حب من نظرة الجزء الثالث
قيدٌ من نورٍ وحبلٌ من وهم
بقلم مريم الحسن
استمرت سارة في غيها، والغفلة عن حقيقة ما تفعله. كانت تقضي جل وقتها في التواصل مع سامي، وتارةً مع مجموعات التصميم، وبذلك أهملت دراستها، وأهملت أسرتها، وأهملت نفسها. كانت تعيش حياةً مزدوجة، حياةٌ حقيقيةٌ باهتةٌ في نظرها، وحياةٌ افتراضيةٌ براقةٌ في خيالها.
كانت والدتها، السيدة فاطمة، تشعر بالقلق الشديد تجاه ابنتها. كانت تراها شاردة الذهن، شاحبة الوجه، وعيناها زائغتان. حاولت مرارًا التحدث معها، ولكن سارة كانت تبدي انزعاجًا وتتهرب من الحديث. "يا أمي، أنا بخير، فقط بعض الضغوط في الدراسة." كانت هذه العبارة تتردد على مسامع والدتها كصدىً لألمٍ عميق.
في أحد الأيام، بينما كانت سارة تتصفح هاتفها في غرفتها، جاءتها رسالةٌ من سامي، يطلب فيها منها تفاصيل دقيقة حول مشروعٍ فنيٍ مشترك، وكان يتضمن جزءًا من تصميمه الخاص الذي وصفه بالـ "حساس". سألها عن توقيتها، وما إذا كانت متاحةً للتحدث عبر الفيديو. تردد سارة، لكن إصرار سامي، وشعورها بالفضول، دفعاها للموافقة.
فتحت سارة كاميرا حاسوبها، وجلس سامي أمام شاشةٍ مضيئة. كان يبدو جذابًا، شابٌ في أواخر العشرينات، شعره أسودٌ فاحم، وعيناه بنيتان لامعتان، فيهما خليطٌ من الجرأة والاندفاع. بدأ يتحدث عن المشروع، وعن التفاصيل التقنية، ثم تحول الحديث فجأةً إلى أمورٍ شخصية. "سارة، لقد أصبحتِ أكثر من مجرد زميلةٍ لي في هذه الدورة. لقد أصبحتِ مقربةً جدًا من قلبي. أجد فيكِ روحًا تشبه روحي، وجمالًا يسلب الألباب."
كانت كلمات سامي تنساب كالعسل على أذن سارة، لكنها كانت تشعر بخوفٍ عميق. كانت تعرف أن هذا هو الطريق الذي يقود إلى الهلاك. لكنها لم تستطع كبح جماح مشاعرها. بدأت تراسله في أوقاتٍ متأخرةٍ من الليل، وتطيل الحديث معه، وتشاركه أفكارها ومشاعرها.
في تلك الأثناء، كان الفتى الذي تقدم لخطبة سارة، يوسف، يشعر بالحيرة. لقد تحدث إلى والدها، الشيخ أحمد، وأبدى إعجابه الشديد بسارة، ورغبته في الزواج منها. لكنه لم يتلقَ أي ردٍ واضحٍ من سارة. كان الشيخ أحمد قد أخبره أن سارة تحتاج بعض الوقت للتفكير، وأنها تمر بفترةٍ صعبة. يوسف، الشاب الصبور، والخلوق، كان ينتظر بصبرٍ، لكن قلبه كان يعتصر شوقًا.
في أحد الأيام، قررت السيدة فاطمة أن تتحدث إلى سارة بجدية. جلست معها في غرفتها، وأمسكت بيدها وقالت: "يا ابنتي، إنني أرى في عينيكِ حزنًا عميقًا، وقلقًا لا ينتهي. هل هناك ما يزعجكِ؟ هل هناك ما يخطر ببالكِ؟"
تأثرت سارة بكلام والدتها، لكنها لم تستطع أن تفصح عن كل شيء. كانت تعرف أن خطيئةً قد بدأت تتشكل في قلبها، وأنها قد تخجل من الاعتراف بها. "لا شيء يا أمي، فقط بعض مشاكل الدراسة."
لم تقتنع السيدة فاطمة، وشعرت أن ابنتها تخفي عنها شيئًا. في تلك الليلة، بينما كانت سارة نائمة، تسللت السيدة فاطمة إلى غرفة ابنتها، وأخذت هاتفها بحذرٍ شديد. فتحته، وكان رمز الحماية سهلًا. بدأت تقلب في الرسائل، وفي سجل المكالمات، وفي التطبيقات.
وعندما رأت حجم المحادثات بين سارة وسامي، وكلمات الغزل المتبادلة، والمشاعر التي بدأت تتكشف، أصيبت بصدمةٍ قاسية. لم تتخيل يومًا أن ابنتها، التي ربتها على الحشمة والعفاف، يمكن أن تسقط في مثل هذا المستنقع. شعرت بالحزن العميق، والألم، والخيبة.
في صباح اليوم التالي، واجهت السيدة فاطمة ابنتها. كانت نبرتها هادئة، لكن عينيها كانتا مليئتين بالحزن. "سارة، لقد رأيتُ هاتفكِ بالأمس. رأيتُ كل شيء."
ارتعشت سارة، واحمر وجهها خجلًا. بدأت دموعها تنهمر، واعترفت لوالدتها بكل شيء. تحدثت عن إعجابها بسامي، وعن الكلمات الرنانة التي ألقاها على مسامعها، وعن فراغها الداخلي الذي كانت تسعى لملئه.
جلست السيدة فاطمة بجانب ابنتها، وضمتها إلى صدرها، وقالت: "يا ابنتي، إن الشيطان يزين لنا الشر، ويجعلنا نرى فيه خيرًا. لقد ابتعدتِ عن الطريق الصحيح، وعن رضا الله. ولكن ما دام قلبكِ ينبض، وما دامت الروح فيكِ، فباب التوبة مفتوحٌ دائمًا."
كانت كلمات والدتها بلسمًا شافيًا لجروح سارة. شعرت بالندم العميق، وبأنها قد أسأت إلى نفسها، وإلى أسرتها، وإلى ربها. قررت سارة أن تقطع علاقتها بسامي بشكلٍ نهائي. أرسلت إليه رسالةً أخيرة، تعتذر فيها عن كل شيء، وتخبره بأنها لم تعد تستطيع الاستمرار في هذه العلاقة، وأنها تسعى للرجوع إلى الله.
لم يرد سامي على رسالتها، بل قام بحظرها من جميع وسائل التواصل. شعرت سارة بالحزن، لكنها لم تندم على قرارها. كانت تعرف أنها فعلت الصواب.
في الأيام التالية، حاولت سارة إصلاح ما أفسدته. بدأت تعوض ما فاتها في دراستها، وحاولت أن تكون أكثر قربًا من أسرتها. لكنها كانت تشعر بفراغٍ كبيرٍ في قلبها. لقد اعتادت على تلك الرسائل، وعلى تلك الكلمات الرنانة، وعلى ذلك الشعور بأنها مرغوبة.
كانت تقضي وقتها في الصلاة، وقراءة القرآن، ومحاولة تقوية علاقتها بربها. لكنها كانت تشعر بأنها ما زالت ضعيفة، وأن إغراءات الدنيا لا تزال قريبة.
في إحدى الليالي، بينما كانت سارة تتوضأ لصلاة العشاء، سمعت صوتًا من خارج غرفتها. كان صوت والدها، يتحدث بهدوءٍ مع أحدهم. اقتربت بحذرٍ، لتسمع والدها يقول: "نعم يا بني، إنها فتاةٌ صالحة، وأخلاقها عالية، ولكنها مرت ببعض الظروف الصعبة مؤخرًا. أرجو أن تتفهم ذلك."
شعرت سارة بالارتباك. من هذا الشاب الذي يتحدث عنه والدها؟ ومن هي "الفتاة الصالحة" التي يتحدث عنها؟