حب من نظرة الجزء الثالث

بريق الأمل وشبح الظلال

بقلم مريم الحسن

كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل بجرأة عبر ستائر النافذة السميكة، لتوقظ "ليلى" من سباتها العميق. لم يكن مجرد نور، بل كان إعلاناً لبداية يوم جديد، يوم مصيري. استيقظت "ليلى" بفرح ممزوج بتوتر خفيف، تذكرت فوراً الموعد الهام مع السيد "أحمد الهاشمي".

أسرعت "ليلى" إلى الحمام، ثم توضأت وجلست في مكانها المعتاد للصلاة، مستشعرةً سكينة عميقة وهي تردد آيات القرآن. لقد كانت الصلاة ملاذها، ومعينها في الشدائد، ومصدر قوتها. بعد أن وضعت سجادتها، رفعت يديها بالدعاء، ليس فقط لها ولصديقتها "سارة"، بل أيضاً لوالدتها، ولبلدها، وأن يوفقها الله في كل خطواتها، وأن يبعد عنها شرور أنفس البشر.

عندما فتحت باب غرفتها، وجدت والدتها "أميرة" قد سبقها، قد أعدت إفطاراً خفيفاً، يتكون من خبز أسمге، وجبن قريش، وبعض الزيتون، وفواكه طازجة. كانت رائحة القهوة العربية تفوح في المكان، مشبعةً بحبات الهيل.

"صباح الخير يا أمي." قالت "ليلى" بابتسامة.

"صباح النور يا حبيبتي. هل نمتِ جيداً؟" سألت "أميرة" وهي تقدم لها فنجاناً من القهوة.

"الحمد لله. لقد كنت أفكر كثيراً."

"هذا طبيعي. إنه يوم مهم." قالت "أميرة" وهي تجلس مقابلها. "هل اخترتِ ما سترتدينه؟"

"نعم، 'سارة' أحضرت لي بعض الخيارات الرائعة. اخترتُ فستاناً بلون البحر، بسيطاً ولكنه أنيق."

"جميل. تذكري، المظهر يعكس الشخصية، ولكن الأهم هو ما في القلب."

"هذا ما أؤمن به يا أمي."

بعد الإفطار، بدأت "ليلى" رحلة الاستعداد. ارتدت الفستان الأزرق الذي كان بلون السماء الصافية، مطرزاً بخيوط فضية عند الأطراف. زينت شعرها ببعض خصلات الحرير، ووضعت عطرها المفضل، رائحة المسك الأبيض. نظرت إلى المرآة، لترى انعكاسها. لم تكن ترى مجرد فتاة، بل امرأة واثقة، مستعدة لمواجهة المستقبل.

في ذات الوقت، في مكتب "أحمد الهاشمي" الفخم، كان الجو مختلفاً تماماً. كان المكتب يقع في أعلى برج من أبراج العاصمة، يطل على منظر بانورامي للمدينة. الأثاث كان فاخراً، واللوحات الفنية تزين الجدران، والهالة العامة كانت توحي بالقوة والنجاح.

"أحمد"، الشاب الذي تجاوز الثلاثين بقليل، كان يجلس خلف مكتبه الضخم، ينظر إلى أوراق المشروع. وجهه كان يجمع بين الوسامة والجدية، وعيناه السوداوان كانتا تعكسان ذكاءً حاداً. كان يرتدي بدلة رسمية أنيقة، تبرز لياقته البدنية.

"هل السيد 'خالد' هنا؟" سأل "أحمد" السكرتيرة بنبرة واثقة.

"نعم سيدي. إنه ينتظر في غرفة الاجتماعات."

"خالد" كان الشريك الجديد في أعمال "أحمد"، رجل أعمال كبير السن، ذا خبرة واسعة، ولكنه معروف بصرامته ونظرته الثاقبة.

بعد دقائق، دخل "خالد" إلى المكتب. كان رجلاً مهيباً، شعره قد شابه البياض، ولحيته بيضاء مرتبة.

"صباح الخير يا أحمد." قال "خالد" وهو يصافح "أحمد".

"صباح النور يا أبي." أجاب "أحمد" بابتسامة.

كان "خالد" هو والده، ولكنهما كانا يفضلان الحفاظ على علاقة احترافية في العمل.

"هل اطلعت على تفاصيل المشروع؟" سأل "خالد".

"نعم. إنه مشروع مثير للاهتمام. تصميمات تقليدية بلمسة عصرية. أعتقد أن لدينا فرصة كبيرة لدعم مثل هذه المواهب."

"بالتأكيد. ولكن الأهم هو اختيار الأشخاص المناسبين. سمعت أن إحدى المصممات، 'ليلى'، هي ابنة خال والدك. هل هذا صحيح؟"

"نعم، هذا ما أبلغتني به 'سارة'، ابنة عمها. يبدو أن هناك قرابة بعيدة."

"هذا قد يضعنا في موقف حساس، يا أحمد. يجب أن نكون على أتم الحذر. لا نريد أن يُقال إننا منحنا هذا المشروع بناءً على قرابة، بل على الجدارة."

"أتفق معك تماماً يا أبي. ولذلك، أريد أن يكون هذا الاجتماع شفافاً تماماً. سنقدم الفرصة لمن يستحقها، بغض النظر عن أي شيء آخر."

"هذا جيد. هل أنت مستعد للقائهما؟"

"نعم. لقد جهزت كل شيء. أعتقد أن 'سارة' هي ابنة عم 'ليلى'، وهي التي تواصلت معي. تبدو متحمسة جداً."

"الحماس شيء، والكفاءة شيء آخر. فلنرى ما ستقدمانه."

في هذه الأثناء، كانت "ليلى" و"سارة" تتجهان إلى مكتب "أحمد الهاشمي" في سيارة "سارة". كانت "سارة" تشرح بحماس، بينما كانت "ليلى" تستمع، وتشعر بقلبها يخفق بقوة.

"تذكري يا ليلى، إن 'أحمد الهاشمي' رجل أعمال معروف. يعشق التفاصيل. لذلك، يجب أن نكون مستعدين لأي سؤال."

"هل تعتقدين أنه سيكون ودوداً؟" سألت "ليلى" بقلق.

"أظن ذلك. على الأقل، لقد أبدى اهتماماً كبيراً عندما تحدثت معه. ولكنه ليس شخصاً يعبث. أريدنا أن نقدم أفضل ما لدينا."

عندما وصلتا إلى برج "أحمد الهاشمي"، انتابت "ليلى" رهبة خفيفة. المبنى شاهق، والفخامة فيه واضحة. استقبلتهما السكرتيرة بابتسامة مهنية، وأخذتهما إلى غرفة الاجتماعات.

دخلت "ليلى" و"سارة" الغرفة، ليفاجآ بوجود رجلين، أحدهما شاب، وسيم، ذو نظرة ثاقبة، والآخر رجل كبير السن، ذو هيبة.

"أهلاً بكما." قال الشاب بابتسامة هادئة. "أنا أحمد الهاشمي، وهذه ابنة عمي، 'سارة'. والسيد 'خالد'."

"أهلاً بك يا سيدي." ردت "سارة" بثقة. "وهذه صديقتي، وشريكتي في التصميم، 'ليلى'."

تبادلت "ليلى" و"أحمد" نظرات سريعة. في تلك اللحظة، شعرت "ليلى" بتيار كهربائي خفيف يمر في جسدها. كان "أحمد" أكثر وسامة مما تخيلت، وكان لديه هالة قوية تجذب الانتباه.

"أهلاً بكِ يا 'ليلى'." قال "أحمد" وهو ينظر إليها مباشرة. "سمعت الكثير عن إبداعاتكِ."

"شكراً لك يا سيدي. ويسعدني أن ألتقي بك." قالت "ليلى" بصوت واثق، تحاول أن تخفي توترها.

بدأت "سارة" بتقديم عرض تقديمي مفصل عن المشروع، مستخدمةً رسومات وصوراً رائعة لأزيائهما. كان "أحمد" و"خالد" يستمعان بانتباه، ويطرحان أسئلة ذكية وعميقة.

"ما الذي يميز تصميماتكِ عن غيرها؟" سأل "خالد".

"نحن نركز على إبراز جمال الثقافة العربية الأصيلة، باستخدام أقمشة طبيعية، وتطريزات يدوية، مع لمسة من الأناقة العصرية التي تناسب المرأة في الوقت الحالي." أجابت "ليلى"، بصوت هادئ ولكن قوي.

"وما هي رؤيتكما المستقبلية لهذا المشروع؟" سأل "أحمد".

"نطمح لأن نصبح علامة تجارية رائدة في مجال الأزياء التقليدية، مع الحفاظ على قيمنا وأصالتنا." ردت "سارة".

استمر الاجتماع لمدة ساعة، كل سؤال كان يولد المزيد من النقاش. "ليلى" شعرت بالثقة تتزايد مع كل إجابة تقدمها. لقد كانت تفهم ما تتحدث عنه، وكان شغفها يظهر بوضوح.

في نهاية الاجتماع، قال "أحمد": "لقد أعجبتنا كثيراً برؤيتكما، وبطموحكما. سنقرر خلال الأيام القليلة القادمة. ولكن، أريد أن أقول لكم، إنني أرى في تصميماتكِ لمسة خاصة، لمسة قادرة على جذب انتباه العالم."

"شكراً لك يا سيدي." قالت "ليلى" بامتنان.

"أتمنى أن نتمكن من العمل معاً." أضاف "خالد" بابتسامة.

بعد أن ودعت "ليلى" و"سارة"، جلس "أحمد" و"خالد" في المكتب.

"ما رأيك يا أبي؟" سأل "أحمد".

"الفتاة الأولى، 'سارة'، تبدو طموحة ومنظمة. والفتاة الثانية، 'ليلى'، تبدو موهوبة ولديها رؤية واضحة. ولكن، لاحظت شيئاً."

"ما هو؟"

"نظرتها. كانت تتجنب النظر إليك مباشرة في بعض الأحيان. هل تعتقد أن هناك ما تخفيه؟"

"ربما مجرد خجل، يا أبي. لقد ذكرت 'سارة' أنها ابنة خال والدي. ربما هناك معرفة سابقة."

"يجب أن نتحقق من ذلك. لا أريد أي تعقيدات. هذه فرصة كبيرة، وأريد أن تكون خالية من الشوائب."

خرجت "ليلى" و"سارة" من المبنى، والشمس تغرب. كانت "ليلى" تشعر بسعادة غامرة، ممزوجة بقليل من القلق. لقد أظهرت ما لديها، ولكن المستقبل كان لا يزال غامضاً.

"لقد أبدعتِ يا ليلى!" قالت "سارة" وهي تحتضنها. "لقد كنتِ رائعة."

"شكراً لكِ يا سارة. لولاكِ، ما وصلت إلى هنا."

"بل أنتِ من يستحق. لقد رأيت كيف كان 'أحمد' ينظر إليكِ. أعتقد أن هناك شيئاً ما."

"لا تدعي الخيال يسبق الواقع يا سارة." قالت "ليلى" وهي تبتسم، ولكن قلبها كان يخفق بشدة، متذكراً نظرة "أحمد" الثاقبة.

في طريق العودة، كانت "ليلى" تفكر في المستقبل. في المشروع، وفي "أحمد الهاشمي"، وفي تلك النظرة التي بدت وكأنها تحمل ألف قصة. كان الظل الذي كان يرافقها منذ رحيل والدها، بدأ يتلاشى قليلاً، ليحل محله بريق أمل جديد، ولكن مع هذا الأمل، كان هناك أيضاً شبح ظلال، يتساءل عن حقيقة ما قد يحمله الغد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%