الفصل 16 / 25

أنت ملاكي

رياح الشك ووشوشات الظلام

بقلم ليلى الأحمد

تسللت خيوط الفجر الأولى، حاملةً معها وعداً بيومٍ جديد، ولكن في قلب القرية، كانت الساعات الأولى من هذا اليوم مشبعةً بنذر التغيير. بدأت الشائعات، التي زرعتها السيدة سعاد، تنتشر كالنار في الهشيم، تصل إلى مسامع العم صالح، وتصل إلى آذان الكثيرين من أهل القرية. لم تكن هذه الشائعات عن ليلى نفسها، بل كانت عن خلفيتها، وعن ماضي والدتها.

"هل سمعتِ يا أم محمد؟ يقال أن والدة ليلى ليست من هذه البلاد، وأنها... إنها من أولئك الناس الذين لديهم علاقاتٌ مشبوهة." همست السيدة سعاد لجاريتها، وابتسامةٌ خبيثة ترتسم على شفتيها.

"ومن أين لكِ هذا الخبر يا أم أحمد؟" سألت أم محمد، وعيناها تتسع من الدهشة.

"سمعته من ناسٍ تثق بهم. وهي أمورٌ خطيرة، يا أم محمد. إذا تزوجت ليلى من عمر، فقد تجلب لهم العار."

كانت هذه الكلمات، رغم افتقارها إلى أي أساسٍ من الصحة، قادرةً على زعزعة الثقة، ونشر الخوف. كان العم صالح، كونه رجلاً ذا سمعةٍ طيبة، ومن القلائل الذين يتبنون مبدأ "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سلك الله به طريقاً إلى الجنة"، يدرك أن السمعة الطيبة هي أثمن ما يملك المرء. وكان يعلم أن هذه الشائعات، وإن كانت زائفة، قد تؤثر على قرار ابنة أخيه، وعلى قرار عمر، بل وعلى قرار العائلتين.

كان عمر، في تلك الأثناء، يستعد للقاء العم صالح بترتيب الخطبة الرسمية. كان قلبه مفعماً بالسعادة، وبالتطلع إلى بناء مستقبلٍ مشرق مع ليلى. لم يكن يعلم شيئاً عن هذه الشائعات.

"يا بني،" قال العم عبد الله، وهو يراه يستعد للخروج. "هل أنت مستعد؟"

"نعم يا عمي. ذهبت إلى العم صالح، وتحدثنا. وهو موافقٌ على أن نقوم بالخطبة قريباً. سأذهب إليه اليوم لنتفق على التفاصيل."

ابتسم العم عبد الله، ولكن ابتسامته خفتت فجأة وهو يرى بعض الوجوه تتجه نحوه في السوق، وتتحدث فيما بينها بصوتٍ منخفض.

"عمر،" ناداه أحد كبار السن في القرية، واسمه أبو بكر. "هل حقاً تريد أن تخطب ابنة أخت العم صالح؟"

"نعم يا عم أبو بكر،" أجاب عمر بثقة. "وهل في ذلك بأس؟"

"البأس ليس فيك، يا بني. أنت شابٌ طيب، ونعرفك. ولكن... هل تعلم من هي والدتها؟"

شعر عمر بأن هناك شيئاً ما غريباً في طريقة طرح السؤال. "أمي؟ والدتي توفيت منذ زمن. وأبي... أبي غادر المنزل ولم يعد."

"لا، لا، ليس والدتك،" قال أبو بكر، وهو يهمس في أذن عمر ببعض الكلمات التي جعلت عمر يشعر بالضيق. "والدة ليلى. يقال أن لها ماضٍ... مشبوه."

تسارعت أنفاس عمر. لم يكن يتوقع هذا أبداً. "مشوه؟ كيف؟"

"لا أعرف التفاصيل، يا بني. ولكن الناس تتحدث. يقولون إنها من خارج البلاد، وأنها... لا أستطيع قول المزيد."

شعر عمر بالارتباك، وببعض الغضب. هل يمكن أن تكون هذه الشائعات صحيحة؟ هل يمكن أن يكون هناك ما لا يعرفه عن ليلى وعن عائلتها؟

توجه عمر إلى منزل العم صالح، وقلبه مليءٌ بالأسئلة. وجد العم صالح جالساً في الديوان، يستقبل بعض الضيوف. اقترب منه ببطء، ونظر في عينيه.

"يا عمي،" قال عمر بصوتٍ متهدج. "هل يمكن أن نتحدث على انفراد؟"

وافق العم صالح، وذهب معه إلى غرفةٍ جانبية.

"ما الأمر يا بني؟" سأل العم صالح، وعلامات القلق تظهر على وجهه.

"يا عمي، اليوم سمعت بعض الكلمات التي تثير القلق في قلبي. عن والدة ليلى."

نظر العم صالح إلى عمر، وعيناه تشتعلان. "وماذا سمعت؟"

"سمعت أن لها ماضٍ مشبوه، وأنها... ليست من هنا."

تنهد العم صالح بعمق، ثم جلس على كرسي. "يا بني، ليلى ابنة أخي، وابنة رجلٍ طيب. أما والدتها، أمينة، فقد مرت بظروفٍ صعبة في حياتها. ولكنها امرأةٌ صالحة، وتربت على القيم. هذه الشائعات التي تسمعها، مصدرها هو الحسد، والكراهية، ومن هم لا يريدون الخير لنا."

"ولكن يا عمي، لماذا لم تخبرني بذلك من قبل؟"

"لأنني لم أكن أريد أن أثقل كاهلك بأمورٍ قد لا تعنيك. وأردت أن أرى كيف ستتصرف عندما تواجهها. هل ستصدق كلام الناس، أم ستصدق ما تراه وتعرفه؟"

"أنا... لا أعرف ماذا أقول يا عمي. لقد سمعت كلاماً أغضبني، وأقلقني."

"هذا طبيعي. ولكن عليك أن تتذكر، أن الزواج ليس بين عائلتين، بل بين رجلٍ وفتاة. وأنا أثق فيك، وأثق في ليلى. أما الآخرون، فليقولوا ما شاؤوا. المهم هو أن تكون أنت وليلى على حق. وأن يكون حبكما لله، وطريقكما شرعياً."

كان العم صالح يضع عمر أمام اختبار. اختبارٌ لقوته، ولصدقه، ولثقته.

في نفس الوقت، كانت ليلى تجلس مع جدتها، الحاجة فاطمة. كانت تبدو شاحبةً، وعيناها تحملان حزناً عميقاً.

"ما بكِ يا ابنتي؟" سألت الحاجة فاطمة بحنان. "لماذا تبدين هكذا؟"

"جدتي،" قالت ليلى بصوتٍ متقطع. "لقد سمعت كلاماً في السوق اليوم. كلاماً عن أمي."

توقفت الحاجة فاطمة، وعيناها تترقرق فيهما الدموع. "وماذا سمعتِ؟"

"سمعت أن أمي... أن لها ماضٍ سيء. وأنها ليست مثلنا."

احتضنت الحاجة فاطمة حفيدتها بقوة. "يا ابنتي، أمكِ امرأةٌ صالحة. مرت بظروفٍ صعبة، ولكنها لم تبتعد عن دينها. هذه الكلمات التي تسمعينها، هي كيدٌ من شياطين الإنس. لا تدعيها تؤثر فيكِ. أنتِ تعرفين أمكِ، وتعرفين معدنها."

"ولكن يا جدتي، إذا كان الناس يقولون ذلك، فربما يكون هناك شيءٌ صحيح."

"لا يا ليلى. الناس قد يفسرون الأمور على هواهم. ولكن الحق هو الحق. وأنا كجدتكِ، أقسم لكِ أن أمكِ لم تفعل شيئاً يخالف الشرع. لا تدعي هذه الكلمات تزرع الشك في قلبك. أنتِ تحبين عمر، وهو يحبك. فتمسكي بهذا الحب، ولا تدعي الشكوك تهدمه."

كانت كلماتها هذه بمثابة البلسم لجرح ليلى. لكن الشك كان قد بدأ يتسلل إلى قلبها. لم تكن تعرف كيف ستواجه عمر بهذا الأمر. هل سيصدق كلام الناس؟ هل سيتخلى عنها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%