أنت ملاكي
لقاءٌ في بيت السيدة زينب
بقلم ليلى الأحمد
كانت أصابع مريم ترتجف وهي تزيّن حجابها بلطفٍ، محاولةً أن تمنح نفسها بعض الثقة التي بدأت تتضاءل في داخلها. لم يكن مجرد لقاءٍ عائليٍ عاديٍ، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على التعامل مع تعقيداتٍ لم تكن تتوقعها. نظرت إلى انعكاسها في المرآة، ثمّ أغمضت عينيها للحظةٍ، واستحضرت كلمات جدتها، وكلمات والدة أحمد.
"اهدئي يا مريم. لا تدعي القلق يسيطر عليكِ. أنتِ مع الله، والله معكِ. تحدثي بصدقٍ، وأظهري ما في قلبكِ. إنّ الأمور ستتضح." تمتمت بكلماتٍ حاولت أن تكون مطمئنةً لنفسها.
كان بيت السيدة زينب، بيتًا دافئًا يعكس طيبة صاحبة المنزل. الألوان هادئةٌ، والأثاث بسيطٌ ولكنه أنيق. كان عبق الياسمين يفوح من حديقةٍ صغيرةٍ تطل عليها نافذةٌ في الصالة. جلست مريم على أريكةٍ مريحةٍ، تستمع إلى حديث السيدة زينب مع أحمدٍ. كان صوتهما يختلط ببعضهما البعض، صوتٌ يمثل الحنان، وصوتٌ يمثل القوة والطموح.
"مريم يا ابنتي، أهلاً بكِ. تفضلي بالجلوس." قالت السيدة زينب بابتسامةٍ دافئةٍ، ولكنّ مريم لاحظت شيئًا من التوتر في عينيها.
جلس أحمدٌ بجوار والدته. نظرت إليه مريم، وشعرت بقلبها يفيض بمزيجٍ من الحب والاحترام. كان وسيماً كعادته، وابتسامته كانت تضيء المكان. ولكنه كان يبدو شاردًا بعض الشيء، وكأنّ شيئًا يشغله.
"شكرًا يا خالتي، شكرًا أحمد. شكرًا لدعوتي." قالت مريم بصوتٍ هادئٍ.
بدأت السيدة زينب الحديث، وحاولت أن تجعل الأجواء مريحةً قدر الإمكان. ولكنّ القلق الذي كان يخيم على المكان كان محسوسًا. "أحمد يا بني، لقد تحدثنا أمس عن بعض الأمور المتعلقة بمستقبلكِ. وأنا أرى أنّ الوقت قد حان لنتحدث بصراحةٍ أكبر."
نظر أحمدٌ إلى والدته، ثمّ إلى مريم. "نعم يا أمي. أنا جاهز."
"مريم يا ابنتي، هل حدثتِ جدتكِ عن خططنا؟" سألت السيدة زينب، تحاول أن تكون مباشرةً.
"نعم يا خالتي. تحدثتُ معها. وهي... وهي متحمسةٌ جدًا." قالت مريم، وتشعر بأنّ الكلمات لا تعكس تمامًا ما حدث.
"متحمسةٌ لدرجةٍ أنّها اتصلت بي لترتيب موعدٍ لتقديم طلب الخطبة الرسمي، بل وذكرت بعض الأمور المتعلقة بالشبكة والمهر دون أن تستشيرني أو تستشير أحمدًا. هل هذا ما قصدتِ به يا مريم؟" سألت السيدة زينب، وبدت نبرتها أكثر حدةً.
شعرت مريم بأنّ الأرض تنشق لتبتلعها. هذا هو ما تخشاه. "يا خالتي، أرجو المعذرة. لم أكن أعرف أنّ الأمر وصل إلى هذا الحد. جدتي... هي فقط تحبّ أن تكون كل الأمور منظمةً."
"التنظيم شيءٌ، والتسرع وفرض الأمر الواقع شيءٌ آخر يا ابنتي. إنّ الزواج قرارٌ مشتركٌ، ليس قرارًا لعائلةٍ واحدةٍ وحدها."
نظر أحمدٌ إلى مريم، ثمّ إلى والدته. وبدت عليه علامات الدهشة والاستغراب. "ماذا تقصدين يا أمي؟ ما هو الأمر الذي تتحدثين عنه؟"
"يا أحمد، لقد حاولتُ أن أحافظ على خصوصية الأمر، ولكنّ الأمور قد خرجت عن السيطرة. لقد تحدثتِ مع مريم، وذكرتِ لها بعض الصعوبات التي نمر بها. ووالدتها، السيدة فاطمة، قد أخذت الأمر بجديةٍ، وبدأت في ترتيباتٍ معينةٍ تتعلق بالخطوبة، دون أن تستشيرنا."
"خطوبة؟ ومن يتحدث عن خطوبة؟" سأل أحمدٌ، وبدأت تبدو عليه علامات الانزعاج.
"أنا يا أحمد." قالت مريم بصوتٍ خافتٍ، تشعر بالخجل الشديد. "أنا أحبك يا أحمد، وأريد أن نكون معًا. ووالدتكِ ذكرت لي بعض الأمور، فظننتُ أنّ الوقت مناسبٌ."
"ولكنّكِ لم تتحدثي معي! لم تستشيريني! لم تقل لي شيئًا!" قال أحمدٌ، وبدا صوته عاليًا بعض الشيء.
"كنت أود ذلك يا أحمد، ولكنّ جدتي... هي من بدأت بالأمر."
"وهل أنتِ ترضين بذلك؟ هل تريدين أن تتم خطبتنا بترتيباتٍ لا أعرف عنها شيئًا؟" سأل أحمدٌ، وعيناه تبحثان عن إجابةٍ واضحةٍ في عيني مريم.
شعرت مريم بأنّ الموقف قد خرج عن السيطرة تمامًا. "يا أحمد، أنا... أنا فقط أردتُ أن أرى هذا الأمر يتم. أنا أحبك، وأريدك أن تكون زوجي."
"وهل تعتقدين أنّ هذا هو الطريق الصحيح؟ هل تعتقدين أنّني رجلٌ ضعيفٌ لا يستطيع أن يتقدم لخطبتكِ بنفسي؟ هل تريدين أن تشعرني بأنّني مدينٌ لكِ أو لعائلتكِ؟" قال أحمدٌ، وبدت نبرته قاسيةً.
شعرت مريم بصدمةٍ. لم تكن تتوقع هذه ردة الفعل. "يا أحمد، هذا لم يكن قصدي أبدًا. أنا أحترمك، وأقدرك. وما ذكرته لوالدتكِ، وما قلته لجدتي، كان عن رغبةٍ صادقةٍ في إتمام هذا الأمر، وليس لفرض أي شيءٍ."
"ولكنّ ما حدث هو فرضٌ يا مريم! ما حدث هو أنّ جدتكِ حاولت أن تتجاوزني وتتجاوز والدتي، وتتخذ قرارًا نيابةً عنا. وهذا أمرٌ لا يمكنني قبوله." قال أحمدٌ، ووقف من مكانه، وبدا عليه الغضب.
"أحمد يا بني، اهدأ." قالت السيدة زينب، تحاول أن تهدئ من روع ابنها.
"كيف أهدأ يا أمي؟ وأنا أرى أنّ كرامتي تُمس! وأنّ هذا الزواج، الذي كنتُ أتمنى أن يكون بدايةً جميلةً، قد بدأ بمشاكلَ وسوء تفاهمٍ بسبب تدخلاتٍ لا داعي لها!"
"يا أحمد، أرجوك. أنا أعتذر. لم أكن أقصد أي شيءٍ من هذا القبيل. ربما أخطأتُ في تقديري للأمور." قالت مريم، والدموع بدأت تنهمر على خديها.
"خطأكِ يا مريم، هو أنّكِ سمحتِ لغيركِ أن يتحدث باسمكِ، وأنّ يتخذ قرارًا نيابةً عنكِ. وخطأي، ربما، هو أنّني لم أقف بحزمٍ عند أول إشارةٍ للتساؤل عن أمورٍ ماليةٍ." قال أحمدٌ، وهو ينظر إلى مريم بنظرةٍ لم تستطع أن تفهمها. هل هي خيبة أملٍ؟ أم استياءٌ؟
"أحمد، أنتِ تعرفني. أنا أحبك. ولا أريد أن أراكَ غاضبًا. فقط أريد أن نكون معًا." قالت مريم، وهي تحاول أن تستعيد رباطة جأشها.
"وأنا أحبكِ يا مريم. ولكنّ الحب وحده لا يبني زواجًا قويًا. الثقة والاحترام هما الأساس. وما حدث اليوم، قد هزّ هذه الثقة." قال أحمدٌ، ثمّ التفت إلى والدته. "أمي، أنا لستُ مستعدًا للحديث عن أي خطوبةٍ في الوقت الحالي. أريد أن أفكر جيدًا. وأنا أعتذر لمريم، ولكنّني أحتاج إلى بعض الوقت."
وخرج أحمدٌ من الغرفة، تاركًا مريم والسيدة زينب في حالةٍ من الذهول والصمت. شعرت مريم بأنّ قلبها قد انقبض بشدة. لقد تحول حلمها إلى كابوسٍ في غضون دقائق. نظرت إلى السيدة زينب، التي بدت عليها علامات الحزن والأسى.
"لا تقلقي يا ابنتي. أحمدٌ يحبكِ. ولكنه رجلٌ كريمٌ، ويهمه أمره. ربما احسّ بأنّ الأمور قد تمّت دون علمه." قالت السيدة زينب، وهي تربت على يد مريم.
"ولكنّني لم أكن أقصد ذلك يا خالتي. أنا فقط... أنا فقط أحببته كثيرًا." قالت مريم، وبدأت تبكي بحرقة.
"أعلم يا ابنتي. ولكنّ الأقدار تأتي أحيانًا بما لا نتوقعه. سأتحدث مع أحمدٍ. وسنرى ما سيحدث."
جلست مريم في صمتٍ، تستمع إلى صوت بكائها، وتستشعر مرارة الفشل. لقد كانت تخطط لمستقبلٍ مشرقٍ، ولكنه تبدد فجأةً، تاركًا وراءه فراغًا كبيرًا. نظرت إلى النافذة، حيث كانت خيوط الشمس الأخيرة تتلاشى في الأفق، وكأنّها تحمل معها آخر بصيصٍ من الأمل.