حب من نظرة الجزء الثالث
لقاء الحقيقة ومرارة الكشف
بقلم مريم الحسن
مع بزوغ شمس يومٍ جديد، كان قلب ليلى يرقص على إيقاعٍ متسارع. لم ينم قلبها كثيراً، فقد استحوذت عليه تفاصيل لقائها المرتقب بـ "عمر". اختارت ملابسها بعناية، ثوبٌ فضفاضٌ بلون السماء الصافية، مع وشاحٍ حريريٍ بلون العاج. كانت ترغب في أن تظهر بأبهى صورة، لكنها في الوقت ذاته، كانت تشعر بثقل ما قد تسمعه.
في ذلك المقهى الهادئ، الذي بات يعرف بـ "ملتقى الأمل"، وصل عمر قبلها بدقائق. كان يتفحص وجوه الداخلين، وقلبه معلقٌ بانتظار قدومها. عندما رآها تدخل، شعر برعشةٍ تسري في جسده. جمالها الهادئ، وبهاء طلتها، كانا كافيين ليجعله ينسى كل ما حوله.
جلسا مقابل بعضهما، وبدت المساحة بينهما مليئةً بالترقب. تبادلا التحيات، وطلب عمر قهوته المعتادة، بينما اكتفت ليلى بكوبٍ من الماء.
"شكراً لكِ على مجيئكِ يا ليلى." قال عمر بصوتٍ عميق. "أعلم أنني طلبتُ هذا اللقاء بشكلٍ مفاجئ، ولكن لديّ ما يجب أن أخبركِ به."
"أنا مستعدةٌ للاستماع." أجابت ليلى، وقد وضعت يديها على الطاولة، متماسكةً قدر الإمكان.
بدأ عمر حديثه، وكان صوته يرتعش قليلاً في البداية. "أتذكرين عندما تحدثنا عن المستقبل، وعن أحلامنا؟ كنتُ صريحاً معكِ في جزءٍ من الأمور، لكن هناك تفاصيل.. أحداثٌ مرت عليّ، تركت ندوباً عميقة."
حدّقت به ليلى، وعيناها تلمعان بترقبٍ وخوف.
"قبل أن ألتقي بكِ، كنتُ في علاقةٍ مع فتاةٍ.. اسمها سارة. كانت علاقةً طويلة، بدأت بالحب، وانتهت بالألم والخيانة."
توقفت كلماته للحظة، وكأنه يجمع قوته. "كنتُ مخلصاً لها، وأحببتها بصدق. كنا نخطط للمستقبل معاً. ولكن، اتضح لي في النهاية أنها كانت تتلاعب بمشاعري، وأنها كانت تسعى وراء مصلحتها الشخصية فقط. لقد اكتشفتُ أنها كانت تخونني مع شخصٍ آخر.. شخصٌ قريبٌ مني."
ارتعش صوت عمر وهو يقول هذه الكلمة. "كان الأمر صادماً، ومؤلماً للغاية. لقد فقدتُ الثقة في كل شيء، وفي كل الناس. شعرتُ بأنني سأبقى وحيداً إلى الأبد."
انحنت ليلى قليلاً، تشجعه على الاستمرار.
"بعد تلك التجربة، انغمستُ في العمل، وحاولتُ أن أنسى. ولكن الذكريات كانت تطاردني. كنتُ أرى سارة في كل مكان، وأسمع صوتها في كل زاوية. لقد استغرقتُ وقتاً طويلاً لأتجاوز تلك المحنة."
"وهل.. هل انتهى الأمر؟" سألت ليلى بصوتٍ خفيض، تحاول أن تخفي مشاعرها المتضاربة.
"نعم، لقد انتهى. لكن.. لم تنتهِ آثاره. لقد جعلني أشعر بالذنب تجاهكِ يا ليلى. لأنني لم أكن صريحاً معكِ بالكامل منذ البداية. لأنني خشيتُ أن أخبركِ بهذه القصة، وأن أخيفكِ."
"ولماذا الآن؟" سألت ليلى، وقد بدأت ملامح وجهها تتغير.
"لأن وجودكِ في حياتي بدأ يغير كل شيء. بدأتُ أشعر بالأمل مجدداً، وبدأتُ أرى نوراً في نهاية النفق. ولكنني أخشى أن أتقدم إليكِ وأنا أحمل هذا الحمل الثقيل. أريد أن تكوني على درايةٍ كاملةٍ بما مررتُ به، وأن تعرفي أنني قد أكون ما زلتُ أحمل بعض آثار تلك التجربة."
"آثار؟" كررت ليلى الكلمة، وكأنها تبحث عن معناها.
"نعم، آثار. الخوف من تكرار الخطأ، الشك في الآخرين، صعوبة الثقة مجدداً. هذه الأمور لا تُمحى بسهولة."
صمت عمر، وانتظر ردها. كانت عيناه مليئتين بالترقب، والألم، والأمل.
نظرت ليلى حولها، ثم أعادت بصرها إليه. "عمر.. أنا.. أنا أفهم. لقد مررتُ أنا أيضاً بتجارب مؤلمة في الماضي."
تغيرت ملامح عمر، وبدا عليه بعض الارتياح. "هل حقاً؟"
"نعم. لقد جعلتني تلك التجارب حذرةً للغاية. ولكن.. ما حدث معكِ يبدو مؤلماً حقاً."
"لقد كان كذلك. ولكن، هل هذا يجعلني شخصاً سيئاً؟" سأل عمر، وبدا صوته يائساً بعض الشيء.
"ليس بالضرورة. كل إنسان يحمل في جعبته قصصاً. المهم هو كيف نتعلم من تلك القصص، وكيف ننهض بعدها."
"وأنا.. أنا أريد أن أقف على قدمي مجدداً. معكِ." قال عمر، ونبرة الأمل تعلو صوته. "ولكن، هل يمكنكِ أن تسامحيني على عدم صراحتي الكاملة؟"
"المسألة ليست مسألة مسامحة الآن يا عمر. المسألة تتعلق بالثقة. والشفافية."
"وأنا أعدكِ بالشفافية الكاملة من الآن فصاعداً. أي شيءٍ يخصني، أي شيءٍ يؤثر فيّ، سأخبركِ به."
"هذا ما أحتاجه." قالت ليلى، وقد شعرت بأن ثقل الهمّ قد خفّ قليلاً. "أحتاج إلى معرفة أنني أستطيع أن أثق بك."
"وأنا سأفعل كل ما بوسعي لأكسب ثقتكِ."
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وترسم ألواناً ذهبيةً وبرتقاليةً على السماء. كان هذا اللقاء، الذي بدأ بثقلٍ وخوف، قد انتهى ببعض الارتياح، وبإشراقة أملٍ خجول.
"أريد أن ألتقي بكِ مرةً أخرى." قال عمر. "ولكن هذه المرة.. ليس لديّ أسرارٌ لأخبركِ بها. فقط.. أريد أن أتعرف عليكِ أكثر، وأن أجعلكِ تشعرين بالأمان."
ابتسمت ليلى ابتسامةً خفيفة. "موافق."
عندما غادر عمر المقهى، نظر إلى السماء بنظرةٍ جديدة. كانت السماء ما زالت مليئةً بالغموض، ولكن، كان هناك شيءٌ قد تغير. شعورٌ بالخفة، وبالقدرة على مواجهة ما هو قادم. لم يكن الطريق سهلاً، لكنه كان على الأقل.. واضحاً.
أما ليلى، فقد عادت إلى منزلها، وقلبها يعجُّ بالمشاعر. لقد كُشفت أسرار، ولكنها لم تكن بالسوء الذي توقعت. كان "عمر" إنساناً، يحمل جروحه، لكنه يسعى للشفاء. وكان هذا، بحد ذاته، كافياً ليمنحها بصيص أملٍ جديد.