حب من نظرة الجزء الثالث

ظلالُ الماضي وهمساتُ المستقبلِ

بقلم مريم الحسن

مرَّتْ أيامٌ قليلةٌ على لقاءِ "أنس" و"نور". لمْ يكنْ اللقاءُ حاسماً، بلْ كانَ أشبهَ بمدخلٍ إلى فصلٍ جديدٍ، فصلٍ يتطلبُ الكثيرَ منَ الصبرِ والصدقِ. كانتْ "نور" تُفكرُ كثيراً في ما قيلَ لها. كلماتُ "أنس" عنْ مسؤولياتِهِ، عنْ أزمتِهِ، وعنْ ندمِهِ، كانتْ تُحركُ شيئاً بداخلِها. ولكنَّها لمْ تستطعْ أنْ تتجاهلَ الألمَ الذي سببهُ غيابُهُ.

في كلِّ صباحٍ، كانتْ تستيقظُ وهيَ تشعرُ بثقلٍ جديدٍ على قلبِها. هلْ كانتْ على حقٍّ في منحِهِ فرصةً؟ هلْ سيتمكنُ منْ ترميمِ الثقةِ المهتزةِ؟ كانتْ تتذكرُ وعدَهُ، تذكرُ عينيْهِ المليئتينِ بالرجاءِ. ولكنَّها كانتْ أيضاً تتذكرُ لياليَ الوحدةِ، ودموعَ الحزنِ.

في أحدِ الأيامِ، تلقتْ "نور" اتصالاً منْ "أميمة". كانتْ "أميمة" تعلمُ بعودةِ "أنس"، وشعرتْ ببعضِ القلقِ. "نور، سمعتُ أنَّ "أنس" عادَ. كيفَ حالُكِ؟" سألتْ بنبرةٍ تحملُ اهتماماً، ولكنَّها كانتْ تحملُ أيضاً شيئاً آخرَ، شيئاً لمْ تستطعْ "نور" تحديدهُ.

"الحمدُ للهِ، بخيرٍ." أجابتْ "نور" بصوتٍ هادئٍ. "لقدْ تحدثتُ معَهُ. وهوَ يريدُ أنْ يُصلحَ ما حدثَ." "وهلْ أنتِ مستعدةٌ لِذلكَ؟" سألتْ "أميمة" ببطءٍ. "أنا أعلمُ أنَّ غيابَهُ كانَ صعباً، وأنَّ قلبَكِ تألمَ. ولكنَّ "أنس" رجلٌ جيدٌ، ولكنَّهُ ضعيفٌ أحياناً. أخافُ أنْ تتكررَ نفسُ القصةِ."

لمْ تُحبذْ "نور" نبرةَ "أميمة". شعرتْ بأنَّ فيها نوعاً منَ التقليلِ منْ شأنِ "أنس"، أو ربما نوعاً منَ الغيرةِ المقنعةِ. "أنا متأكدةٌ أنَّهُ قدْ تعلمَ منْ أخطائِهِ، يا أميمة. وأنَّهُ هذهِ المرةَ سيكونُ مختلفاً."

"أتمنى ذلكَ، يا نور. حقاً أتمنى ذلكَ. فـ "أنس" يستحقُّ السعادةَ، وأنتِ كذلكَ. ولكنَّني أردتُ فقطْ أنْ أنصحَكِ. لا تدعي مشاعِرَ الماضي تُعمي بصيرتَكِ. تأكدي منْ أنَّهُ حقاً قدْ تغيرَ، وليسَ مجردَ كلماتٍ."

بعدَ انتهاءِ المكالمةِ، شعرتْ "نور" ببعضِ الانزعاجِ. كانَ حديثُ "أميمة" يدورُ في رأسِها. هلْ كانتْ "أميمة" تحاولُ حقاً أنْ تُساعدَها، أمْ أنَّها كانتْ تُلقي بظلالٍ منَ الشكِ على علاقةِ "نور" بـ "أنس"؟

في بيتِ "أنس"، كانَ الوالدُ يُشجعُ ابنَهُ على المضيِّ قدماً. "لقدْ كانَ حديثُكَ معَ "نور" خطوةً شجاعةً، يا ولدي. الآنَ، عليكَ أنْ تُثبتَ لها. لا تكتفِ بالكلماتِ. أظهرْ لها بعمَلِكَ. أظهرْ لها التزامَكَ. وبِإذنِ اللهِ، ستعودُ الثقةُ."

"أعلمُ يا أبي. ولكنَّني أشعرُ بعبءٍ ثقيلٍ. أخافُ أنْ أُخيبَ ظنَّها مرةً أخرى." "كلُّ إنسانٍ يُخطئُ، يا ولدي. المهمُّ هوَ أنْ يتعلمَ منْ خطئِهِ. "نور" فتاةٌ ذكيةٌ، وستُدركُ صدقَ نيتِكَ إذا كنتَ صادقاً حقاً. كنْ أنتَ، وكنْ صادقاً، وسيُباركُ اللهُ لكَ."

في المساءِ، قررَ "أنس" أنْ يرسلَ إلى "نور" رسالةً. لمْ يرغبْ في الإزعاجِ، ولكنَّهُ أرادَ أنْ يُعبرَ عنْ مشاعرِهِ. كتبَ: "مساءُ الخيرِ يا نور. أردتُ فقطْ أنْ أقولَ لكِ إنَّني أفكرُ فيكِ. وأنَّ حديثَنا كانَ مهماً جداً بالنسبةِ لي. لا زلتُ أشعرُ بعبءِ الماضي، ولكني أرىَ الأملَ في عينيكِ. أرجو أنْ تُعطينيَ الوقتَ الكافي لِأُثبتَ لكِ أنَّ هذا الأملَ ليسَ في غيرِ محلِّهِ. تصبحينَ على خيرٍ."

عندما قرأتْ "نور" الرسالةَ، شعرتْ بشيءٍ منَ الدفءِ. كانتْ كلماتُهُ بسيطةً، ولكنَّها كانتْ تحملُ صدقاً لا يُمكنُ إنكارُهُ. بدأتْ تُدركُ أنَّ "أنس" لمْ يكنْ يطلبُ منها أنْ تنسى، بلْ أنْ تُعطيَ فرصةً لِلتغييرِ.

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "والدةُ "نور"" تُراقبُ ابنتَها بقلقٍ. لقدْ رأتْ في عينيْها مزيجاً منَ الحيرةِ والأملِ. "ماذا في قلبِكِ يا ابنتي؟" سألتْها ذاتَ يومٍ. "لا شيءَ يا أمي، مجردُ تفكيرٍ." أجابتْ "نور" وهيَ تُحاولُ أنْ تُخفيَ ما تشعرُ بهِ. "إذا كانَ الأمرُ يتعلقُ بـ "أنس"، فاعلمي أنَّني معكِ. ولكنَّني أخشى أنْ يُؤذيكِ مرةً أخرى." "لا تقلقي يا أمي. أعتقدُ أنَّهُ قدْ تغيرَ. ولكنَّني سأكونُ حذرةً."

لمْ تكنْ "نور" وحدها التي تفكرُ في "أنس". فقدْ كانَ "عمر"، شقيقُها، يُفكرُ في الأمرِ أيضاً. كانَ يعلمُ أنَّ "نور" كانتْ مُتعلقةً بـ "أنس" قبلَ رحيلِهِ، ولكنهُ كانَ يُدركُ أيضاً أنَّ "أنس" قدْ أخطأَ كثيراً. "يا أختي، هلْ أنتِ متأكدةٌ منْ هذا؟" سألَ "عمر" "نور" في إحدى المراتِ. "لقدْ كانَ غيابُهُ قاسياً. لا أريدُ أنْ أراكِ حزينةً مرةً أخرى." "أعلمُ يا عمر. ولكنَّني أؤمنُ بأنَّ الناسَ قدْ يتغيرونَ. وأنَّ "أنس" قدْ تعلمَ منْ أخطائِهِ." "أتمنى ذلكَ. ولكنَّني سأكونُ العينَ الساهرةَ عليكِ. أيُّ إشارةٍ تُثيرُ قلقي، وسأتدخلُ."

كانَ "أنس" يشعرُ بأنَّهُ يسيرُ على حافةِ بركانٍ. كلُّ خطوةٍ كانتْ تتطلبُ منهُ حذراً شديداً. حاولَ أنْ يتواصلَ معَ "نور" بشكلٍ أكثرَ انتظاماً، ولكنَّهُ لمْ يُردْ أنْ يُشكلَ عبئاً عليها. كانَ يبعثُ لها رسائلَ قصيرةً، يتساءلُ فيها عنْ أحوالِها، ويُبدي اهتمامَهُ.

وفي يومٍ منَ الأيامِ، قررتْ "نور" أنْ تُبادرَ. أرادتْ أنْ تُعطيَ "أنس" إشارةً واضحةً بأنَّها مستعدةٌ لِلتواصلِ. دعتْهُ إلى تناولِ كوبٍ منَ الشايِ في منزلِها. كانَ قراراً جريئاً، ولكنهُ كانَ يعكسُ رغبتَها في تجاوزِ الماضي.

عندما وصلَ "أنس" إلى منزلِ "نور"، كانَ يشعرُ بتوترٍ شديدٍ. لقدْ كانَ هذا أولَ لقاءٍ لهُ معَ عائلتِها بعدَ غيابِهِ الطويلِ. استقبلتْهُ والدةُ "نور" بابتسامةٍ حذرةٍ، ولكنَّها كانتْ تحملُ دفئاً. "أهلاً بكَ يا "أنس". لقدْ اشتقنا إليكَ." قالتْها بكلماتٍ قليلةٍ، ولكنَّها كانتْ تحملُ الكثيرَ.

بدأَ الحديثُ بالدردشةِ عنْ أمورٍ عامةٍ، ولكنَّ "أنس" كانَ يشعرُ بأنَّهُ يجبُ أنْ يتحدثَ بصراحةٍ. "يا جدتي، ويا خالتي، أعتذرُ منكمْ عنْ غيابي الطويلِ. لقدْ مررتُ بظروفٍ صعبةٍ، ولكنَّ ذلكَ لا يُبررُ غيابي عنكمْ. أنا هنا الآنَ، وأريدُ أنْ أُصلحَ كلَّ شيءٍ. وأهمُّ شيءٍ، هوَ أنْ أُعيدَ بناءَ الثقةِ معَ "نور"."

نظرتْ إليهِ والدةُ "نور" بعمقٍ. "نحنُ نُدركُ أنَّ الحياةَ لا تخلوْ منَ التحدياتِ. ولكنَّ "نور" قلبُها رقيقٌ، وقدْ تألمتْ. نرجو منكَ أنْ تُحافظَ عليها، وأنْ تُعاملَها بالحبِّ والصدقِ الذي تستحقُّهُ."

شعرتْ "نور" ببعضِ الارتياحِ. كانتْ ترى في ردِّ فعلِ عائلتِها دعماً لها، ولـ "أنس". كانَ الأمرُ لا يزالُ صعباً، ولكنَّ ظلالَ الماضي بدأتْ تتلاشى، وهناك همساتٌ واعدةٌ منْ مستقبلٍ قدْ يكونُ جميلاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%