حب من نظرة الجزء الثالث

صرخات الماضي في أروقة الحاضر

بقلم مريم الحسن

تغلغلت خيوط الشمس الأولى في زوايا الغرفة، حاملة معها وعداً بيوم جديد، ولكن لليلى، لم يكن هذا اليوم يبدو كأي يوم آخر. لقد استقرت في أعماقها قناعة بأنها تقف على أعتاب كشف سر عظيم، سر قد يغير مسار حياتها وحياة من حولها. الكتاب الأسود، الذي وجدته بالأمس في مكتبة والدها، كان لا يزال تحت وسادتها، يبعث من تحتها بريقاً غامضاً، وحرارة خفية.

في صباح اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، تسللت ليلى إلى مكتبة والدها مرة أخرى. أخذت الكتاب بحذر، ووضعت أمامه مصباحاً صغيراً، وبدأت في قراءة مدونات والدها بعمق. كانت الكلمات تتدفق، واضحة ولكنها مشوشة، تعكس حالة من القلق المستمر.

"لقد اتصل بي السيد ناصر مجدداً. يطالب بالمستحقات، ويهدد بالكشف عن كل شيء. لا أدري كيف وقعت في هذه الورطة، ولكن عواقبها ستكون وخيمة. عليّ أن أحميكم، أحميكم من هذا العار."

"عار؟" همست ليلى، والكلمة ترن في أذنيها كصوت نذير. "أي عار يتحدث عنه والدي؟ ومن هو هذا السيد ناصر؟"

كان والدها، السيد أحمد، رجلاً مرموقاً في مجتمعه، معروفاً بأمانته، وسمعته الطيبة. كيف يمكن أن يكون متورطاً في شيء قد يسبب له "عاراً"؟

واصلت القراءة، ووجدت تفاصيل أكثر إيلاماً. كانت هناك إشارات إلى ديون قديمة، إلى تعاملات تجارية خاطئة، وإلى شخص كان يضغط عليه مالياً، ويهدده بفضح ماضٍ كان يعتقد أنه دفنه إلى الأبد.

"لا أستطيع أن أخبر أحداً. سارة لا تزال صغيرة، وليلى... ليلى بقلبها الرقيق لن تتحمل. يجب أن أجد حلاً، حلاً سريعاً قبل أن تدمر كل شيء."

شعرت ليلى بأن الأرض تميد بها. والدها، الذي كانت تراه دائماً رمزاً للقوة والأمان، كان يخفي صراعاً داخلياً عميقاً. كانت تلك الكلمات أقوى من أي رسالة غامضة، كانت صرخات حقيقية لرجل على حافة الانهيار.

"ولكن من هو السيد ناصر؟" كررت سؤالها، وعيناها تبحثان عن أي اسم أو تفصيل قد يقودها إليه.

ووجدت ضالتها في نهاية الكتاب. صفحة متضمنة، يبدو أن والدها قد كتبها في لحظة يأس.

"ناصر منصور. صاحب شركة 'الأفق المظلم' للتجارة. مدين لي بالكثير، ولكنه يصر على أنني مدين له. يقول إن لديه دليلاً على تلاعب قمت به في بداية مسيرتي المهنية. هو يبتزني. يطلب مبلغاً ضخماً، وإلا سيفضحني أمام الجميع، أمام المجتمع، وأمامكم. لا أملك المبلغ. لا أملك الحل. إنني أغرق."

"ناصر منصور..." ترددت ليلى الاسم. لم يكن اسماً مألوفاً في دائرة معارفهم. ولكن وصف شركته بـ "الأفق المظلم" كان كافياً ليثير قلقها.

في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات تقترب من باب المكتبة. أغلقت الكتاب بسرعة، وأعادته إلى مكانه، وقلبها يخفق بعنف. دخل طارق، بابتسامته المعهودة، ولكنه بدا اليوم متعباً بعض الشيء.

"صباح الخير ليلى. كنت أبحث عنكِ. والدتي طلبت مني أن أدعوكِ لتناول الإفطار معنا."

نظرت ليلى إلى طارق، إلى عينيه الصادقتين، إلى ابتسامته التي غالباً ما كانت تبعث الطمأنينة في قلبها. كيف يمكن أن تخبره بما اكتشفته؟ كيف يمكن أن تشارك معه سراً قد يلقي بظلاله على علاقته بوالده؟

"صباح النور طارق. نعم، بالطبع. سأنزل الآن."

حاولت أن تبدو طبيعية، ولكن إحساساً ثقيلاً كان يثقل صدرها. خلال الإفطار، لاحظت أن والد طارق، السيد خالد، كان يبدو شاحباً، ويتحدث بصوت خفيض. كان يتجنب النظر إلى عيني طارق.

"هل كل شيء على ما يرام يا عمي؟" سألت ليلى بصوت هادئ.

نظر إليها السيد خالد، وعيناه تعكسان حزناً عميقاً. "بخير يا ابنتي، فقط بعض الضغوط في العمل. الأمور تتطلب الكثير من الجهد."

تبادل طارق نظرة سريعة مع والده، نظرة تفهم وصمت. أدركت ليلى أن هناك شيئاً أكبر يحدث، شيئاً مرتبطاً بما وجدته في كتاب والدها.

"هل تتعلق هذه الضغوط بـ 'الأفق المظلم'؟" تساءلت في نفسها. "هل السيد خالد متورط أيضاً؟"

شعرت ليلى بأنها تقف على مفترق طرق. هل تخبر طارق بما اكتشفته؟ هل تخاطر بإفساد علاقته بوالده، أو بإثارة الفتنة بين العائلتين؟ أم أنها تخفي الأمر، وتواصل بحثها بنفسها؟

بعد الإفطار، وبينما كانت تساعد والدتها في ترتيب طاولة الطعام، اقتربت منها السيدة زينب، وقالت بهمس: "ليلى، والد طارق يبدو متضايقاً جداً اليوم. هل هناك شيء خطأ؟"

نظرت ليلى إلى والدتها، ثم إلى والدة طارق، السيدة فاطمة، التي كانت تجلس بهدوء، ولكن عيناها تحملان قلقاً خفياً.

"أتمنى أن يكون كل شيء على ما يرام يا أمي." أجابت ليلى، وقلبها يعتصر من التفكير.

بعد ذلك، طلبت ليلى من طارق أن يتحدثا على انفراد. ذهبا إلى الحديقة، حيث نسيم الصباح العليل يلفهما. "طارق، هل والدك بخير؟ لاحظت أنه يبدو مهموماً جداً."

نظر طارق إلى ليلى، وبدا وكأنه متردد في الإجابة. "صراحة ليلى... هناك بعض الأمور التي تواجه شركتنا. مشاكل مالية كبيرة، وضغوط من جهة معينة."

"أي جهة؟" سألت ليلى، محاولةً أن تبدو فضولية، لا كمن يعرف الإجابة.

"شخص اسمه ناصر منصور. يطالب بمبلغ ضخم، ويهدد بكشف بعض التفاصيل القديمة المتعلقة بتأسيس الشركة. والدي قلق جداً."

تجمدت ليلى. إذن، هو نفس الشخص. نفس السيد ناصر منصور الذي كان يبتز والدها. شعرت بأن عالمها ينهار. لم يكن الأمر يتعلق بوالدها فقط، بل كان يتعلق بعائلتين، بعلاقة كانت تنمو بينهما، وبمستقبلها.

"ناصر منصور..." قالت ليلى بصوت بالكاد مسموع. "والدي أيضاً... واجه مشاكل مع شخص بهذا الاسم."

اتسعت عينا طارق. "ماذا تقولين؟ هل والدك أيضاً؟"

نظرت ليلى إلى طارق، ورأت في عينيه مزيجاً من الصدمة والقلق. أدركت أن الكذب لم يعد خياراً. عليها أن تقول الحقيقة، وأن تشاركه ما اكتشفته.

"نعم يا طارق. لقد وجدت رسالة، ثم كتاباً لوالدي، يحكي فيه عن ضغوط تعرض لها من شخص اسمه ناصر منصور. يبدو أنه يبتزه، ويهدده بفضح ماضٍ قديم. لم أفهم الأمر بالكامل، ولكن يبدو أن هذا الشخص كان يطالب والدك بمبالغ طائلة أيضاً."

شعر طارق بالصدمة. "هذا جنون. هل يمكن أن يكونا متورطين معاً؟ هل هذا الابتزاز يشمل العائلتين؟"

"لا أدري يا طارق. ولكن علينا أن نفهم. علينا أن نعرف من هو هذا الرجل، وماذا يريد حقاً. علينا أن نكتشف الحقيقة، قبل أن تدمرنا."

نظرت ليلى إلى طارق، وشعرت بأنها قد وضعت أقدامها في طريق محفوف بالمخاطر. لكنها لم تكن وحدها الآن. كان أمامها شريك، شريك قد يكون في قلب هذه العاصفة.

"سأبحث عن هذا ناصر منصور. سأبحث عن شركته، وعن أي معلومات عنه." قال طارق بحزم، وعيناه تلمعان بالعزيمة. "ولن نسمح له بأن يدمرنا."

أومأت ليلى برأسها، وقلبها مليء بالأمل والقلق في آن واحد. لقد كشفتا عن أول خيط في شبكة معقدة، شبكة من الأسرار والابتزاز. وكان عليها الآن أن تتبعه، مهما قادها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%