حب من نظرة الجزء الثالث
ليلة الشك وصبح اليقين
بقلم مريم الحسن
خرجت ليلى من المطعم مسرعةً، وقلبها يعتصره الألم. كان الهواء البارد يلفّ جسدها، لكنه لم يكن كبرودة الخيانة التي شعرت بها. دموعها كانت تتساقط بغزارة، تمحو معالم وجهها، وتغسل الأمل الذي بدأت تتشبث به. لم تكن تتخيل أن ينتهي لقاؤها بعمر بهذه الطريقة المأساوية. هل كان كل ما قاله مجرد وهم؟ هل كانت سارة على حق؟
"لماذا؟" تمتمت لنفسها. "لماذا تركت ماضيك يلاحقك؟"
لم تكن تعلم إلى أين تتجه. مشت في الشوارع المظلمة، متجاوزةً الأضواء المتلألئة، والأصوات البعيدة. كان عقلها يعجّ بالصور المتناقضة: وجه عمر المشرق بالأمل، ووجه سارة المليء بالحقد والانتصار، وكلماتهما المتضاربة.
"عمر.. هل كان كاذباً؟" سألت نفسها. "هل كل تلك المشاعر كانت مجرد تمثيل؟"
في تلك اللحظة، شعرت بالضعف والخيانة، وكأنها قد وقعت في فخٍ كبير. عادت إليها ذكريات الماضي، وتجاربها المؤلمة، وكأنها تقول لها: "رأيتِ؟ هذا ما يحدث حين تثقين."
في المطعم، كان عمر يحاول جاهداً أن يوضح الأمر لسارة. "لقد انتهيتِ يا سارة! انتهيتِ تماماً! لم أتصل بكِ، ولم أرغب في سماع صوتكِ أبداً!"
"هل حقاً؟" قالت سارة بسخرية. "ربما لم تتصل بي، ولكنك ما زلت تفكر بي. أنتَ لا تستطيع أن تنسى الماضي، أليس كذلك؟"
"لقد تجاوزتُ الماضي! ووجدتكِ أنتِ يا ليلى! أنتِ الأمل الذي كنتُ أبحث عنه!" قال عمر، ودموع الأسى بدأت تترقرق في عينيه. "لقد دمرتِ كل شيء!"
"لم أدمر شيئاً. لقد كشفتُ عن الحقيقة." قالت سارة ببرود، ثم غادرت المطعم، تاركةً عمر وحيداً في بحرٍ من اليأس.
لم يكن عمر يعلم أين ذهبت ليلى. حاول أن يتصل بها، ولكن هاتفها كان مغلقاً. شعر بالضياع، وبأن كل جهوده قد ذهبت سدى. لقد رأى في ليلى بدايةً جديدة، ولكن يبدو أن رياح الماضي قد جرفت هذه البداية بعيداً.
عادت ليلى إلى منزلها في وقتٍ متأخر من الليل. وجدتها فاطمة تنتظرها بقلق.
"ليلى! أين كنتِ؟ قلقتُ عليكِ كثيراً!"
لم تستطع ليلى الكلام. فقط احتضنت والدتها، وبكت بكاءً مريراً.
"ماذا حدث يا ابنتي؟" سألت فاطمة بحنان، وهي تلمس شعرها.
"عمر.. كذب عليّ يا أمي. لقد كانت لديه علاقةٌ مع سارة.. والفتاة.. الفتاة تقول إنه ما زال متعلقاً بها."
جلست فاطمة بجانب ابنتها، واحتضنتها. "اهدئي يا حبيبتي. نحن هنا معكِ."
"ولكن.. هل سأثق بأحدٍ مرةً أخرى؟" قالت ليلى، وقد خيم عليها اليأس.
"الثقة يا ليلى.. تبنى بالصدق، وتُهدم بالكذب. ولكن، الإنسان لا يجب أن يدع تجاربه المؤلمة تحرمه من فرصة بناء مستقبلٍ أفضل."
"ولكن.. كيف؟"
"بالتأني، وبالحكمة، وبالدعاء. أعطي الأمر وقتاً. ودعي الأمور تتضح."
في صباح اليوم التالي، كان عمر في حالةٍ يرثى لها. لم ينم طوال الليل، وكان يشعر بأن كل شيءٍ قد انتهى. قرر أن يذهب إلى منزل ليلى.
عندما وصل، وجد فاطمة في الخارج، تنظم الزهور في حديقة المنزل.
"السلام عليكم." قال عمر بصوتٍ متعب.
"وعليكم السلام ورحمة الله." أجابت فاطمة، وقد بدت عليها آثار القلق. "تفضل."
"أريد أن أتحدث مع ليلى. إنها لا ترد على هاتفي."
"إنها في غرفتها، لا تزال تشعر بالحزن."
"لقد دمرت سارة كل شيء." قال عمر، وقد شعر بالمرارة. "لقد كذبت! لم أتصل بها، ولم أفكر بها أبداً!"
"أعلم يا بني. ولكن، ليلى.. رأت ما رأته، وسمعت ما سمعته. ويصعب عليها أن تثق الآن."
"ولكن.. كيف يمكنني إثبات ذلك؟"
"دعها. أعطها بعض الوقت.