الفصل 14 / 25

أنت ملاكي

حديثٌ في البستان وخطوةٌ نحو المستقبل

بقلم ليلى الأحمد

كان ضوء القمر يتسلل خجولاً بين أغصان أشجار الزيتون، راسماً ظلالاً راقصة على أرض البستان. وقفت ليلى ووالدتها، أمينة، في هذا المكان الذي لطالما كان ملاذاً لهما. كانت نسمات الليل تحمل عبق الأرض الندّية، وشذى الزهور البرية التي تنمو بين الحشائش.

"لماذا أرى الحزن يخيم على وجهكِ يا ابنتي؟" سألت أمينة، وعيناها تترقرق فيهما عاطفة الأمومة الصادقة. كانت تراقب ليلى منذ وصولهما إلى القرية، وتشعر بثقلٍ غامضٍ يلف قلب حفيدتها.

تنهدت ليلى، واستندت إلى جذع شجرةٍ قديمة. "أمي، إنني أشعر بأنني تائهة. هنا، في هذه الأرض الطيبة، أشعر بالراحة، ولكن في نفس الوقت، أشعر بالخوف. الخوف من الماضي، ومن المستقبل."

احتضنت أمينة ابنتها بحنان. "كلنا نمر بلحظاتٍ من التيه يا حبيبتي. ولكن تذكري، أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وأنتِ لستِ وحدكِ. لديكِ جدتكِ، لديكِ أنا، ولديكِ... رجلٌ طيبٌ يراقبكِ بعين الحب."

فهمت ليلى ما تقصده والدتها. كانت تقصد عمر. منذ أيام، ومنذ أن لمح العم صالح نظرات الإعجاب المتبادلة بين عمر وليلى، بدأ يتحدث معها عن أهمية الزواج، وعن ضرورة اختيار الرجل المناسب. لم يكن العم صالح بالرجل الذي يسمح لابنة أخيه بالخوض في علاقاتٍ غير شرعية، ولكنه كان يدرك أيضاً أن ليلى كبرت، وأنها تستحق أن تبني أسرة.

"عمر شابٌ طيب يا أمي،" قالت ليلى بصوتٍ يكاد يكون همساً. "أشعر براحةٍ كبيرة في الحديث إليه. وأعتقد أنه يحمل لي مشاعر طيبة."

"هذا ما رأيته أيضاً،" قالت أمينة بابتسامةٍ خفيفة. "ولكن يجب أن تكون النوايا واضحة، والخطوات في طريقٍ شرعي. هل تحدث معكِ في أمرٍ جاد؟"

"لا، ليس بعد. ولكنه كان ينظر إليّ بطريقةٍ مختلفة مؤخراً. وشعرت بأنه يفكر في شيءٍ ما."

"إذاً، يجب أن يأتي هو ليطلب يدكِ. هذا هو الطريق الصحيح. لا تترددي في إخباره بذلك، ولكن بطريقةٍ حكيمة."

كانت أمينة، رغم كل ما مرت به، امرأةً قوية، تؤمن بقيمها، وتحرص على أن تسير حياتها وحياة ابنتها في طريقٍ سليم. لقد تعلمت من تجارب الحياة أن الحب الحقيقي هو الذي يبنى على أسسٍ قوية من الاحترام، والثقة، والتوافق الديني والأخلاقي.

وفي هذا الوقت، كان عمر في منزل عمه العم عبد الله، يجلس معه حول مائدةٍ بسيطة، يحتسون الشاي. كانت الأجواء هادئة، والحديث يدور حول أمور الزراعة، والأحوال في القرية.

"هل اتخذت قرارك يا بني؟" سأل العم عبد الله، بعد صمتٍ قصير.

التفت عمر إليه، ونظر في عينيه بجدية. "نعم يا عمي. قررت أن أذهب إلى العم صالح غداً، وأطلب يد ليلى."

ابتسم العم عبد الله بارتياح. "بارك الله فيك. هذه خطوةٌ طيبة، وخطوةٌ مباركة. ولكن تذكر، يجب أن تكون مستعداً. هل لديك ما يكفي لتفتح بيتاً؟"

"لدي أرضي التي ورثتها عن أبي، وأعمل فيها بجد. وهي تعطيني رزقاً طيباً. وسأعمل جاهداً لتأمين مستقبلٍ جيد لليلى."

"هذا هو الكلام الطيب يا بني. الرجل الذي يعتمد على رزقه، وعلى جهد يمينه، هو رجلٌ مبارك. وإن كان العم صالح عنيداً بعض الشيء، إلا أنه رجلٌ عادل، ويعرف قيمة الرجال الصادقين."

شعر عمر براحةٍ كبيرة بعد هذا الحديث. كان يعلم أن طريقه لن يكون سهلاً، ولكن دعاء عمه، وثقته بنفسه، منحاه قوةً إضافية.

في صباح اليوم التالي، استيقظ عمر مبكراً، وصلى صلاة الفجر. ثم استحم، وارتدى أفضل ما لديه من ثياب. توجه نحو منزل العم صالح، وقلبه يدق بخوفٍ ممزوجٍ بلهفة. كان يحمل في جيبه مفاتيح أرضه، وفي قلبه أملٌ كبير.

على الجانب الآخر، كانت ليلى تشعر بتوترٍ غريب. كانت تعلم أن شيئاً سيحدث اليوم. كانت جدتها، الحاجة فاطمة، قد تحدثت معها عن ضرورة أن تكون مستعدةً لأي تقدمٍ قد يأتي، وأن عليها أن تتصرف بحكمةٍ، وأن تفكر ملياً قبل أن تتخذ أي قرار.

"ليلى يا ابنتي،" قالت الحاجة فاطمة وهي تجلس بجانبها في غرفة الجلوس، "لقد رأيتُ نظرات عمر، ورأيتُ ما في قلبه. ولكنه يجب أن يأتي بطريقةٍ شرعية. وأن يكون كل شيءٍ واضحاً أمام والدكِ، وإن كان غائباً."

"أبي يا جدتي؟" سألت ليلى بتعجب.

"نعم. حتى لو كان بعيداً، فإن موافقته مبدئياً مهمة. ولكن الأهم هو أن يسير كل شيءٍ حسب ما يرضي الله. وأن تعرفي أن الزواج ليس مجرد حبٍ ولعب، بل مسؤوليةٌ كبيرة."

كان العم صالح، رغم تقدمه في السن، رجلاً قوياً، ذا هيبة. كان يحب ليلى حباً جماً، ويحرص على أن تكون سعيدة. ولكنه كان أيضاً حريصاً على سمعة العائلة، وعلى أن تكون حياة حفيدته كريمةً ومستقرة.

عندما طرق عمر الباب، كان العم صالح جالساً في صدر الديوان، يحتسي قهوته. أمره العم صالح بالدخول، فدخل وهو يبتسم بتردد.

"تفضل يا بني،" قال العم صالح بصوتٍ هادئ. "ما الذي أتى بك في هذا الوقت؟"

وقف عمر أمام العم صالح، ووضع يده اليمنى على صدره. "يا عمي، جئت إليك اليوم لأطلب يد ابنتك ليلى، على سنة الله ورسوله."

ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة. نظر العم صالح إلى عمر طويلاً، وعيناه تفحصانه. كان يرى فيه الصدق، ويرى فيه العزم. كان يعلم أن عمر شابٌ متمسكٌ بدينه، ومجتهدٌ في عمله.

"أنت شابٌ أعرفه، وأعرف أخلاقك،" قال العم صالح أخيراً. "ولكن هل أنت مستعدٌ لتحمل مسؤولية ليلى؟ هل أنت مستعدٌ لتكون زوجاً صالحاً، وأباً رحيماً؟"

"أقسم لك يا عمي، أنني سأبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنك، ولأجعل ليلى أسعد امرأةٍ في الدنيا. أنا مستعدٌ لتحمل هذه المسؤولية، بإذن الله."

ابتسم العم صالح ابتسامةً خفيفة، ولكنها كانت تحمل معنىً كبيراً. "حسناً يا بني. الأمر ليس قراراً سهلاً. ولكن سأتحدث مع جدتها، وسنتشاور. وإن كانت ليلى موافقةً، وإذا رأينا فيك كل الخير، فسيكون لنا كلامٌ آخر."

خرج عمر من منزل العم صالح وقلبه يخفق بقوة. لقد وضع حجراً أول على طريقٍ طالما حلم به. الآن، يجب أن ينتظر. الانتظار هو أصعب مرحلة، ولكن الأمل يملأ صدره.

في تلك الأثناء، كانت السيدة سعاد، زوجة العم أحمد، تراقب كل شيءٍ من شرفتها. رأت عمر يدخل منزل العم صالح، ورأت كيف خرج بعد فترة. شعرت بحماسٍ غريب، وكأنها حصلت على خبرٍ سري.

"أحمد، أحمد!" نادت زوجها بصوتٍ عالٍ. "هل رأيت؟ عمر ذهب إلى العم صالح. وأظن أنه يطلب يد ليلى!"

نظر أحمد إليها بعينين باردتين. "وما الذي يهمك في ذلك؟ هذا شأنهم."

"لا تدري أنت! إن كانت هذه الفتاة قد دخلت هذا البيت، فربما ستسبب لنا مشاكل. سمعة العائلة، سمعة العائلة!"

كانت السيدة سعاد تعيش في عالمٍ من الشكوك والمؤامرات. كانت تخشى أن يأتي أي تغييرٍ يمس التوازن الذي اعتادت عليه، والذي كانت هي جزءاً من بنائه. كانت تخشى أن تكون ليلى، بجمالها وطيبتها، مفتاحاً لفتح أبوابٍ كان يجب أن تظل مغلقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%