أنت ملاكي
حديثٌ في الديوان وكلماتٌ تحمل الوزن
بقلم ليلى الأحمد
كانت الشمس قد بدأت في الهبوط نحو الأفق، مطلقةً أشعتها الذهبية على القرية، مخضبةً بيوتها الطينية بسحرٍ هادئ. داخل ديوان العم صالح، حيث تجلس العائلة في المساء، كانت الأجواء تحمل قدراً من الجدية. العم صالح، الحاجة فاطمة، أمينة، وليلى، جميعهم حول طاولةٍ صغيرة، وقد وضعت أمامهم صينيةٌ من الفواكه الموسمية.
"لقد جاء عمر اليوم، وطلب يد ليلى،" قال العم صالح بنبرةٍ مباشرة، يراقب وجوه الجميع.
تأثرت ليلى بشدة، وشعرت بأن قلبها يخفق بعنف. نظرت إلى جدتها، فرأتها تبتسم بهدوء، وكأنها كانت تتوقع هذا الأمر. ثم نظرت إلى أمها، فوجدتها تنظر إليها بعينين تشعّان بالأمل.
"وهل سألته يا أبي عن كل شيء؟" سألت الحاجة فاطمة، بنبرةٍ تحمل حكمة السنين. "هل تأكدت من نواياه، ومن استعداده؟"
"نعم يا أمي، تحدثنا. وهو شابٌ طيب، متمسكٌ بدينه، ومجتهدٌ في عمله. لديه أرضه، ويعمل بجد. ورأيتُ في عينيه الصدق والعزم."
"هذا جيد،" قالت الحاجة فاطمة. "ولكن يجب أن تكون ليلى هي من تقرر. هي من ستعيش معه. هل تحدثت معها يا صالح؟"
نظر العم صالح إلى ليلى، الذي كانت تجلس في صمتٍ، تتأمل كلماته. "ليلى يا ابنتي، عمر شابٌ نال إعجابي. وإذا كنتِ ترين فيه الخير، وتشعرين بالراحة نحوه، فنحن لم نعد في سنٍ يسمح لنا باللعب بالمشاعر. الزواج مسؤولية، ويجب أن تكون عن قناعةٍ ورضا."
شعرت ليلى بنظرات الجميع موجهة إليها. كان عليها أن تجيب، وأن تعبر عن مشاعرها. ترددت قليلاً، ثم قالت بصوتٍ واضح: "يا جدي، يا جدتي، يا أمي. لقد تحدثت مع عمر، وأشعر براحةٍ كبيرة في الحديث إليه. وهو يحترم مشاعري، ويقدرني. وإذا كان هذا الرجل الطيب يرى فيّ الزوجة الصالحة، وأنا أرى فيه الزوج الصالح، فهذا ما أتمناه."
ابتسمت الحاجة فاطمة بارتياح. "بارك الله فيكِ يا ابنتي. الرضا القلبي هو الأساس. ولكن لا تنسي أن تأخذي وقتكِ في التفكير، وأن تستخيري الله في كل خطوة."
"الاستخارة لا غنى عنها،" أضاف العم صالح. "وبعد ذلك، سنرسل إليه ليأتي مرةً أخرى، لنرتب كل شيء. ولكل شيءٍ وقته. لا نريد أن نستعجل."
كانت هذه الكلمات بمثابة الضوء الأخضر لعمر. كان يعلم أن الخطوة الأولى قد تمت بنجاح. شعر بأن عبئاً ثقيلاً قد أزيح عن صدره.
في منزل العم أحمد، كانت السيدة سعاد لا تزال في حالةٍ من القلق. كانت تراقب من شرفتها، وتستمع إلى همسات الجيران. كانت تعرف أن العم صالح لن يرفض طلباً كهذا، خاصةً وأن عمر شابٌ معروفٌ في القرية.
"أحمد،" قالت ليلى بحماسٍ مصطنع، "هل سمعت؟ عمر سيتقدم لخطبة ليلى رسمياً. هل هذا يعني أنهم سينتقلون للعيش هنا؟"
نظر أحمد إليها بلامبالاة. "وما الذي يقلقك في ذلك؟ إنها حياةٌ طبيعية."
"لكن... سمعة العائلة! هل تدرك ما قد يحدث؟ إذا علم الناس بأمور والدتها، فقد يكون ذلك مشكلةً كبيرة. يجب أن نتصرف بحذر."
كانت السيدة سعاد ترى في هذه الخطوة فرصةً لها، فرصةً لإثبات نفسها، وفرصةً للتدخل في شؤون الآخرين. كانت تحب أن تكون مركز الاهتمام، وأن تتحكم في مجريات الأمور.
بعد بضعة أيام، عندما كانت ليلى تتجول في السوق، قابلها عمر. كان يبدو عليه الارتباك والسعادة في آنٍ واحد.
"ليلى،" قال بصوتٍ خافت، وهو ينظر حوله. "لقد تحدثت مع عمك. ويبدو أن الأمر يسير في الطريق الصحيح."
ابتسمت ليلى بخجل. "هذا ما أتمناه."
"أردت أن أسألكِ، هل أنتِ مستعدةٌ لارتداء الخاتم؟" سأل عمر، وعيناه تلمعان بالأمل. "أريد أن أجعلكِ ملكتي، قبل أن يأتي اليوم الكبير."
شعرت ليلى بسعادةٍ غامرة. كان هذا ما كانت تتمناه. "نعم يا عمر. أنا مستعدة."
"إذاً، سأذهب إلى عمك، وسنرتب الأمر. إن شاء الله، قريباً جداً."
كان لقاؤهما القصير هذا بمثابة تأكيدٍ للعلاقة التي بدأت تتشكل بينهما. كانا يسيران في طريقٍ واضح، طريقٍ شرعي، طريقٍ مبارك.
ولكن، وبينما كانت الفرحة تملأ قلب ليلى وعمر، كانت السيدة سعاد تحيك خيوط مؤامرتها. تحدثت إلى سيدةٍ أخرى من القرية، سيدةٍ كانت تعرف كل صغيرةٍ وكبيرة، وكانت تحب نشر الشائعات.
"هل سمعتِ بالخبر؟" قالت السيدة سعاد بصوتٍ خافت، وهي تخبرها بالقصة. "عمر سيخطب ليلى. ولكن هل تعرفين من هي والدتها؟ يقال أنها ليست من هذه البلاد، وأن لديها بعض الأسرار."
نشرت السيدة الأخرى القصة، وبدأت الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم. لم تكن ليلى تعلم شيئاً عن هذه الهمسات، وعن هذه المؤامرات التي كانت تُحاك ضدها. كانت تعيش في عالمٍ وردي، مليءٍ بالحب والأمل.
في المساء، جلست الحاجة فاطمة مع العم صالح، بعد أن عادت أمينة وليلى إلى غرفتهما.
"يا صالح،" قالت الحاجة فاطمة بنبرةٍ قلقة. "أشعر بأن هناك شيئاً ما. الشائعات بدأت تنتشر في القرية. يبدو أن هناك من يحاول إفساد هذا الزواج."
نظر العم صالح إليها بعينين حذرتين. "أعلم يا أمي. سمعت بعض الهمسات. ولكن لا تقلقي. نحن نعرف حقيقة أمورنا، ولا نخشى أحداً. طالما أننا نسير في الطريق الصحيح، فالنصر لنا."
"ولكن ليلى لا تزال صغيرة، وقد تتأثر بهذه الكلمات. خاصةً وأنها لم تعتد على مثل هذه الأمور."
"سنكون معها، وسنحميها. وأظن أن عمر رجلٌ قوي، ولن يسمح لأي أحدٍ بالتدخل في حياته. علينا أن نكون حذرين، ولكن علينا أيضاً أن نثق بالله."
كانت هذه الكلمات بدايةً لمرحلةٍ جديدة. مرحلةٌ ستكشف عن مدى قوة الحب، ومدى ثبات العائلتين في مواجهة التحديات.