أنت ملاكي
هبوب الريح الشرقية
بقلم ليلى الأحمد
هبت الريح الشرقية تحمل معها عبق الصحراء وغبار السنين، تلفّت حولها كأنها تبحث عن شيءٍ ضائع. كان ذلك في ليلةٍ من ليالي العُمر، ليلةٍ شهدت حراكاً لم تعهده تلك البلدة الهادئة التي تقع على ضفاف الواحة الخضراء. في قلب هذا السكون، وقفت "ليلى" كغصنٍ يتمايل مع النسيم، ولكن في عينيها بريقٌ يعكس صراعاً أعمق من مجرد تحرك أوراق الشجر.
كانت ترتدي عباءةً سوداء فضفاضة، تغطيها بالكامل ما عدا وجهها الذي كان كالقمر في ليلة تمامه، صافيه، مشرق، يتخلله بعض خيوط الشعر الداكنة التي انسلت من حجابها. وقفت عند عتبة دارها، تنظر إلى الأفق البعيد، حيث تلتقي زرقة السماء بلون الرمال الذهبية. كان قلبها يخفق بسرعة، ليس خوفاً، بل شوقاً وأملاً مزيجاً من مشاعرٍ تتصارع داخلها.
"ليلى"، يا لها من مفارقة، اسمها يعني الليل، لكنها كانت كالشمس في وضح النهار، بقلبٍ لا يعرف الظلام. كانت ابنة الشيخ "عبد الله"، الرجل الوقور ذي اللحية البيضاء والهيبة التي تفرض الاحترام أينما حلّ. كان عموداً لمنزله، وسنداً لأهل بلدته، يتصف بالحكمة والعدل، ويُعرف بتمسكه بالدين وتقاليده الأصيلة. أما "ليلى"، فقد ورثت منه الكثير، حكمةً في التصرف، وقلباً رحيماً، وعزيمةً فولاذية تخفيها وراء هدوئها الظاهري.
كانت تترقب وصول موكبٍ قادمٍ من مدينةٍ قريبة، موكبٌ يحمل بين طياته أملاً لعائلتها، وربما سبباً لتغييرٍ بدأ يتسلل إلى حياتها الهادئة. قبل أيامٍ قليلة، زارهم رجلٌ غريب، ذو هيئةٍ مهيبة، ووجهٍ باسم، ولكن في عينيه شيءٌ من الحذر. كان "سالم"، وكيل بيت مالٍ كبير، جاء ليُبرم صفقةً تجاريةً مع والدها، صفقةٌ ستُعيد إلى خزينة العائلة ما فقدته بسبب سوء تدبيرٍ في الماضي.
لكن الصفقة لم تكن هي ما يشغل بال "ليلى" بقدر ما كان الشاب الذي رافق "سالم" في رحلته الاستطلاعية. كان اسمه "فهد"، شابٌ في مقتبل العمر، ذو ملامحٍ عربيةٍ أصيلة، وعينين واسعتين تخفيان عمقاً بحرياً. كان هادئاً، قليل الكلام، ولكنه كان يملك حضوراً قوياً، حضوراً جعل "ليلى" تشعر بشيءٍ لم تعهده من قبل.
اليوم، وعودتهما قادمة، تحمل بين يديها أوراق الصفقة، وربما شيئاً آخر. لم تكن "ليلى" تعلم ما هو هذا الشيء الآخر، ولكنها كانت تشعر به، كأنها نبضةٌ خفيةٌ في قلب الصحراء، تتنبه مع أولى خيوط الفجر.
تسللت نسمةٌ باردةٌ أخرى، أثارت غبار الأرض، ورفعت طرف عباءتها قليلاً. رفعت يدها لتُثبّت حجابها، وأصابعها الرقيقة تداعب خيوط القماش. في تلك اللحظة، لمحت أضواءً خافتةً تتلألأ في نهاية الدرب الصحراوي. إنهم قادمون.
انقبض قلبها قليلاً. هل كان هذا الخفقان هو ما توصفه القصص القديمة؟ هل هو ذلك الشعور الذي يتردد صداه في أرجاء الروح عندما يلتقي القدر بمساره؟ لم تكن تعرف، ولكنها كانت متيقنةً من شيءٍ واحد: حياتها على وشك أن تتغير.
بدأت السيارات تقترب، تثير سحب الغبار في ظلمة الليل. ترجل "سالم" أولاً، تبعته "ليلى" وهي تشعر بنظرات والدها تتبعها. بدا الشيخ "عبد الله" راضياً، يبتسم ابتسامةً خفيفة، ولكنه لم يكن لينطق بكلمةٍ قبل أن يتأكد من كل شيء.
ثم نزل "فهد". لم يكن يرتدي ملابس رسمية، بل ثوباً أبيض بسيطاً، يعكس طبيعته غير المتكلفة. في يده اليمنى، كان يحمل حقيبةً جلديةً داكنة، وفي يسراه، عقدٌ صغيرٌ يلمع. عندما رفع عينيه، لمح "ليلى" تقف في الظل، تحاول الاختباء. لم يقل شيئاً، لكن ابتسامةً خفيفةً مرت على شفتيه، لم تكن تلك الابتسامة الرسمية التي رأتها من قبل، بل كانت ابتسامةً تحمل في طياتها معرفةً وسراً.
تذكرت "ليلى" ذلك اليوم. كان "فهد" و"سالم" في زيارتهما الأولى. بعد أن انتهوا من اجتماعهم، خرج "فهد" ليتجول في أرجاء المكان. وجدها واقفةً عند بئر الماء القديمة، تحمل قربةً على كتفها. ابتسم لها، وسألها عن اسم هذا المكان. أجابته بكلماتٍ خجولة، ثم أشارت إلى البئر، قائلةً: "هنا يبدأ كل شيء".
نظر إليها "فهد" طويلاً، ثم قال بهدوءٍ وكأنما يقرأ في كتابٍ مفتوح: "هنا تبدأ قصةٌ جديدة."
لم تفهم "ليلى" ما قصده حينها، ولكن اليوم، ومع اقتراب موكبهم، شعرت بأن تلك الكلمات كانت نبوءةً. اقتربت "ليلى" أكثر، تنظر إلى "فهد" الذي كان يتحدث مع والدها. كان حديثهما يبدو جاداً، ولكنها لم تستطع أن تسمع شيئاً من وراء صوت الريح.
أخيراً، التفت "فهد" نحوها. كانت عيناه تلامسان عينيها، وكأنما يبحث عن إجابةٍ لسؤالٍ لم يُطرح بعد. ثم، وببطء، رفع يده اليمنى، وأشار إلى العقد الذي كان يحمله. كانت "ليلى" تعرف أن هذا العقد هو جزءٌ من الصفقة، جزءٌ سيُعيد إلى والديها بعضاً من مجدها المفقود. ولكن في تلك اللحظة، لم تكن تفكر في المال أو في التجارة. كانت تفكر في ذلك الشيء الغامض الذي كان يتشكل بينهما، في تلك الشرارة الأولى التي قد تُشعِل ناراً.
"يا ابنتي"، نادى الشيخ "عبد الله"، بصوتٍ دافئ، "تعالي. لدينا ضيوفٌ كرام."
تقدمت "ليلى" ببطء، تشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميها. لم يكن مجرد وصول ضيوف، ولم تكن مجرد صفقة تجارية. كان هذا لقاءً، لقاءً كُتب في القدر، لقاءً سيُغيّر مسار حياتها إلى الأبد. استمرت الريح الشرقية في الهبوب، حاملةً معها أسرار الصحراء، وأصداء قصةٍ بدأت للتو.