أنت ملاكي
همس الأسرار في فضاء النجوم
بقلم ليلى الأحمد
حلّ الليل بكامل هيبته، وقد انسدلت ستائره المخملية على الواحة، مرصعةً بآلاف النجوم التي تتلألأ كحبات الألماس على بساطٍ أسود. كانت الأجواء في بيت الشيخ "عبد الله" مشحونةً بالترقب والحفاوة. استُقبل "سالم" و"فهد" بترحيبٍ يليق بضيوفٍ مهمين، ولكن "ليلى" لم تكن قادرةً على التركيز إلا على "فهد".
جلست في مكانها المعتاد، قريباً من والدتها السيدة "زينب"، التي كانت بدورها تراقب بعينيها الحنونتين كل تفاصيل الجلسة. كانت "زينب" امرأةً صالحة، ذات قلبٍ طيب، وخبرةٍ واسعة في أمور الحياة. كانت ترى في "ليلى" انعكاساً لروحها، ولكنها كانت تخشى عليها من قسوة الأيام، ومن تقلبات الدهر.
كان "فهد" يجلس مقابلها، على الطرف الآخر من طاولةٍ طويلةٍ خشبية، مُزيّنةٍ بأنماطٍ هندسيةٍ قديمة. كان يتحدث بهدوءٍ مع والدها، صوته منخفضٌ ورصين، ولكنه كان يتخلله إيقاعٌ يجعل أذن "ليلى" تعلق به. كانت ترى كيف يتجاوب مع والدها، وكيف يُبدي احتراماً وتقديرًا. لم يكن مجرد تاجرٍ طموح، بل كان شاباً يبدو أنه يحمل قيماً عميقة.
"هذه الأرض يا شيخ عبد الله"، قال "فهد" وهو يُشير إلى بعض الأوراق الممدودة على الطاولة، "مليئةٌ بالخير الوفير. ولكنها تحتاج إلى يدٍ أمينةٍ ومالٍ كافٍ لتُخرج هذا الخير إلى النور."
كان الشيخ "عبد الله" يُومئ برأسه، ثم قال بصوتٍ عميق: "والدنا قد ترك لنا الأرض، ونحن نحرص على إحيائها. ولكن الزمان قد تبدّل، والاحتياجات قد زادت. لقد فقدنا الكثير من ميراثنا، والآن، الفرصة سانحةٌ لتعويضه."
بدأ "سالم" يتحدث عن التفاصيل المادية، عن نسبة الأرباح، وعن مدة الاستثمار. كانت "ليلى" تستمع، ولكنها كانت تلتفت بين الحين والآخر إلى "فهد". كانت ترتسم على وجهه علامات التركيز، وعيناه تلمعان في ضوء الفوانيس. بدا كأنه يزن كل كلمةٍ تُقال، وكأنما كل قرارٍ يتخذه هو قرارٌ مصيري.
ثم، وبدون مقدمات، قال "فهد" بصوتٍ فيه بعض الإلحاح: "ولكن هناك نقطةٌ أخرى يا شيخ عبد الله، نقطةٌ تتعلق بالعلاقات. سمعتُ عن مكانتكم الطيبة في هذه البلدة، وعن كرمكم وحسن جواركم. أعتقد أن هذه الصفقة لن تنجح بالشكل المطلوب إلا إذا امتدت لتشمل علاقةً أقوى بيننا."
توقف الشيخ "عبد الله" قليلاً، ثم سأل: "ماذا تقصد يا بني؟"
ابتسم "فهد" ابتسامةً خفيفة، لم تكن تلك الابتسامة الرسمية، بل ابتسامةٌ حملت في طياتها شيئاً من الخجل، وشيئاً من الجدية. ثم قال: "أقصد، يا شيخ، أني رأيتُ ابنتك. رأيتها في تلك الزيارة القصيرة، ورأيتُ فيها ما يجعلني أرى مستقبلاً مشرقاً. أرى فيها حكمةً وهدوءاً، ورأيتُ فيها صلاحاً. إذا سمحت، أود أن أتقدم لخطبة ابنتك، "ليلى"."
ساد صمتٌ مفاجئ. توقفت "ليلى" عن التنفس. شعرت بوالدتها تضغط على يدها بقوة. لم تتوقع شيئاً كهذا. كانت قد ظنت أن الأمر كله يتعلق بالمال والأرض. أما أن يصل الأمر إلى زواج، فهذا شيءٌ لم يخطر ببالها أبداً.
نظر الشيخ "عبد الله" إلى "فهد" ملياً. لم يكن متفاجئاً تماماً، فقد رأى الشرارة في عيني ابنه تجاه "ليلى" في الزيارة الأولى، ولكنه لم يكن يتوقع أن يُباغتها بهذا الشكل. ثم نظر إلى "ليلى"، فوجدها قد احمرّ وجهها، وعيناها تتسع في ذهول.
"هذا أمرٌ جلل يا بني"، قال الشيخ "عبد الله" بصوتٍ حذر. "ولكننا نقدر لك صراحتك. "ليلى" ابنتنا، وهي غاليةٌ علينا. علينا أن ننظر في الأمر."
"أتفهم ذلك تماماً يا شيخ"، قال "فهد" بهدوء. "وأنا ملتزمٌ بالشورى. ولكن أرجو أن تعلم أن اهتمامي لم يكن فقط بالأرض، بل بمن يسكن هذه الأرض الطيبة."
بعد أن انتهى الاجتماع، وخرج "سالم" و"فهد" إلى ضيافتهما، جلست "ليلى" مع والديها. كانت عيناها لا تزالان تتسعان، وقلبها يخفق كطائرٍ محبوس.
"يا ابنتي"، قالت السيدة "زينب" بصوتٍ حنون، "ما رأيك؟"
نظرت "ليلى" إلى والديها. لم تكن تعرف ماذا تقول. لم تكن قد فكرت في الزواج من قبل. كانت تعيش حياتها ببساطة، تقضي وقتها بين تعلم القرآن، ومساعدة والدتها، وزيارة الفقراء. لم يكن لديها وقتٌ للتفكير في أمورٍ كهذه.
"يا أمي"، قالت أخيراً بصوتٍ مرتجف، "لا أعرف. لم أتوقع هذا أبداً."
"وهو كذلك يا "ليلى""، قال الشيخ "عبد الله" بنبرةٍ هادئة. "ولكن "فهد" شابٌ طيب، ومن بيتٍ كريم. ورغم صغر سنه، يبدو أنه يملك من الحكمة والرزانة ما يجعله يستحق النظر. الصفقة التي يطرحها مفيدةٌ لنا، وزواجه منك قد يربط العائلتين برباطٍ أقوى."
"ولكن يا أبي..." بدأت "ليلى"، ثم توقفت.
"ولكن ماذا يا ابنتي؟" سألها والدها بلطف. "هل هناك ما يزعجك في "فهد"؟"
"لا، ليس ما يزعجني فيه... بل هو فقط... أنا لم أعرفه جيداً. لقد رأيته مرتين فقط."
"هذا صحيح"، قالت السيدة "زينب". "ولكنه طلب أن يتقدم لخطبتك. هذا دليلٌ على اهتمامه. وقد رأينا كيف كان يتحدث. فيه احترامٌ وتقدير. ولكن القرار الأول والأخير هو لكِ يا ابنتي. لا نُجبركِ على شيءٍ لا تريدينه."
نظرت "ليلى" إلى النجوم المتلألئة في السماء. بدت كأنها تحمل في جوفها أسراراً لا حصر لها. تذكرت نظرات "فهد" إليها، تلك النظرات التي حملت أكثر مما قال. هل كان في تلك النظرات صدق؟ هل كان في عرضه رغبةٌ حقيقيةٌ أم مجرد خطوةٌ تجارية؟
"أنا..." بدأت "ليلى" ثم ترددت. "أنا أريد أن أفكر."
"بالتأكيد يا ابنتي"، قال الشيخ "عبد الله". "خذي وقتك. ولكن اعلمي أننا نسعى دائماً لمصلحتك."
خرجت "ليلى" إلى فناء الدار، تحمل في قلبها ضجةً لم تعهدها. كان الجو هادئاً، ونسيم الليل البارد يلامس وجهها. رفعت عينيها إلى السماء، تبحث عن إجابةٍ بين النجوم. هل كان هذا عرضاً من السماء، أم مجرد فرصةٍ يجب أن تُقيّم بعناية؟ كان همس الأسرار يتردد في فضاء النجوم، وهي وحدها من يجب أن تستمع إليه.