حب من نظرة الجزء الثالث

عودة الروح إلى العيون

بقلم مريم الحسن

استقبلتْ "نور" خبرَ عودةِ "أنس" بخليطٍ منَ الابتهاجِ والقلقِ. الابتهاجُ لِما فيهِ منْ رجاءِ لقاءٍ قريبٍ، ولِما فيهِ منْ طمأنينةٍ لِقلبِ والدتِها التي باتتْ تتقيأُ اسمها كلَّ صباحٍ. والقلقُ لِأنَّ الأيامَ تمضي، والوعدُ ما زالَ معلقاً، ولِأنَّها تعلمُ جيداً أنَّ مسافةَ الأشهرِ التي فصلتْ بينهما لمْ تكنْ مجردَ أرقامٍ في تقويمٍ، بلْ هيَ جبالٌ منَ الصمتِ وأنهارٌ منَ التساؤلاتِ.

جلستْ في غرفتِها، تُقلِّبُ في صورِ قديمةٍ على هاتفِها. صورٌ لِأنسٍ وهوَ مبتسمٌ، صورٌ لِهمَا معاً في مناسباتٍ عائليةٍ، صورٌ حملتْ عبقَ ماضٍ جميلٍ، لكنَّها اليومَ بدتْ كأنَّها شواهدُ على حقبةٍ غابرةٍ. تنهدتْ بعمقٍ، محاولةً أنْ تُزيحَ عنْ صدرِها ثقلَ الأفكارِ المتزاحمةِ. هلْ سيتغيرُ شيءٌ؟ هلْ ستكونُ الأيامُ القادمةُ مختلفةً عنْ سابقاتِها؟

في ذاتِ الوقتِ، كانَ "أنس" يغادرُ مطارَ القاهرةِ، قلبُهُ يخفقُ بشدةٍ. عادَ، ولكنهُ عادَ بغموضٍ يلفُّ خطواتِهِ. لمْ يكنْ يعلمُ كيفَ سيُقابلُ "نور". هلْ ستسامحُهُ على غيابِهِ الطويلِ؟ هلْ ستُصدقُ الأعذارَ التي نسجتْها روحُهُ منْ خيوطِ الندمِ؟ لقدْ كانَ رحيلُهُ بلا وداعٍ، وكأنَّهُ شبحٌ اختفى بينَ الضبابِ.

كانَ لقاءُ والدتِهِ لهُ وقعٌ خاصٌّ. حضنٌ طويلٌ، دموعٌ امتزجتْ فيها فرحةُ اللقاءِ بألمِ الفراقِ. "أهلاً بعودتِكَ يا ولدي، قلبي ما اطمأنَّ إلا بكَ." قالتْها بصوتٍ مختنقٍ، تودُّ لوْ أنها تستطيعُ أنْ تُغوصَ في عينيْهِ لِتقرأَ ما استقرَّ فيهِ منْ أحوالٍ.

في اليومِ التالي، وقبلَ أنْ تتمكنَ "نور" منْ ترتيبِ أفكارِها، تلقتْ اتصالاً. كانَ الرقمَ غريباً، لكنَّ الصوتَ الذي سمعتْهُ جعلَ دماءَها تتجمدُ للحظةٍ ثمَّ تندفعُ بشدةٍ. "السلامُ عليكمْ، هلْ أتكلمُ معَ الآنسةِ نور؟" صوتٌ هادئٌ، لكنَّ فيهِ وقعٌ حميمٌ. "نعم، أنا نور." أجابتْ بصوتٍ مرتجفٍ. "نور، إنَّهُ أنا، أنس."

كانَ صوتُهُ قدْ تغيرَ قليلاً، ولكنهُ ما زالَ يحملُ نفسَ اللحنِ الذي عرفتْهُ. شعرتْ بقلبِها يكادُ يقفزُ منْ صدرِها. "أنس...؟" قالتْها بصيغةِ تعجبٍ واستفهامٍ. "نعم، أنا. أردتُ أنْ أتصلَ بكِ شخصياً. هلْ يمكنُ أنْ نلتقي؟"

ترددتْ "نور" للحظةٍ. هلْ هذا حقيقيٌّ؟ هلْ أصبحَ اللقاءُ ممكناً؟ لمْ تستطعْ أنْ تُقاومَ الرغبةَ الملحةَ في رؤيتِهِ. "أينَ ومتى؟" سألتْ بصوتٍ هادئٍ، تحاولُ أنْ تُخفيَ اضطرابَها.

اقترحَ "أنس" مكاناً هادئاً، مقهىً بعيداً عنْ صخبِ المدينةِ، في طرفِ المدينةِ حيثُ يلتقي الخضارُ بالسماءِ. وافقتْ "نور" وهيَ تشعرُ بأنَّ خيوطَ القدرِ بدأتْ تُنسجُ منْ جديدٍ.

في بيتِ "أنس"، كانَ والدهُ يُتابعُ أخبارَ ابنِهِ بقلقٍ. لقدْ كانَ يعلمُ بحجمِ الأزمةِ التي مرَّ بها، وبحجمِ الوعودِ التي قطعتْها "نور" لعائلتِها. "يا بني، أخشى أنْ تكونَ هذهِ العودةُ قدْ أتتْ متأخرةً." قالَ لهُ والدهُ بنبرةٍ تحملُ الحكمةَ والقلقَ.

"أعلمُ يا أبي، ولكنَّني سأحاولُ. سأُصلحُ ما أفسدتُ. لقدْ تعلمتُ الكثيرَ في غيابِي. تعلمتُ معنى الندمِ، ومعنى القيمةِ الحقيقيةِ للأشياءِ."

في تلكَ الأثناءِ، كانتْ "أميمة" تُتابعُ أخبارَ "أنس" منْ خلالِ تواصلِها معَ والدتِهِ. شعرتْ بفرحةٍ لا تُوصفُ، ولكنَّ هذهِ الفرحةَ لمْ تخلوْ منْ حسرةٍ. لقدْ أدركتْ أنَّ الطريقَ إلى قلبِ "أنس" أصبحَ أكثرَ تعقيداً. لقدْ كانتْ تُكنُّ لهُ مشاعرَ عميقةً، ولكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ قلبَهُ معلَّقٌ بـ "نور".

"هلْ سمعتِ؟ عادَ أنسٌ." قالتْ "أميمة" لصديقتِها "سارة" وهيَ تُحاولُ أنْ تُخفيَ خيبةَ أملِها. "نعم، سمعتُ. لقدْ كانَ خبراً جميلاً. أتمنى أنْ تتحسنَ الأمورُ بينَهُ وبينَ نور." ردتْ "سارة" بنبرةٍ خاليةٍ منَ العاطفةِ، وكأنَّها تُرددُ كلماتٍ محفوظةً.

كانتْ "أميمة" تعلمُ أنَّ "سارة" لا تهتمُّ بالأمرِ إلا قليلاً، ولكنَّها لمْ تستطعْ أنْ تجدَ في حديثِها ما يُطمئنُ قلبَها. لقدْ كانتْ تخشى أنْ يُعيدَ التاريخُ نفسَهُ، وأنْ تُصبحَ "نور" مرةً أخرى ضحيةً لِظروفٍ خارجةٍ عنْ إرادتِها.

ارتدتْ "نور" ثوبَها الأزرقَ السماويَّ، زينتْ شعرَها بِوشاحٍ حريريٍّ، ووضعتْ لمسةً خفيفةً منَ العطرِ. كانتْ تتزينُ لِلقاءٍ لمْ تكنْ تعلمُ ما الذي سيحملُهُ لها. أمسكتْ حقيبتَها، ونظرتْ إلى المرآةِ. رأتْ في عينيْها انعكاسَ شوقٍ قديمٍ، وأملاً جديداً.

خرجتْ منْ بيتِها، بخطواتٍ مترددةٍ، ولكنَّها ثابتةٌ. كانتْ الشمسُ قدْ بدأتْ تميلُ نحو الغروبِ، تُلقي بظلالِها الطويلةِ على الأرصفةِ. شعرتْ بنسيمٍ عليلٍ يلامسُ وجهَها، وكأنَّهُ يُبشِّرُ بقدومِ شيءٍ جميلٍ.

وصلتْ إلى المقهى قبلَ "أنس" بدقائقَ. اختارتْ طاولةً في زاويةٍ هادئةٍ، تُطلُّ على حديقةٍ صغيرةٍ. جلستْ، ووضعتْ حقيبتَها على الطاولةِ، وراحتْ تُراقبُ المارةَ. كلُّ وجهٍ جديدٍ يظهرُ، كانَ قلبُها يقفزُ.

ثمَّ رأتهُ. كانَ يقفُ عندَ مدخلِ المقهى، يُنظرُ حولَهُ. كانَ يبدوَ أكبرَ قليلاً، ولكنَّ عينيهِ ما زالتا تحملانِ نفسَ البريقِ، ونفسَ الحزنِ العميقِ. ثمَّ التقتْ عيناهُ بعينيْها. شعرَ وكأنَّهُ سقطَ منْ عليٍّ.

تقدمَ نحوها بخطواتٍ متثاقلةٍ، وكأنَّهُ يسيرُ فوقَ الماءِ. جلسَ أمامَها، والصمتُ ثقيلٌ، والكلماتُ حبيسةٌ في الحلقِ. نظرتْ إليهِ، فرأتْ في عينيهِ ألفَ قصةٍ وقصةٍ. قصةُ شوقٍ، قصةُ ندمٍ، وقصةُ أملٍ.

"أنس..." همستْ باسمِهِ، وكأنَّها تُوقظُهُ منْ سباتٍ طويلٍ. "نور..." قالَ، وصوتُهُ يرتعشُ. "لقدْ أردتُ أنْ أرى عينيكِ منذُ زمنٍ طويلٍ." ابتسمتْ ابتسامةً خفيفةً، ولكنَّها كانتْ مليئةً بالمعاني. "وأنا أردتُ أنْ أراكَ. ولكنَّ الأقدارَ كانتْ لها رأيٌ آخرُ."

بدأتْ الكلماتُ تتدفقُ ببطءٍ، تعبرُ عنْ وحشةِ الغيابِ، وحرقةِ الشوقِ. كانَ لقاءً بينَ روحينِ، ألقتْ بهما الأيامُ في دوامةٍ منَ الفراقِ، ثمَّ جمعتْهما في لحظةٍ منْ الصدقِ والضعفِ. كانتْ بدايةً جديدةً، ولكنَّها كانتْ تحملُ معها عبقَ الماضي، وغموضَ المستقبلِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%