حب من نظرة الجزء الثالث
بين وهم الدنيا وطاعة الرحمن
بقلم مريم الحسن
كانت ليالي شهرزاد تئن تحت وطأة الهموم. سارة، التي طالما عرفت بصلابتها ورزانة عقلها، باتت أسيرة هاجسٍ أثقل كاهلها. ذلك الهاتف، الذي كان وسيلة للتواصل، قد انقلب إلى قيدٍ خفيٍّ يشدها إلى عالمٍ من الصور والكلمات المتسللة، عالمٌ يفتقر إلى النقاء الذي تنشده روحها. كل نقرة على الشاشة، كل إشعارٍ يظهر، كانت أشبه بخنجرٍ يغرس في قلبها، يمزق ستائر العفة التي نسجتها بحرصٍ شديد.
في البداية، كانت مجرد فضولٍ بريء، استكشافٌ لعالمٍ بدت ألوانه زاهيةً وجذابة. كانت تتصفح صورًا لأناسٍ يبتسمون، يتشاركون لحظاتٍ تبدو سعيدة، ويتحدثون عن أحلامٍ ورغباتٍ بدا للوهلة الأولى أنها مشروعة. لكن سرعان ما انزلقت قدماها في دروبٍ مظلمة، حيث تتوارى الحقائق خلف قناعٍ براق. الكلمات الرنانة، والوعود الزائفة، والصور الفاتنة، بدأت تتسلل إلى وجدانها، تزرع فيها بذور الشك في كل ما حولها.
كانت تجلس وحيدةً في غرفتها، بينما يغفو والدها النائم، وترتب أختها الصغيرة خديجة ألعابها، وتتلو والدتها آياتٍ من كتاب الله بخشوعٍ. في هذه اللحظات، كان هاتفها يضيء، ساحبًا إياها إلى عالمٍ آخر. كانت تقارن بين حياتها الهادئة، المفعمة بالحب العائلي والدفء، وبين ما تراه على شاشة الهاتف من حياةٍ صاخبة، مليئةٍ بالمغامرات والرفاهية، ولكنها في جوهرها فارغة.
بدأت الأرق ينهشها. ساعاتٌ طويلةٌ تمضي وهي تتنقل بين التطبيقات، تبحث عن ما لا تعرفه، تسعى إلى إشباع فراغٍ داخليٍ يزداد اتساعًا. النوم لم يعد مريحًا، والأحلام أصبحت مشوشة، تحمل صورًا ورسائلٍ تحمل عبقًا غريبًا، فيه مزيجٌ من الإغراء والتيه. استيقظت في أحد الأيام لتجد عينها محاطتين بهالاتٍ سوداء، وجهها شاحبٌ، ونظراتها زائغة.
والدها، الشيخ أحمد، لاحظ التغير. كان رجلاً ذا بصيرةٍ نافذة، وقلبٍ كبير، وعينٍ لا تغفل عن أبنائها. رأى في عيني سارة بريقًا غريبًا، ولمعانًا لا يشبه طبيعتها الهادئة. رأى ابتعادها عن مجالس العائلة، وقلة حديثها، وتركيزها المستمر على ذلك الجهاز الصغير. حاول مرارًا التحدث إليها، لكنها كانت تراوغه بكلماتٍ عامة، وتتهرب من الأسئلة المباشرة. "كل شيءٍ على ما يرام يا أبي، أنا فقط متعبةٌ قليلاً." كانت هذه إجابتها الدائمة.
في أحد الأيام، بينما كانت سارة تتصفح الإنترنت، وقع بصرها على إعلانٍ يروج لدورةٍ تدريبيةٍ في التصميم الجرافيكي، لكنها لم تكن مجرد دورةٍ عادية. كان الإعلان يعد بـ "إطلاق العنان للإبداع"، و"تحقيق الأحلام"، و"الانضمام إلى مجتمعٍ عالميٍ من الفنانين". انطبعت تلك الكلمات في ذهنها، وأيقظت فيها رغبةً دفينةً كانت قد خمدت تحت رماد الحياة اليومية. كانت سارة تحلم دائمًا بأن تكون فنانةً، أن ترسم لوحاتٍ تعبر عن مشاعرها، أن تخلق عوالمًا بألوانها. لكن ظروف الحياة، وتربية والدها المتدينة، جعلتها تبتعد عن هذا المسار، وتختار طريقًا أكثر أمانًا وعملية.
بدأت تتراسل مع المشرفين على الدورة، وفوجئت بالاستجابة السريعة والاحترافية. كانوا يتحدثون لغتها، لغة الأحلام والطموح. وعرضوا عليها خطةً تعليميةً تتناسب مع قدراتها، ووعدوها بالدعم والتوجيه. كان الأمر أشبه بأن يجد العطشان ماءً بعد طول صحراء. لكن ما لم تدركه سارة، أن هذا الماء قد يكون مسمومًا.
بدأت الدورة، وكان المنظمون يحرصون على خلق جوٍ حميميٍ بين المتدربين. استخدموا مجموعاتٍ للتواصل عبر الإنترنت، حيث يتبادل الطلاب أعمالهم، ويقدمون ملاحظاتهم، ويتشاركون أفكارهم. كان هناك شابٌ اسمه "سامي"، من منطقةٍ بعيدة، يبدو أنه يتمتع بموهبةٍ كبيرةٍ في التصميم. كانت أعماله دائمًا مميزة، وأفكاره جريئة. بدأ يتواصل مع سارة بشكلٍ خاص، يثني على أعمالها، ويشجعها على تطوير أسلوبها.
في البداية، كانت محادثاتهما فنيةً بحتة، يدور حول الألوان، والخطوط، والتكوينات. لكن شيئًا فشيئًا، بدأت المحادثات تتخذ منحىً شخصيًا. كان سامي يتحدث عن حياته، عن تطلعاته، وعن شعوره بالوحدة أحيانًا. كانت سارة تجد نفسها تفتح قلبها له، تشاركه همومها، وتتحدث عن أحلامها التي كانت تخفيها عن الجميع.
في إحدى الليالي، بعد جلسةٍ طويلةٍ من النقاش حول مشروعٍ مشترك، أرسل لها سامي رسالةً خاصة: "لقد أصبحتِ جزءًا مهمًا من حياتي يا سارة. أجد فيكِ شيئًا نادرًا، نقاءً وجمالًا نادرًا." ارتعشت يدا سارة وهي تقرأ الكلمات. لم تسمع مثل هذه الكلمات من قبل، إلا من والدها أو والدتها. كانت هذه الكلمات تحمل وعدًا بشيءٍ مختلف، بشيءٍ يبدو دافئًا ومريحًا.
بدأت تشعر بمشاعرٍ جديدةٍ تتسلل إلى قلبها. إعجابٌ متزايدٌ بسامي، وتوقٌ دائمٌ لقراءة رسائله. بدأت تقارن بينه وبين الفتى الذي تقدم لخطبتها، الشاب المتدين، والخجول، الذي تحدث مع والدها. كان سامي مختلفًا تمامًا. كان واثقًا من نفسه، جريئًا، وعيناه تحملان بريقًا لا تخطئه العين.
لكن الخوف كان يراودها. كانت تعرف جيدًا تعاليم دينها، وأخلاق أهلها. كانت تعرف أن ما تشعر به تجاه سامي، وما تتبادله معه من كلماتٍ، ليس هو الطريق الصحيح. كانت ترى في عين والدها النصح دائمًا، وفي كلام والدتها التذكير بالتقوى. كيف لها أن تخون ثقتهم؟ كيف لها أن تبتعد عن الطريق الذي رسموه لها؟
في كل مرةٍ كانت تقرر فيها أن تتوقف، أن تقطع هذا التواصل، كانت تعود إليه. كان سامي يرسل لها رسالةً لطيفة، أو يشاركها قطعةً فنيةً رائعة، فتذوب صلابتها، وتضعف عزيمتها. كانت تقول لنفسها: "إنها مجرد صداقة، صداقةٌ فنيةٌ لا أكثر." لكن قلبها كان يعلم أنها تكذب على نفسها.
تدهور وضعها الدراسي بشكلٍ ملحوظ. كانت تغفو أثناء المحاضرات، وتنسى الواجبات، ودرجاتها بدأت تتراجع. والدها حاول التحدث إليها مرةً أخرى، ولكنه وجد في عينها إصرارًا غريبًا على إخفاء حقيقتها. "يا ابنتي، هل أنتِ متأكدةٌ أن كل شيءٍ على ما يرام؟ أرى فيكِ قلقًا لا يليق بكِ."
نظرت سارة إلى وجه والدها، ورأت فيه تلك الحنان المعهود، والاهتمام الصادق. شعرت بوخزةٍ في ضميرها. لكنها سرعان ما عادت إلى هاتفها، إلى عالمها السري، حيث وجدت تلك الكلمات التي تمنحها شعورًا بالرضا المؤقت، وتشعرها بأنها مرغوبةٌ ومفهومة.
كانت تقف على مفترق طرقٍ خطير. طريقٌ واحدٌ يؤدي إلى بر الأمان، حيث الأهل، والدين، والحب الحلال. والطريق الآخر، مظلمٌ ومليءٌ بالوهم، حيث الوحدة، والضياع، والتيه. كانت تدرك أنها تضيع، لكنها لم تجد القوة الكافية لتتوقف. كانت أدغال الرغبة والفراغ قد أحاطت بها، وبدأت تلتهمها ببطء.
في تلك الليلة، بينما كانت تتحدث مع سامي، سألته سؤالاً لم تكن تنوي طرحه: "هل أنت سعيدٌ في حياتك يا سامي؟" صمت سامي لبرهة، ثم أجاب بصوتٍ يعتصره الألم: "السعادة شيءٌ لا أعرفه، سارة. لقد بحثت عنها كثيرًا، ولكنني لم أجدها."
كانت هذه الإجابة بمثابة جرس إنذارٍ قويٍ لسارة. لقد بدأت ترى أن هذا العالم الذي كانت تسعى إليه، ليس بالبراءة التي تخيلتها. وأن هذا الشاب الذي أسرتها كلماته، يعاني هو الآخر من ألمٍ عميق. بدأ الشك يتسرب إلى قلبها، ويؤثر على قرارها. هل تستحق هذه المشاعر، وهذا الارتباط، أن تخسر به كل شيء؟