. لا يمكنُني أنْ أغفرَ بسهولةٍ. ولا يمكنُني أنْ أنسى."

"وأنا لا أطلبُ منْكِ أنْ تغفري بسهولةٍ، أو أنْ تنسي. أطلبُ منكِ فرصةً. فرصةً لِأُريكِ أنَّني أستحقُّ الفرصةَ. فرصةً لِأُعيدَ بناءَ الثقةِ حجراً حجراً. إنَّ والدتي، ووالدكِ، وعائلتَنا جميعاً، يريدونَ أنْ نكونَ معاً. ولكنَّ القرارَ الأخيرَ، يا نور، هوَ قرارُكِ."

كانَ صمتُ "نور" أبلغَ منَ ألفِ كلمةٍ. كانتْ تُفكرُ في ماضيهِما، وفي حاضرِهِما، وفي مستقبلِهِما الذي بداَ الآنَ وكأنَّهُ مُعلقٌ بينَ السماءِ والأرضِ. كانتْ تُفكرُ في عائلتِها، وفي ما سيقولونَ. ولكنَّها كانتْ تُفكرُ أكثرَ في قلبِها. هلْ كانَ بإمكانِهِ أنْ يُصلحَ ما أفسدَ؟ هلْ كانَ حبُّهُ قوياً بما يكفي لِيتغلبَ على كلِّ هذهِ السنواتِ منَ الغيابِ والألمِ؟

في هذهِ الأثناءِ، كانَ "عمر"، شقيقُ "نور" الأكبرُ، يشعرُ ببعضِ القلقِ. لقدْ علمَ أنَّ "أنس" عادَ، ولكنَّهُ لمْ يسمعْ شيئاً رسمياً. كانَ يعلمُ أنَّ "نور" كانتْ مُتعلقةً بـ "أنس" قبلَ رحيلِهِ، ولكنهُ كانَ أيضاً يحذرُ منْ تكرارِ نفسِ الأخطاءِ.

"يا نور، هلْ رأيتِ أنسٌ؟" سألَ والدتَهُ في المساءِ. "نعم، لقدْ عادَ. واتصلَ بـ "نور" اليومَ." أجابتْ والدتُهُ وهيَ تُراقبُ ابنتَها القادمةَ منْ بعيدٍ. "وهلْ تحدثتْ معهُ؟" "نعم. يبدوَ أنَّهُ أرادَ أنْ يلتقيَ بها." "أتمنى أنْ تكونَ الأمورُ على ما يُرامِ. فـ "أنس" لمْ يكنْ قدْ أثبتَ بعدُ أنَّهُ أهلٌ لِثقةِ "نور"."

كانَ "أنس" قدْ عادَ إلى بيتِهِ، مُثقلاً بعبءِ حديثِهِ معَ "نور". لقدْ شعرَ أنَّهُ قدْ فتحَ قلبهُ، وأنَّهُ قدْ عبرَ عنْ أعمقِ مشاعرِهِ. ولكنَّهُ لمْ يكنْ متأكداً مما إذا كانتْ "نور" قدْ استوعبتْ صدقَ نيتِهِ.

"ماذا قالتْ لكَ "نور"؟" سألَ والدُهُ بلهفةٍ. "قالتْ إنَّ ثقتَها اهتزتْ، وإنَّ قلبَها قدْ تألمَ." أجابَ "أنس" وهوَ ينظرُ إلى الفراغِ. "وأنَّ الأمرَ لنْ يكونَ سهلاً. ولكنهُا لمْ ترفضْ، يا أبي. أعطتني فرصةً. فرصةً لِأُثبتَ لها."

ابتسمَ الوالدُ. "هذهِ بدايةٌ جيدةٌ يا ولدي. الصدقُ هوَ المفتاحُ. والجهدُ هوَ الطريقُ. لا تيأسْ. إنَّ "نور" فتاةٌ طيبةٌ، وقلبُها كبيرٌ. ولقدْ أحبَّتْكَ منْ قبلُ. كلُّ ما تحتاجُهُ هوَ أنْ ترىَ فيكَ الرجلَ الذي تستحقُّهُ."

كانَ الليلُ قدْ ألقى بظلالِهِ على المدينةِ، ولكنَّ الأملَ بدأَ ينسابُ ببطءٍ إلى قلوبِ "نور" و"أنس". خيوطٌ رفيعةٌ منَ الأملِ بدأتْ تُنسجُ، تُبشرُ بِعلاقةٍ جديدةٍ، مبنيةٍ على أساسٍ أقوى، ولكنَّها لا تخلوْ منْ تحدياتٍ وصعوباتٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%