الفصل 10 / 25

أنت ملاكي

همساتٌ في جنباتِ القلوب

بقلم ليلى الأحمد

كانت أيامُ الزواجِ الأولى تنسابُ كنهرٍ هادئٍ، محمّلةً بنسماتِ الوئامِ وشذى الألفةِ. جلستْ ندى بجوارِ عبد الرحمن على شرفةِ منزلِهما الرحبِ، يتأملانِ سماءَ الليلِ المرصّعةَ بالنجومِ. كانتْ تلكَ اللحظاتُ بمثابةِ واحةٍ غنّاءٍ بعدَ صحراءِ الترقبِ والتحدياتِ التي اجتازاها. عبد الرحمن، بملامحِهِ التي عكستْ هدوءَ البحرِ وعمقَهُ، كانَ يلتفتُ إليها بينَ الحينِ والآخرِ، يبتسمُ لها ابتسامةً تحملُ كلَّ معاني الحبِّ والتقديرِ.

"ألمْ يأنِ للنومِ يا نبضَ قلبي؟" سألَها بصوتٍ خفيضٍ، أشبهَ بزقزقةِ عصفورٍ في سكونِ الليلِ.

ابتسمتْ ندى، وشعرُها الحريريُّ يتطايرُ حولَ وجهِها بفعلِ النسيمِ. "وما الذي يثقلُ جفوني وأنا في حضرةِ ملاكي؟" أجابتْ، وقدْ علتْ وجنتيها حمرةٌ خفيفةٌ، كسرتْ بها صمتَ المساء.

أمسكَ بيدِها بلطفٍ، وشعرَ بدفئِها يتسربُ إلى روحهِ. "يا ندى، لا أدري كيفَ لي أنْ أصفَ ما أشعرُ بهِ. كلُّ يومٍ معكِ يزدادُ إيماني بأنَّ اللهَ قدْ أرادَ لي السعادةَ حقًا."

كانتْ كلماتُهُ تنسابُ على قلبِها كبلسمٍ شافٍ، تمحو آثارَ ما عانتهُ في الماضي. تذكرتْ كيفَ كانتْ تتمنى هذهِ اللحظةَ، لحظةَ الشعورِ بالأمانِ والحبِّ الصادقِ. "وأنا يا عبد الرحمن، لمْ أكنْ أحلمُ بهذا القدرِ منَ السعادةِ. أنتَ نعمةٌ عظيمةٌ، وأنا ممتنةٌ للهِ كلَّ لحظةٍ يجمعُني بكَ."

في تلكَ الأثناءِ، كانتْ حياةُ عائلةِ عبد الرحمن تشهدُ بعضَ المستجداتِ. والدتُهُ، السيدةَ فاطمةَ، بدأتْ تشعرُ ببعضِ القلقِ على شقيقتهِ الصغرى، سارةَ. سارةُ، الفتاةُ الجميلةُ والرقيقةُ، كانتْ قدْ أنهتْ دراستَها الجامعيةَ مؤخرًا، ولمْ تبدِ اهتمامًا كبيرًا بالزواجِ. كانتْ غالبًا ما ترفضُ أيَّ طلبٍ للزواجِ تقدّمَ لخطبتِها، وتجدُ أعذارًا واهيةً لتأجيلِ الأمرِ.

"يا أمي، أنا لستُ مستعدةً بعدُ. أريدُ أنْ أركزَ على مستقبلي المهنيِّ الآنَ." كانتْ تلكَ هيَ الجملةَ المعتادةُ التي تردّدُها سارةُ كلما فتحتْ والدتُها موضوعَ الزواجِ.

شعرَتْ السيدةُ فاطمةُ بخيبةِ أملٍ. كانتْ تتمنى أنْ ترى ابنتَها مستقرّةً وسعيدةً. "لكنَّ يا ابنتي، الزواجُ ليسَ عائقًا أمامَ العملِ. كثيراتٌ هنَّ النساءُ اللاتي حققنَ نجاحاتٍ باهرةً وهنَّ زوجاتٌ وأمهاتٌ."

كانتْ سارةُ تعلمُ أنَّ أمَّها لا تقصدُ سوى الخيرِ، ولكنَّها كانتْ تشعرُ بضيقٍ داخليٍّ تجاهَ فكرةِ الارتباطِ. هلْ كانَ هناكَ سببٌ خفيٌّ وراءَ هذا النفورِ؟

في مكانٍ آخرَ، كانَ صديقُ عبد الرحمن القديمُ، يوسفُ، يعيشُ أوقاتًا عصيبةً. بعدَ أنْ تأكدَ منْ زواجِ عبد الرحمن، بدأتْ مشاعرُ الحسرةِ والندمِ تنهشُ قلبَهُ. كانَ يعلمُ أنَّهُ قدْ فرّطَ في فرصةٍ ذهبيةٍ، وأنَّهُ قدْ خسرَ ندى إلى الأبدِ. كانَ يحاولُ جاهدًا أنْ يتناسى الأمرَ، وأنْ يبدأَ حياةً جديدةً، ولكنَّ شبحَ ماضيهِ كانَ يطاردهُ.

في أحدِ الأيامِ، تلقى يوسفُ اتصالًا منْ رجلٍ غامضٍ، عرّفَ عن نفسِهِ باسمِ "أبو فهدٍ". كانَ الصوتُ خشنًا، والهاتفُ مشوشًا. "سمعتُ أنَّكَ كنتَ مهتمًا بـ"ندى" قبلَ زواجِها. هلْ أنتَ مستعدٌ للعبِ دورٍ مهمٍّ في حياتِها؟"

ارتعشَ يوسفُ. منْ يكونُ هذا الرجلُ؟ وماذا يريدُ؟ "لا أفهمُ ما تقصدُ." أجابَ بحذرٍ.

ضحكَ أبو فهدٍ ضحكةً قصيرةً، خاليةً منْ أيِّ مرحٍ. "أفهمُ أنَّ قلبَكَ ما زالَ يحملُ لها بعضَ المشاعرِ. لديَّ خطةٌ، إذا كنتَ مستعدًا للتعاونِ، فقدْ نتمكنُ منْ قلبِ الطاولةِ."

كانَ العرضُ مغريًا، ومثيرًا للقلقِ في الوقتِ ذاتِهِ. ولكنَّ يوسفَ، وقدْ تملّكَهُ اليأسُ والحسدُ، لمْ يفكرْ كثيرًا. "ما هيَ خطتُكَ؟" سألَ، وقدْ شعرَ ببرودةٍ تسري في عروقِهِ.

في منزلِ عبد الرحمن، كانتْ الأجواءُ تسيرُ نحو الهدوءِ والسكينةِ. ندى، بذكاءٍ وفطنةٍ، بدأتْ تلاحظُ بعضَ التغييراتِ في سلوكِ زوجِها. كانَ في بعضِ الأحيانِ يبدو شاردَ الذهنِ، أوْ قلقًا دونَ سببٍ واضحٍ.

"هلْ هناكَ ما يزعجُكَ يا عبد الرحمن؟" سألتْهُ ذاتَ مساءٍ، وقدْ لمحتْ علاماتِ القلقِ على وجهِهِ.

نظرَ إليها عبد الرحمن، وشعرَ بصدقِ سؤالِها. "لا شيءَ مهمٌّ يا حبيبتي. ربما بعضُ ضغوطِ العملِ."

لكنَّ ندى لمْ تكنْ مقتنعةً تمامًا. كانتْ تعرفُ زوجَها جيدًا، وتدركُ أنَّهُ ليسَ منْ عادتهِ إخفاءُ مشاعرِهِ. "هلْ أنتَ متأكدٌ؟ أرى في عينيكَ شيئًا غيرَ ما تقولُ."

ابتسمَ عبد الرحمن ابتسامةً باهتةً. "لا تقلقي يا ندى. كلُّ شيءٍ بخيرٍ. أنتِ فقطْ اجعلي حياتَنا جميلةً كما اعتدتُ."

وفي المقابلِ، كانَ أشقاءُ عبد الرحمن، عليُّ وفاطمةُ، يحاولانِ التأقلمَ معَ واقعِ زواجِهِ. عليٌّ، الشابُّ العمليُّ والمنطقيُّ، كانَ سعيدًا منْ أجلِ أخيهِ، ولكنَّهُ كانَ يشعرُ ببعضِ الغيرةِ منْ سعادةِ عبد الرحمن. أما فاطمةُ، فقدْ كانتْ تشعرُ ببعضِ الحنينِ إلى الأيامِ التي كانَ فيها عبد الرحمن قريبًا منها أكثرَ.

"هلْ زرتِ ندى مؤخرًا يا أختي؟" سألَ عليٌّ زوجتَهُ، ليلى، ذاتَ مساءٍ.

"لمْ أجدْ الوقتَ بعدُ يا عليٌّ. ولكنَّني سأزورُها قريبًا. أردتُ أنْ أمنحَهمْ بعضَ الخصوصيةِ في بدايتِهم." أجابتْ ليلى، وهيَ سيدةٌ هادئةٌ وحكيمةٌ.

"ربما يجبُ أنْ نتواصلَ أكثرَ. إنَّها زوجةُ أخي، ومنَ الواجبِ علينا أنْ نكونَ قريبينَ منها." قالَ عليٌّ، وشعرَ بشيءٍ منَ المسؤوليّةِ.

كانتْ الحياةُ تسيرُ، تحملُ معها مفاجآتٍ غيرَ متوقعةٍ. يوسفُ، بعدَ محادثتِهِ معَ أبي فهدٍ، شعرَ بنوعٍ منَ النشوةِ الشريرةِ. لأولِ مرةٍ منذُ فترةٍ، شعرَ بأنَّ لديهِ هدفًا. هدفًا يسعى لتحقيقِهِ، حتى لو كانَ ثمنُهُ باهظًا. كانتْ عينَاهُ تلمعانِ ببريقٍ مظلمٍ، يدلُّ على أنَّ الشرَّ قدْ وجدَ لهُ مدخلًا إلى قلبِهِ.

في الليلِ، حينَ كانَ عبد الرحمن يغطُّ في نومٍ عميقٍ، كانتْ ندى تستيقظُ أحيانًا. تتأملُ وجهَ زوجِها وهيَ في سريرِهما. تتساءلُ عمَّا يدورُ في خلدهِ، وعمَّا إذا كانَ هناكَ أيُّ ضغوطٍ خفيّةٍ تؤثرُ عليهِ. كانتْ تحبُّهُ حبًّا لا يحدُّهُ شيءٌ، وكانتْ مستعدةً لمواجهةِ أيِّ تحدٍّ منْ أجلِ الحفاظِ على هذا الحبِّ. لكنَّها لمْ تكنْ تدري أنَّ التحدياتِ قدْ بدأتْ تتخذُ أشكالًا جديدةً، وأنَّ ظلالًا داكنةً بدأتْ تتسللُ إلى حياتِهما الهادئةِ. كانَ المستقبلُ يحملُ في طياتِهِ الكثيرَ، وكانَ القدرُ قدْ بدأَ يرسمُ خيوطَ لعبةٍ جديدةٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%