حب من نظرة الجزء الثالث

شرخٌ في جدار الصبر

بقلم مريم الحسن

تسللت سارة إلى غرفة والدها، ورأت الشيخ أحمد جالسًا مع رجلٍ لا تعرفه. كان الرجل في أواخر الأربعينات، رجلٌ ذو هيبةٍ ووقار، وجهه طيبٌ وسحنته سمحة. إلى جانبه، كان يجلس شابٌ نحيلٌ، يرتدي ملابس بسيطة، لكن عينيه كانتا تحملان نظرةً ذكيةً هادئة. شعرت سارة بأنها قد اقتحمت عالمًا لا تعنيه، لكن الفضول دفعها للبقاء.

تبادل والدها التحيات مع ضيفه، ثم قال موجهًا كلامه للشاب: "هذه ابنتي سارة، وهي التي تحدثت عنها."

احمر وجه سارة من الخجل، وقدمت تحيةً مختصرة. رد الشاب بتحيةٍ ألطف، ثم أعاد نظره إلى والدها.

أكمل الشيخ أحمد كلامه، موجهًا حديثه للضيف: "يا أبا الحسن، لقد تحدثتُ معك عن سارة، ورغبتها في إكمال تعليمها. لقد كانت لديها أحلامٌ وطموحاتٌ كبيرة، ولكن بعض الظروف حالت دون تحقيقها. الآن، وبعد أن استقرت أمورها، أرى أن الفرصة قد تكون مناسبة."

كانت كلمات والدها تشبه صواعق الزلزال في أذن سارة. هل يتحدث والدها عن زواجٍ؟ أهذه هي القصة؟ لقد كانت تعتقد أن حياتها ستعود إلى طبيعتها، إلى الدراسة، والعمل، والعبادة.

رد أبو الحسن بابتسامةٍ دافئة: "بارك الله فيك يا شيخ أحمد. لقد سمعتُ عن ابنتك الكثير، وعن أخلاقها العالية. وأنا واثقٌ من أنها ستكون نعم الزوجة لابني."

الشاب، والذي يبدو أنه اسمه "يوسف"، كان صامتًا، لكن نظراته كانت تنبعث منها مشاعرٌ متناقضة. يبدو أن لديه مشاعرٌ تجاه سارة، ولكنه خائفٌ أيضًا.

بعد لحظاتٍ من الصمت، قال يوسف بصوتٍ خفيض: "يا عمي، لقد سمعتُ عن الظروف التي مرت بها سارة. وأنا أرجو أن تتفهم أنني قد لا أكون الشخص المناسب لها. لقد كنتُ أبحث عن فتاةٍ تشاركني اهتماماتي، وتفهمني."

كانت كلمات يوسف بمثابة سهامٍ اخترقت قلب سارة. هل يعتبرها شخصًا لا يفهمها؟ هل يشك في قدرتها على فهمه؟ لقد ظنت أنها قد وجدت فرصةً جديدة، ولكن يبدو أن الأمر معقدٌ أكثر مما تخيلت.

خرجت سارة من الغرفة، وشعرت بالإحباط. عادت إلى غرفتها، وبدأت تفكر فيما حدث. لقد كان يوسف شابًا خجولًا، ولكنه بدا ذكيًا وهادئًا. كان يختلف تمامًا عن سامي. لكن هذه الاختلافات، يبدو أنها كانت أكبر من أن يتغلب عليها.

في الأيام التالية، حاولت سارة أن تفهم ما يدور. كان الشيخ أحمد يتحدث مع يوسف وأبو الحسن في أمورٍ تتعلق بتكاليف الدراسة، والمكان الذي ستقيم فيه سارة، وعقد الزواج. كانت سارة تتجنب الحديث معهم، وتشعر بأنها غريبةٌ في هذا العالم.

في إحدى الأمسيات، جاءت السيدة فاطمة إلى غرفة سارة، وجلست بجانبها. "يا ابنتي، أرى فيكِ حيرةً وقلقًا. هل أنتِ مستعدةٌ لهذه الخطوة؟"

نظرت سارة إلى والدتها، وقالت بصدق: "أمي، لا أدري. لقد تبتُ إلى الله، وأريد أن أعيش حياةً صالحة. ولكنني أشعر بأنني ما زلتُ ضعيفة. وأخشى أن أكون عبئًا على يوسف."

ابتسمت السيدة فاطمة وقالت: "يا ابنتي، لا أحد يولد قويًا. القوة تأتي من خلال التجارب، ومن خلال الإيمان. ويوسف، كما رأيتِ، هو شابٌ طيبٌ وصابر. ربما يكون هو الشخص الذي سيساعدكِ على تجاوز ضعفك."

بعد ذلك، بدأت سارة تتحدث مع يوسف. في البداية، كانت المحادثات رسميةً وخجولة. كانت تتحدث عن دراستها، وعن اهتمامها ببعض الكتب. وكان يوسف يتحدث عن عمله، وعن اهتمامه بالثقافة والتاريخ.

شيئًا فشيئًا، بدأت تظهر بينهما بعض النقاط المشتركة. اكتشفت سارة أن يوسف يهتم بالشعر القديم، وأن لديه موهبةً في الكتابة. وكان يوسف يكتشف أن سارة تتمتع بذكاءٍ حاد، وفهمٍ عميقٍ للأمور.

في أحد الأيام، سألها يوسف عن الظروف التي مرت بها. ترددت سارة، لكنها شعرت بأن يوسف يستحق أن يعرف الحقيقة. روت له قصة سامي، وقصة ضياعها. استمع يوسف بصبرٍ، ولم يبدِ أي تعليقٍ سلبي. عندما انتهت سارة من الكلام، قال لها بصوتٍ هادئ: "لا تقلقي يا سارة. لقد وقعتِ في فخٍ، ولكن الأهم هو أنكِ خرجتِ منه. والآن، يمكنكِ أن تبدئي صفحةً جديدة."

كانت كلماته مؤثرةً جدًا لسارة. شعرت بأنها قد وجدت شخصًا يفهمها، شخصًا لا يحكم عليها. بدأت مشاعر الود والاحترام تتبلور بينهما.

ومع ذلك، كان هناك شيءٌ ما يزعج سارة. كانت لا تزال تشعر ببعض الشك، وبعض الخوف. هل هي حقًا مستعدةٌ لهذه الخطوة؟ هل يمكنها أن تبدأ حياةً جديدةً مع هذا الشاب؟

في أحد الأيام، قرأت سارة خبرًا عن معرضٍ فنيٍ كبيرٍ سيقام في المدينة. شعرت برغبةٍ قويةٍ في الذهاب، ولكنها لم تجرؤ على أن تطلب من يوسف.

عندما لاحظ يوسف اهتمامها، قال لها: "سمعتُ عن هذا المعرض. هل تودين الذهاب؟ يمكننا أن نذهب معًا."

شعر قلب سارة بالسعادة. لقد كان يوسف يتفهم رغباتها، حتى دون أن تنطق بها.

ذهبا معًا إلى المعرض. كانت لوحاتٌ رائعة، وألوانٌ متناغمة. استمتعت سارة بكل لحظة. كان يوسف يتحدث معها عن تاريخ الفن، وعن أشهر الفنانين. وبدأت سارة تشعر بالراحة والأمان إلى جانبه.

في نهاية المعرض، بينما كانا عائدين، قال يوسف: "سارة، أنا سعيدٌ جدًا بأنني التقيت بكِ. لقد وجدتُ فيكِ شيئًا نادرًا. روحًا طيبةً، وقلبًا نقيًا."

ابتسمت سارة، وشعرت بأنها قد بدأت تذوب جليد الخوف في قلبها. ربما يكون يوسف هو الرجل المناسب لها. ربما يكون هو السند الذي تحتاجه.

لكن في تلك اللحظة، بينما كانا يسيران في الشارع، رأى أحدهم سارة. كان سامي.

كان يقف على الرصيف المقابل، ينظر إليها بعينين مليئتين بالغضب والاستياء. شعرت سارة بالرعب، وكأنها قد عادت إلى الماضي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%