أنت ملاكي
خيوطٌ متشابكةٌ ووساوسٌ خفيّة
بقلم ليلى الأحمد
انقضتْ أيامُ العسلِ، وعادتْ الحياةُ إلى إيقاعِها الطبيعيِّ، وإنْ كانتْ في رحابِ بيتٍ جديدٍ يضمُّ قلبينِ موحدينِ. ندى، بذكائها الفطريِّ ورقتها، اكتشفتْ أنَّ وراءَ هدوءِ عبد الرحمن الظاهرِ، بحرًا منَ الهمومِ قدْ يكونُ يخفيهِ. لمْ تعدْ تلكَ النظراتُ المفعمةُ بالطمأنينةِ تظهرُ بنفسِ الوضوحِ، بلْ استبدلتْ بأخرى تحملُ بعضَ الترددِ والتساؤلِ.
"هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرامِ يا حبيبي؟" سألتْهُ ندى ذاتَ مساءٍ، حينَ كانا يجلسانِ في حديقةِ منزلِهما الصغيرةِ، يفوحُ منها عبيرُ الياسمينِ. كانَ عبد الرحمن يمسكُ بقدحِ قهوتِهِ، وعيناهُ مثبتتانِ على الأفقِ.
رفعَ عبد الرحمن نظرَهُ إليها، وحاولَ أنْ يرسمَ ابتسامةً مطمئنةً. "نعمْ يا ندى، كلُّ شيءٍ على ما يرامِ. ربما فقطْ بعضُ ضغوطِ العملِ."
لكنَّ ندى لمْ تقبلْ بهذا التبريرَ بسهولةٍ. كانتْ تعرفُ جيدًا أنَّ عبد الرحمن رجلٌ يتحملُ مسؤولياتِهِ بصبرٍ وجلدٍ، وأنَّ أيَّ ضغطٍ في عملِهِ لا يظهرُ عليهِ بهذهِ الطريقةِ. "عبد الرحمن، أنا زوجتُكَ، وشريكةُ حياتِكَ. لا تخفْ منْ إخباري بما يشغلُ بالَكَ. فربما نستطيعُ معًا أنْ نجدَ حلًّا."
تنهدَّ عبد الرحمن تنهيدةً عميقةً، وشعرَ بثقلِ ما يكتمُهُ. "الأمرُ ليسَ بالبسيطِ يا ندى. هناكَ بعضُ الأمورِ المتعلقةُ بعلاقاتِ العملِ، وبعضُ التشابكاتِ التي قدْ تؤثرُ علينا."
ترددَّ عبد الرحمن في تفصيلِ الأمرِ، خشيةً أنْ يقلقَ ندى أوْ يجعلَها تشعرَ بعدمِ الأمانِ. فقدْ كانتْ مسألةُ صفقةٍ تجاريةٍ مهمةٍ تثيرُ بعضَ القلقِ لديهِ، وخاصةً معَ وجودِ بعضِ المنافسينَ الذينَ قدْ يلجؤونَ إلى أساليبَ غيرِ شريفةٍ. كانَ يخشى أنْ تصلَ هذهِ الأمورُ إلى ندى، أوْ أنْ تؤثرَ على حياتِهما الهادئةِ.
"ما هيَ هذهِ التشابكاتُ؟" ألحّتْ ندى بلطفٍ، وعيناها تفيضانُ بالاهتمامِ. "هلْ أنتَ في خطرٍ؟"
"لا، ليسَ خطرًا مباشرًا." أجابَ عبد الرحمن، محاولًا طمأنتَها. "لكنَّ هناكَ بعضَ الشكوكِ حولَ مصداقيةِ بعضِ الشركاءِ، وبعضِ المعلوماتِ التي وصلتني قدْ تكونُ خطيرةً."
كانَ عبد الرحمن يشعرُ بالحيرةِ، فهو لمْ يكنْ متأكدًا منْ نوايا الأشخاصِ الذينَ يتعاملُ معهم. هلْ كانوا يحاولونَ خداعَهُ؟ أمْ أنَّ الأمرَ مجردُ سوءِ فهمٍ؟
في هذهِ الأثناءِ، كانَ يوسفُ، تحتَ توجيهاتِ أبي فهدٍ، قدْ بدأَ تنفيذَ خطتِهِ الماكرةِ. كانَ يسعى لزرعِ بذورِ الشكِّ والفتنةِ بينَ عبد الرحمن وبعضِ شركائِهِ. بدأَ بتسريبِ معلوماتٍ مغلوطةٍ، ونشرِ إشاعاتٍ حولَ بعضِ الصفقاتِ التي تعاملَ معها عبد الرحمن. كانَ هدفهُ هوَ إضعافُ موقفِ عبد الرحمن المهنيِّ، ومنْ ثمَّ استغلالُ هذا الضعفِ لتحقيقِ أهدافِهِ الشخصيةِ.
"هلْ أنتَ متأكدٌ منْ هذهِ المعلوماتِ يا يوسفُ؟" سألَ أبو فهدٍ، وهوَ يرتشفُ قهوتهُ في مقهىً فاخرٍ. "نريدُ أنْ تكونَ الضربةُ دقيقةً، ولا تتركُ مجالًا للشكِّ."
"نعمْ، أنا متأكدٌ." أجابَ يوسفُ، وعينَاهُ تعكسانِ بريقَ انتصارٍ مبكرٍ. "لقدْ تلاعبتُ ببعضِ الرسائلِ الإلكترونيةِ، وزيّفتُ بعضَ المستنداتِ. عبد الرحمن لنْ يدركَ ما يحدثُ إلا بعدَ فواتِ الأوانِ."
كانَ أبو فهدٍ يبتسمُ ببطءٍ. "ممتازٌ. تذكرْ، هدفُنا هوَ كسرهُ. إحداثُ فجوةٍ لا يمكنُ إصلاحُها بينَهُ وبينَ عائلتِهِ، وبينَهُ وبينَ شركائِهِ. وأنتَ، ستكونُ القوةُ التي ستُسهمُ في هذا الانهيارِ."
لمْ يكنْ يدركَ يوسفُ أنَّ أبا فهدٍ كانَ لديهِ دوافعُ أعمقُ منْ مجردِ الانتقامِ الشخصيِّ. كانَ أبو فهدٍ يرى في نجاحِ عبد الرحمن تهديدًا لمصالحِهِ، وكانَ يسعى للقضاءِ عليهِ بكلِّ الطرقِ الممكنةِ.
في بيتِ عائلةِ عبد الرحمن، كانتْ السيدةُ فاطمةُ تشعرُ بقلقٍ متزايدٍ على ابنتِها سارةَ. لاحظتْ أنَّ سارةَ أصبحتْ أكثرَ انطواءً، وأنَّها تقضي معظمَ وقتِها في غرفتِها. حاولتْ السيدةُ فاطمةُ التحدثَ إليها، ولكنَّ سارةَ كانتْ تتهربُ منَ الحوارِ، وتجدُ دائمًا أعذارًا لتجنبِ أيِّ مواضيعَ شخصيةٍ.
"يا بنيتي، هلْ هناكَ ما يؤلمُ قلبَكِ؟" سألتْها السيدةُ فاطمةُ بحنانٍ. "تحدثي إليَّ، ربما أستطيعُ أنْ أساعدَكِ."
نظرتْ سارةُ إلى والدتِها، وشعرتْ ببعضِ الحرجِ. "لا شيءَ يا أمي. أنا فقطْ أشعرُ ببعضِ التعبِ."
لكنَّ السيدةَ فاطمةَ لمْ تقتنعْ. شعرتْ أنَّ ابنتَها تخفي شيئًا ما. تذكرتْ أنَّ سارةَ كانتْ قدْ تعرضتْ لتجربةٍ عاطفيةٍ مؤلمةٍ في الماضي، وأنَّها لمْ تتجاوزْ آثارَها بعدُ. هلْ كانَ هذا هوَ السببُ وراءَ رفضِها للزواجِ؟
"سارةُ، هلْ ما زلتِ تفكرينَ في ذلكَ الشخصِ؟" سألتْ السيدةُ فاطمةُ بحذرٍ.
ارتعشتْ سارةُ قليلًا. "لا يا أمي، لقدْ مضى كلُّ شيءٍ." أجابتْ، ولكنَّ صوتَها كانَ مليئًا بالحزنِ.
كانتْ ندى تحاولُ جاهدةً أنْ تكونَ سندًا لعبد الرحمن. كانتْ تقضي ساعاتٍ في مساعدةِ زوجِها في تنظيمِ أوراقِهِ، وتحليلِ البياناتِ التي قدْ تكونُ مشبوهةً. لمْ تكنْ تريدُ أنْ تشعرَ بأنَّها عاجزةٌ أمامَ ما يمرُّ بهِ.
"عبد الرحمن، ربما يجبُ أنْ نستعينَ بمحامٍ متخصصٍ في قضايا الأعمالِ. أوْ أنْ نلجأَ إلى تدقيقٍ خارجيٍّ لجميعِ حساباتِنا." اقترحتْ ندى، وهيَ تشيرُ إلى بعضِ الأرقامِ في تقريرٍ ماليٍّ.
نظرَ إليها عبد الرحمن بامتنانٍ. "أعلمُ أنَّكِ قلقةٌ يا ندى، ولكنَّني أحاولُ أنْ أتعاملَ معَ الأمرِ بحذرٍ. أريدُ أنْ أتجنبَ إثارةَ المشاكلِ إذا لمْ يكنْ الأمرُ يستدعي ذلكَ."
"ولكنَّ، ألا تخشى أنْ يفسرَ الآخرونَ حذرَكَ ضعفًا؟" قالتْ ندى، وشعرتْ بأنَّ زوجَها قدْ يكونُ مفرطًا في تفاؤلِهِ.
كانتْ هناكَ همساتٌ خفيّةٌ تتسللُ إلى حياةِ عبد الرحمن، ووساوسٌ بدأتْ تتسللُ إلى قلبِ ندى. بدأتْ تشعرُ بأنَّ زوجَها يخفي عنها بعضَ التفاصيلِ، وأنَّ هناكَ ما لا تعرفُهُ. كانتْ هذهِ المشاعرُ مزعجةً، ولكنَّها كانتْ تحاولُ أنْ تتجاهلَها، وتثقَ بزوجِها.
في المقابلِ، كانَ عليٌّ، شقيقُ عبد الرحمن، يشعرُ ببعضِ القلقِ. لمْ يلاحظْ أيَّ تغييرٍ في سلوكِ عبد الرحمن، ولكنَّهُ سمعَ بعضَ الإشاعاتِ في أوساطِ العملِ حولَ بعضِ الصفقاتِ التي كانَ عبد الرحمن قدْ أبرمَها. لمْ يكنْ يتأكدُ منْ صحةِ هذهِ الإشاعاتِ، ولكنهُ شعرَ بضرورةِ الحذرِ.
"هلْ أنتَ متأكدٌ منْ هذهِ المعلوماتِ يا عليٌّ؟" سألَ والدُهما، الشيخَ أحمدَ.
"لا يا أبي، إنَّها مجردُ إشاعاتٍ. ولكنَّني أحببتُ أنْ أنبهَكَ، فربما تكونُ هناكَ بعضُ الأشخاصِ الذينَ يسعون للإضرارِ بعبد الرحمن." أجابَ عليٌّ، وقدْ لمعتْ عيناهُ بالحكمةِ.
كانتْ المعركةُ قدْ بدأتْ، ولمْ يكنْ عبد الرحمن وندى يدركَانِ حجمَها. كانتْ خيوطُ المؤامرةِ تتشابكُ، والشرُّ يتخذُ أشكالًا جديدةً، بينما كانتْ العائلةُ تحاولُ جاهدةً أنْ تحافظَ على وحدتِها وسلامِها.