حب من نظرة الجزء الثالث

رياح التغيير وعبء الماضي

بقلم مريم الحسن

كانت رائحة القهوة العربية تفوح في أرجاء المنزل، ممزوجةً بعبق البخور الذي تضعه فاطمة في ركن الغرفة. استيقظت ليلى على هذه الرائحة المألوفة، وشعرت بدفءٍ يغمر قلبها. كان يوم العشاء مع عمر قد أتى، وكانت تشعر بمزيجٍ من الحماس والتوتر.

"صباح الخير يا أمي." قالت ليلى، وهي تدخل المطبخ.

"صباح النور يا ابنتي. كيف تشعرين اليوم؟" سألت فاطمة، وهي تضع كوباً من الشاي أمام ليلى.

"متحمسةٌ، ولكني قلقةٌ بعض الشيء."

"هذا طبيعي. ولكن لا تدعي القلق يسيطر عليكِ. تذكري ما قلته لكِ. كن على طبيعتكِ، واثقةً بنفسكِ، ودعيه يرى حقيقتكِ."

"ولكن.. هل سيتقبل حقيقتي؟"

"إن كان قلبه صالحاً، فسوف يرى ما هو خيرٌ لكِ. لا تخافي يا حبيبتي."

في هذه الأثناء، كانت سارة قد وضعت خطتها موضع التنفيذ. استأجرت غرفةً في نفس الفندق الذي يقع فيه المطعم الذي اختاره عمر. كانت ترتدي ملابس أنيقة، وتضع مساحيق تجميلٍ جريئة، كأنها تستعد لمواجهة.

"اليوم، سيعود إليّ." همست لنفسها، وابتسامةٌ ماكرةٌ ترتسم على شفتيها.

كان عمر يتجه نحو المطعم، وقلبه مليءٌ بالأمل. لقد أعدّ ليلى بالكامل. أراد أن يتحدث معها عن مستقبلهما، وأن يقدم لها وعداً بالحب والوفاء. لقد شعر بأن ليلى هي النصف الآخر الذي كان يبحث عنه، وأنها قادرةٌ على إرشاده إلى نورٍ جديد.

وصل عمر إلى المطعم، ثم تبعته ليلى بعد دقائق. وجدها جالسةً على طاولةٍ جانبية، وابتسامةٌ واسعةٌ على وجهها.

"لقد كنتِ أخشى أن تتأخري." قال عمر، وهو يجلس مقابلها.

"لم أكن لأفعل ذلك. اليوم هو يومٌ مميز."

تبادلا أطراف الحديث، وبدأت ليلى تشعر بأن قلقها يتلاشى تدريجياً. كان عمر يحترمها، ويستمع إليها باهتمام، ويرى فيها ما لم يره أحدٌ من قبل.

"أعلم أنكِ تخشين من تكرار الأخطاء." قال عمر، وهو يضع يده فوق يدها. "وأنا أيضاً. ولكن، ثقي بي، ليلى. أنا لا أريد أن أكرر ما حدث في الماضي. أنا أريد أن أبني مستقبلاً معكِ."

"ماذا تقصد بـ 'مستقبلاً'؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بقوة.

"أعني.. أنني أريد أن أتقدم لخطبتكِ رسمياً، بعد أن تنتهي فترة التعارف، وبعد أن تستقر الأمور. أريد أن أتزوجكِ، وأن نكون أسرةً مسلمةً صالحة."

كانت كلمات عمر كفيلةً بأن تجعل ليلى تشعر بأنها في حلم. لم تكن تتوقع أن تكون الأمور بهذه السرعة، ولكنها لم تستطع أن تخفي سعادتها.

"عمر.. أنا.. أنا لا أعرف ماذا أقول."

"لا تقولي شيئاً الآن. فقط.. استشعري ما في قلبكِ. ولكن، أريد أن أعرف أنكِ على استعدادٍ لمنحي هذه الفرصة."

في هذه اللحظة، وبينما كانا على وشك الغرق في بحرٍ من السعادة، اقتحمت سارة المشهد. دخلت المطعم، متجهةً نحوهما مباشرةً، ووجهها يعكس غضباً شديداً.

"عمر!" صرخت بصوتٍ عالٍ، مما لفت انتباه جميع رواد المطعم. "ماذا تفعل هنا؟"

تجمد عمر في مكانه. لم يكن يتوقع رؤيتها أبداً، وخاصةً في هذا الوقت.

"سارة؟ ما الذي تفعلينه هنا؟" سأل عمر، بنبرةٍ مزجت بين الدهشة والغضب.

"أتيتُ لأرى حبيبي." قالت سارة، وهي تلقي نظرةً قاسيةً على ليلى. "وهل هذه هي الفتاة التي استبدلتني بها؟"

ارتعش جسد ليلى. لم تكن تفهم ما يحدث. من هي هذه المرأة؟ وما علاقتها بعمر؟

"سارة، أرجوكِ، هذه ليست الفتاة المناسبة للحديث." قال عمر، محاولاً أن يحافظ على هدوئه.

"وهل هذه الفتاة التي تدعي أنك تحبها، تعلم عني شيئاً؟" سألت سارة، وعيناها تشتعلان. "هل تعلم يا عمر أنك لم تنسني أبداً؟"

"هذا كذب!" صرخ عمر، وبدا الغضب يتملك منه. "لقد انتهى كل شيء بيننا!"

"انتهى؟ هل حقاً؟" قالت سارة، ثم التفتت نحو ليلى. "يا فتاة، هل تعلمين أن هذا الرجل كان يحبني؟ هل تعلمين أننا كنا نخطط للزواج؟"

كانت ليلى تشعر وكأن الأرض تدور بها. لم تكن تستطيع أن تستوعب ما تسمعه. هل كان كل ما قاله عمر كذباً؟ هل كان ماضيه ما زال يلاحقه؟

"عمر.. هل هذا صحيح؟" سألت ليلى بصوتٍ مرتجف.

نظر عمر إلى ليلى، ثم إلى سارة. بدا عليه الارتباك الشديد. "ليلى، أرجوكِ.. دعينا نتحدث في الخارج."

"لا! تحدث هنا!" أصرت سارة. "أريد أن تعرف هذه الفتاة حقيقة الرجل الذي تظنين أنكِ تحبينه."

"سارة، توقفي! أنتِ تخطئين." قال عمر، وبدأ يشعر باليأس.

"هل أخطئ؟ أم أنك تخطئ أنت؟" قالت سارة، ثم توجهت نحو ليلى. "يا فتاة، هذا الرجل.. كان متعلقاً بي جداً. لقد حاول أن ينساني، ولكنه لم يستطع. هل تعلمين أنه حتى الليلة الماضية، كان يتصل بي؟"

كانت هذه الكلمات بمثابة صاعقةٍ لليلى. ارتجف جسدها، ودمعت عيناها. لم تستطع أن تنظر إلى عمر. شعرت بخيانةٍ عميقة، وبفقدانٍ مدمر.

"لا أصدقك!" قال عمر، ونبرة صوته تعكس يأساً شديداً. "لم أتصل بكِ! ولم أفكر بكِ!"

"هذا غير صحيح." قالت سارة، ثم رفعت هاتفها. "دعيني أريكِ المكالمات."

كانت ليلى تشعر بأن كل شيءٍ ينهار حولها. لم تكن تعرف بمن تصدق. ولكن، نظرة الشك التي ارتسمت على وجهها، كانت كافيةً لعمر.

"ليلى.. أرجوكِ.. صدقيني." قال عمر، وبدا وجهه شاحباً.

لكن ليلى، وقد غمرها الألم وخيبة الأمل، لم تستطع أن تصدق. شعرت بأن كل شيءٍ كان مجرد وهم. وقفت ببطء، ومرت بجانب عمر دون أن تنظر إليه.

"أنا.. أنا آسفة." قالت ليلى بصوتٍ خفيض، ثم خرجت من المطعم مسرعةً.

نظر عمر إلى سارة بغضبٍ شديد. "لقد دمرتِ كل شيء!"

"لم أدمر شيئاً. لقد كشفتُ الحقيقة." قالت سارة ببرود، ثم ابتسمت ابتسامةً انتصار.

وقف عمر وحيداً، يشعر بخيبة أملٍ لا توصف. لقد رأى مستقبله ينهار أمامه، بسبب أخطاء الماضي، وبسبب تدخلاتٍ هدّامة. كانت رياح التغيير التي أراد أن يجلبها، قد تحولت إلى عاصفةٍ كاسحة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%