الفصل 19 / 25

أنت ملاكي

صمتٌ ثقيلٌ وكلماتٌ مؤجلة

بقلم ليلى الأحمد

عادت مريم إلى منزل جدتها، وهي تحمل في قلبها ثقلًا لم تعرفه من قبل. كانت خطواتها ثقيلةً، وروحها منهكةً. لم تستطع أن تنظر في عيني جدتها، السيدة فاطمة، التي كانت تنتظرها في صالة المنزل، وقد بدت على وجهها علامات القلق والترقب.

"ماذا حدث يا ابنتي؟ ما هي أخبار اللقاء؟" سألت السيدة فاطمة، تحاول أن تستشف شيئًا من ملامح وجه مريم.

لم تجد مريم الكلمات المناسبة. كيف لها أن تشرح لجدتها أن لقاءً كان من المفترض أن يكون بدايةً جميلةً، قد انتهى بشكلٍ كارثي؟ كيف لها أن تقول لها أن أحمدًا، الذي كانت جدتها تعتز به، قد غادر وهو غاضبٌ، وبنبرةٍ تحمل استياءً عميقًا؟

"لا شيء يا جدتي. الأمور... الأمور لم تسر كما توقعنا." قالت مريم بصوتٍ مترددٍ، تشعر بمرارةٍ تسري في حلقها.

"لم تسر كما توقعنا؟ ماذا يعني هذا؟ هل رفض أحمدٌ؟" سألت السيدة فاطمة، وبدت علامات الدهشة والاستغراب على وجهها.

"ليس رفضًا يا جدتي. ولكنه... ولكنه شعر بأنّ الأمور قد تمت دون علمه. وأنّ هناك من يتخذ قراراتٍ نيابةً عنه. شعر بأنّ كرامته قد مُسّت."

اتسعت عينا السيدة فاطمة، وبدأت ملامح وجهها تتغير. "كرامته؟ من مسّ كرامته؟ هل تقصدينني أنا؟"

"لا يا جدتي، لم تقصدي ذلك. ولكنّ أحمدًا شعر بأنّكِ قد تجاوزتِ الحدود. وأنّكِ رتبتِ أمورًا دون استشارته أو استشارة والدته."

"ولكنّني فعلتُ ذلك حرصًا عليكِ! أريد أن أرى ابنة أختي سعيدةً! وأرى أنّ أحمدًا رجلٌ مناسبٌ!" قالت السيدة فاطمة، وبدأت نبرتها ترتفع قليلاً.

"أعلم يا جدتي. ولكنّ أحمدًا رجلٌ كريمٌ. وهو يحبّ أن يكون هو المبادر. وهو شعر بأنّ هذا الزواج قد بدأ بسوء فهمٍ كبيرٍ."

"سوء فهمٍ! إذن أنتِ تعتقدين أنّني مخطئةٌ؟"

"لا يا جدتي، لم أقل ذلك. ولكنّني أحبّ أحمدًا، وأريد أن يرى أنّني أقدره، وأنّني لا أحاول فرض رأيي عليه. وأنّ كرامته عندي لا تقلّ أهميةً عن سعادتي."

تنهدت السيدة فاطمة تنهيدةً طويلةً، وبدا عليها الإرهاق. "يا ابنتي، أنتِ طيبةٌ جدًا، وهذا هو ما يجعلني أخشى عليكِ. الناس لا يفهمون دائمًا طيبة القلب. وأحمدٌ، قد يكون حساسًا. ولكنّني أظنّ أنّ والدته لعبت دورًا في هذا الأمر. إنّها ربما أرادت أن تتجنب أي مسؤوليةٍ ماليةٍ."

"لا يا جدتي، والدة أحمدٍ طيبةٌ جدًا. وهي تحبّ أحمدًا. وهي قالت لي إنّها ستتحدث معه."

"وماذا قالت لكِ؟"

"قالت إنّها ستتحدث معه، وأنّها ستجعله يهدأ. ولكنّها قالت أيضًا إنّها لا تريد أن تشعره بأنّ زواجه منكِ سيكون قائمًا على مساعدتكِ."

"وهذا صحيح! أنتِ تملكين المال، وأحمدٌ لديه بعض الالتزامات. ولكنّ هذا لا يعني شيئًا. الجميع يساعد بعضهم البعض في هذه الأمور."

"ولكنّ أحمدًا شعر بأنّ كرامته قد مُسّت يا جدتي. وهو قال إنّه يحتاج إلى وقتٍ للتفكير."

ساد الصمت بينهما. لم تعد السيدة فاطمة قادرةً على الكلام. كانت مريم تشعر بأنّها في دوامةٍ من المشاعر المتضاربة. حبّها لأحمد، قلقها على مستقبلها، وحرصها على مشاعر جدتها.

في الأيام التالية، ساد صمتٌ ثقيلٌ بين مريم وأحمد. كانت تحاول الاتصال به، ولكنّه لم يكن يرد على مكالماتها. كانت ترسل له رسائل نصيةً، ولكنّها كانت تبقى دون رد. شعرت بأنّ الفجوة بينهما تتسع يومًا بعد يوم.

في هذه الأثناء، كانت السيدة زينب تتحدث مع أحمد. كانت تحاول أن تفهم وجهة نظره، وأنّ تهدئ من غضبه.

"يا بني، أنا أفهم أنّك شعرت بالإهانة. ولكنّ مريم لا تقصد الإهانة. إنّها تحبكِ. وقد كانت مجرد خطوةٍ متسرعةٍ من جدتها."

"ولكنّها وافقت يا أمي! إنّها وافقت على هذه الخطوة دون أن تستشيرني! هل هذا طبيعي؟"

"ربما كانت خائفةً أن تضيع منكِ. وربما كانت جدتها تدفعها."

"ولكنّ هذا ليس مبررًا. أنا رجلٌ، وأريد أن أتقدم لخطبتها كرجلٍ. لا أريد أن أشعر بأنّني مجرد متلقٍ للمساعدات."

"أعلم يا بني. ولكنّك تعرف مريم، ومدى حبها لكِ. هل ستسمح لهذه المشكلة الصغيرة أن تنهي كل شيءٍ؟"

"ليست مشكلةً صغيرةً يا أمي. إنّها مسألةُ كرامةٍ واحترامٍ. وإذا لم تبدأ علاقتنا على أساسٍ سليمٍ، فماذا سيحدث في المستقبل؟"

"لقد تحدثتُ مع السيدة فاطمة. وهي تفهم الآن. وهي اعتذرت. ولكنّها تصرّ على أنّ مريم تحبكِ بشدةٍ."

"أتمنى ذلك يا أمي. ولكنّني الآن، لستُ متأكدًا من أي شيءٍ."

في أحد الأيام، تلقت مريم رسالةً نصيةً من والدة أحمد. كانت الرسالة قصيرةً ومباشرةً.

"مريم يا ابنتي، أحمدٌ سيأتي لرؤيتكِ غدًا. أتمنى أن تكوني مستعدةً. وأنّ تتحدثي معه بصراحةٍ. وأرجو منكِ، أن تكوني واضحةً أمامه. ما هي رغبتكِ الحقيقية؟"

شعرت مريم بأنّ قلبها بدأ يدق بسرعةٍ. هذه هي الفرصة. الفرصة لتوضيح كل شيءٍ، ولإصلاح ما أفسده سوء التفاهم.

في اليوم التالي، وقفت مريم أمام المرآة، تحاول أن تستجمع كل شجاعتها. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، ولكنّه أنيقٌ. كانت تعرف أنّ الكلمات هي أقوى سلاحٍ لديها الآن.

عندما وصل أحمدٌ، استقبلته مريم بهدوءٍ، ورغم شعورها بالتوتر، حاولت أن تمنحه انطباعًا بالثقة. جلسا في صالة المنزل، وصمتٌ ثقيلٌ ساد بينهما.

"مريم،" بدأ أحمدٌ بصوتٍ هادئٍ، "لقد فكرتُ كثيرًا في الأيام الماضية."

"وأنا أيضًا يا أحمد. لقد فكرتُ كثيرًا."

"أنا أحبكِ يا مريم. وهذا أمرٌ لا شك فيه. ولكنّ ما حدث... ما حدث جعلني أشكّ في أشياءٍ كثيرةٍ."

"أعلم يا أحمد. وأنا أعتذر مرةً أخرى. لم يكن قصدي أن أسبب لكَ أي إحراجٍ أو أي شعورٍ بعدم الاحترام. فقط، كنتُ أرى أنّنا نسير في طريقٍ جميلٍ، وأنّ الخطوبة ستكون الخطوة المنطقية التالية."

"ولكنّكِ لم تتحدثي معي! لم تخبريني! لم تستشيريني!" قال أحمدٌ، وبدت نبرته لا تزال تحمل بعض الانزعاج.

"نعم، هذا صحيح. ولقد أدركتُ الآن خطئي. ربما كنتُ متعجلةً، أو ربما سمحتُ لجدتي أن تؤثر عليّ أكثر من اللازم. ولكني أقسم لكَ يا أحمد، أنّني أردتُ أن أرى هذا الأمر يتمّ بشكلٍ جيدٍ. وأردتُ أن أرى سعادتك."

"ولكنّ السعادة لا تبنى على فرض الأمور يا مريم. السعادة تبنى على التفاهم والثقة المتبادلة."

"وأنا أؤمن بذلك يا أحمد. ولهذا السبب، أريد أن نتحدث الآن. أريد أن أخبركَ بما في قلبي."

نظرت مريم في عيني أحمدٍ، وبدأت تتحدث بصدقٍ وعمقٍ. "يا أحمد، أنا أحبكِ. وأرى فيكِ شريك حياتي. الرجل الذي أريد أن أشاركه عمري. ولكني أيضًا، أرى أنّك رجلٌ قويٌ، وقادرٌ على تحقيق كل ما تريده. أنا لا أريد أن أكون عبئًا عليكَ. ولا أريد أن أشعر بأنّي أفرض نفسي عليكَ. ولكنّني أيضًا، لا أريد أن تضيع علاقتنا بسبب خطأٍ بسيطٍ أو سوء فهمٍ."

"ماذا تقصدين؟" سأل أحمدٌ، وبدأت تبدو عليه علامات الفضول.

"أقصد يا أحمد، أنّني مستعدةٌ لتقديم كل ما أستطيع، لمساعدتكَ في تجاوز أي صعوباتٍ. ولكنّ هذا يجب أن يكون قراركَ. وأنّ تشعر أنتَ بالراحةِ والاطمئنان. أنا أثق في قدراتكَ، وأعلم أنّكَ ستنجح. ولكنّ هذه الثقة، لا تعني أنّني لا أستطيع أن أقف بجانبكَ، وأنّ أكون سندًا لكَ."

"وهل أنتِ مستعدةٌ لتقديم هذا الدعم، حتى لو لم يكن هناك خطوبةٌ رسميةٌ الآن؟" سأل أحمدٌ، وبدت نبرته تحمل شيئًا من الدهشة.

"إذا كان هذا ما سيجعلكَ تشعر بالراحةِ، والأمان، فإنّني مستعدةٌ لذلك. ولكنّني أرجو منك يا أحمد، أن تعطينا فرصةً. فرصةً لنثبت لكَ أنّ حبنا صادقٌ، وأنّنا نستطيع أن نبني مستقبلًا قويًا معًا."

نظرت مريم إلى أحمدٍ، تنتظر رده. كان الصمت يعود ليخيم على الغرفة، ولكنّ هذه المرة، لم يكن صمتًا ثقيلًا، بل كان صمتًا مليئًا بالترقب والانتظار.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%