أنت ملاكي
في زوايا الروح المعتمة
بقلم ليلى الأحمد
كانت خيوط الفجر الأولى تنسج وشاحًا فضيًا على أفق المدينة، لكن يوسف لم ينم. كان عقله في سباق محموم، يتصارع بين واقع مرير وحلم بعيد المنال. صورة سارة، ببريق عينيها الهادئ، كانت تتراقص أمام ناظريه، تقابله بصمت، وكأنها تسأله عن حاله. كان يعلم أن قرار اليوم يجب أن يكون حاسمًا، أن يكسر حلقة الإدمان التي نسجت حوله بخيوط لامعة من الوهم.
"يوسف، استيقظ يا بني." صوت والدته، كبلسم يشفي، اخترق ضباب أفكاره. "الشمس قد أشرقت، ولا يزال سريرك يحتضنك."
نهض يوسف، شعر بثقل في جسده، وإن كان جسده خفيفًا مقارنة بثقل روحه. نظر في المرآة، رأى عينين غائرتين، وشحوبًا يكسو وجهه. هذا لم يكن وجهه الذي يعرفه. هذا وجه رجل أرهقته معركة لم يبدأها بنية سليمة.
"صباح الخير يا أمي." قال بصوت متعب.
"صباح النور. لم أرَ منك النوم الليلة؟" سألته والدته، وهي تضع أمامه طبقًا من الفاكهة الطازجة، مع كوب من الشاي بالنعناع.
"لم أقدر على النوم." أجاب. "كنت أفكر."
"تفكيرك هذا، هل جلبه لك الراحة أم القلق؟" رفعت حاجبها، وهي تجلس أمامه. "أرى في عينيك صراعًا. هل أنت مستعد لإخباري بما يجول في خاطرك؟"
تنهد يوسف، ثم رفع بصره إليها. "أمي، أنا... أنا في مشكلة."
كانت تلك الكلمة، "مشكلة"، كافية لتجعل والدته تقترب منه، وتضع يدها على يده. "أعلم يا بني. وأعلم أنك تسعى للخروج منها. وماذا قررت؟"
"قررت أن أتوقف." قال بصلابة. "هذه اللعبة، هذه المراهنات... إنها تدمرني. تدمر حياتي. وتخيفني."
ارتسمت على وجه والدته ابتسامة خفيفة، ممزوجة بالارتياح. "الحمد لله. هذه بداية خير. والله معك."
"لكن الأمر ليس بهذه السهولة يا أمي. لقد غرقت أكثر مما أتصور. هناك ديون، وهناك... هناك تعلق." اعترف يوسف، وكان الاعتراف بحد ذاته راحة.
"العلقات تكسر بالإيمان، والديون تُقضى بالاجتهاد. وأهم من ذلك كله، هو أن الله إذا أراد بعبد خيرًا، فتح له أبواب رحمته." قالت والدته، وعيناها تفيضان بالإيمان. "أنا معك يا بني. وسندعمك. لكن القرار الأول والأخير، يجب أن يكون منك."
"وأنا قررت." قال يوسف. "سأتخلى عن كل شيء. وسأبدأ من جديد. سأحاول أن أصلح ما أفسدت."
"هذا هو ابني." قالت والدته، وهي تعانقه بقوة. "والآن، أول خطوة هي أن تواجه الأمور. أن تعرف حجم المشكلة، ثم نبدأ في حلها. والخطوة الثانية، هي أن تعود إلى ما كنت عليه، إلى رباطك بالله، وإلى اهتمامك بما هو أهم."
"سأفعل." وعد يوسف.
في تلك الأثناء، وصل اتصال هاتفي إلى والدة يوسف. كانت المتصلة سارة. شعرت يوسف بقلبه يخفق بشدة. هل هذه مجرد صدفة؟ أم أن هناك من يدبر له الخير؟
"أهلاً يا سارة." قالت والدته بصوت مليء بالدفء. "كيف حالك؟"
"الحمد لله يا خالتي. أردت فقط أن أسأل عن يوسف. هل هو بخير؟ لم أره منذ فترة." جاء صوت سارة، هادئًا، رقيقًا، ولكنه يحمل نبرة قلق صادق.
شعر يوسف بأن هذه هي الفرصة. الفرصة التي انتظرها. فرصة ليثبت لنفسه، وليثبت لها، أنه قادر على التغيير.
"نعم يا سارة، يوسف بخير. بل ربما سيكون بخير أكثر مما تتوقعين." قالت والدته، وهي تنظر إلى يوسف بابتسامة مشجعة.
"هل هذا يعني؟" سألت سارة، وكان صوتها يحمل ترقبًا.
"هذا يعني، أننا سنكون عندك قريبًا. يوسف لديه أمر يريد أن يتحدث فيه معك." قالت والدته، وكانت كلماتها تحمل وعدًا.
بعد المكالمة، نظر يوسف إلى والدته. "هل أنت متأكدة؟"
"متأكدة أنك قادر يا بني. لا تدع الخوف يسيطر عليك. واجه الأمر بشجاعة. والله يرى صدق نيتك."
كانت الرحلة إلى بيت سارة رحلة مليئة بالمشاعر المتضاربة. قلق، ترقب، أمل، وخوف. كان يوسف يشعر بأن كل خطوة يخطوها، هي خطوة على طريق الشفاء. لكنه كان يعلم أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود.
عندما وصلوا، استقبلتهم عائلة سارة بالترحيب. كان والدها، السيد أحمد، رجلًا وقورًا، يمتلك هيبة لا تخلو من اللطف. أما سارة، فقد كانت تجلس بهدوء، ترتدي حجابها الأنيق، وتنظر إلى يوسف بابتسامة متوترة.
"تفضلوا يا أبنائي." قال السيد أحمد، وهو يشير إلى المقاعد.
جلس يوسف، وشعر بأن عينيه تلتقيان بعيني سارة للحظة. كانت تلك النظرة تحمل كل ما لم يستطع قوله. تحمل السؤال، والجواب، والأمل.
"يوسف، كنت أتمنى أن أراك. هل أنت بخير؟" سألته سارة بصوت منخفض.
"الحمد لله، أنا بخير الآن. وبفضلك، وبفضل والدتي، أظن أنني سأكون أفضل." قال يوسف، وكانت كلماته صادقة.
"ماذا تقصد؟" سألت سارة، وهي تنظر إليه بفضول.
"في الفترة الماضية، كنت أغرق في مستنقع. مستنقع المراهنات، والأوهام. وكنت أظن أنني أجمع المال، بينما كنت أضيع نفسي." اعترف يوسف، وشعر بأن الحقيقة المؤلمة تصبح أخف وطأة بمجرد البوح بها.
"أنا... أنا لم أكن أعرف." قالت سارة، وكانت عيناها تتسعان من الدهشة.
"لم أكن أرغب في أن يعرف أحد. كنت خائفًا. وخائفًا من أن تريني بعين مختلفة." قال يوسف، وهو ينظر إلى والدته، ثم إلى سارة.
"أنا لا أرى فيك إلا ما يراه فيك قلبك الطيب، وروحك الصالحة." قالت سارة، وكانت كلماتها كبلسم يشفي. "والحمد لله أنك تغلبت على هذا."
"لكنني لم أتغلب عليه بالكامل بعد. ما زلت في بداية الطريق." قال يوسف. "ولهذا السبب، أردت أن أكون صريحًا معك. معك ومع والدك. أنا أعتذر عن كل ما قد يكون بدر مني من إهمال أو غياب. كنت مشغولاً بصراعات داخلية كنت أجهل كيفية التعامل معها."
"لا بأس يا بني." قال السيد أحمد، وهو ينظر إلى يوسف بتفهم. "كل إنسان يخطئ. والمهم هو أن يتعلم من خطئه، وأن يسعى للإصلاح."
"نعم، ولكنني أخشى أن تكون مشكلتي قد أثرت على سمعتكم، أو على قراركم." قال يوسف، وكان القلق يعتصر قلبه.
"لم تفعل يا يوسف." ابتسم السيد أحمد. "بالعكس، شجاعتك في الاعتراف، وصدقك في النصح، يجعلك رجلاً يستحق الثقة."
"ولكن، ما زال هناك ما يجب علي فعله. هناك ديون، وهناك نفسي التي يجب أن أعالجها." قال يوسف.
"سنساعدك." قالت والدة يوسف بحزم. "ولن ندعك وحدك."
"وأنا أيضًا." قالت سارة، وهي ترفع رأسها لتنظر إلى يوسف مباشرة. "إذا كنت حقًا تريد التغيير، فقلبي معك، ودعائي لك."
كانت تلك الكلمات، "قلبي معك"، كافية لتغمر يوسف بالسعادة. شعر بأن الحصار الذي كان يحيط به قد بدأ يتفكك. شعر بأن هناك أملًا حقيقيًا.
"شكرًا لكم جميعًا." قال يوسف. "من أجلكم، سأبذل كل ما لدي. سأكون الرجل الذي تستحقونه."
عندما غادروا، كانت نسمة المساء تبدو مختلفة. لم تعد تحمل عبق الياسمين فحسب، بل حملت معها وعدًا بمستقبل أفضل، بمستقبل بدأ يتشكل بصدق، وبقلب صادق.