زواج المصلحة الجزء الثالث
همسات القدر ورياح التغيير
بقلم سارة العمري
تسللت أشعة الشمس الدافئة عبر ستائر الغرفة الأنيقة، لترسم خطوطاً ذهبية على وجه هند، التي كانت غارقة في سبات عميق. استيقظت على صوت زقزقة العصافير، وشعور غريب بالهدوء يغمر روحها. لقد كانت الأيام الماضية مليئة بالاضطرابات، بالصراعات الداخلية والخارجية، لكنها الآن تشعر بسلام لا تعرف مصدره تماماً.
نهضت من فراشها، وتوجهت نحو المرآة. ألقت نظرة على انعكاسها، فرأت في عينيها بريقاً جديداً. لم تعد الفتاة الخائفة المترددة التي لطالما عرفت نفسها. لقد مرت بالكثير، واكتشفت في أعماقها قوة كامنة، وصبرًا لا ينفد.
ارتدت ثياباً بسيطة، وخرجت إلى شرفة القصر المطلة على الحديقة الغناء. الهواء عليل، تفوح منه رائحة الياسمين والورد. جلست على أحد الكراسي الوثيرة، وتأملت المشهد. كان كل شيء يبدو هادئاً، لكن في قلبها كانت تشعر بحركة قوية، كأنها تستعد للانطلاق في رحلة جديدة، رحلة غير معلومة الوجهة.
في هذه الأثناء، كان فهد يتفحص تقارير الشركة المتكدسة على مكتبه. لم يكن التركيز حليفه هذه الأيام. عقله شارد، وقلبه يميل نحو مكان آخر. منذ أن قررت هند البقاء في منزل عائلتها، شعر بفراغ كبير في حياته. كان يفتقد صوتها، ابتسامتها، حتى صمتها الذي كان يحدث أثراً عجيباً فيه.
لقد أدرك متأخراً كم كانت هند جزءاً لا يتجزأ من كيانه. لم يعد الأمر يتعلق بالزواج الذي فرضته الظروف، بل بشيء أعمق، بشيء نما وتجذر في قلبه دون أن يدرك. كيف استطاعت هذه الفتاة الهادئة أن تحتل كل هذا الفضاء في روحه؟
هاتفها، لم يكن يملك رقمه، لكنه سأل صديقه المشترك، المقرب منها، ليحصل عليه. ترددت يداه قبل أن يضغط على زر الاتصال. في كل مرة يلمس فيها شاشة الهاتف، يشعر بخفقان غريب.
"ألو؟" جاء صوت هند، هادئاً ومتردداً.
"هند، أنا فهد." قال بصوت حاكم، يحاول إخفاء ما يعتريه من مشاعر.
"أهلاً بك يا فهد." ردت ببرود مصطنع.
"أتمنى ألا أكون أزعجتك."
"لا أبداً."
صمت قصير، ثم استأنف فهد: "كنت أرغب في... أن أسأل عن أحوالك. وكيف تسير الأمور معكِ."
"كل شيء على ما يرام، شكراً لسؤالك."
شعر فهد بنغزة في قلبه. هل كانت هند تغيرت؟ هل كانت تستعد للابتعاد عنه؟
"هند..." بدأ، ثم توقف. ماذا يقول؟ كيف يعبر عما يدور في خلجات صدره؟ "هل... هل ما زلتِ تفكرين في كل شيء؟"
"كل شيء؟ تقصد الزواج؟" سألت، والصوت يحمل نبرة غامضة.
"نعم، الزواج. علاقتنا."
"فكرت كثيراً يا فهد. أكثر مما تتخيل."
"وماذا كان قرارك؟" سأل بتلهف.
"لا أعرف. الأمر ليس سهلاً. هناك أمور كثيرة لم تحسم بعد."
"ما هي هذه الأمور؟"
"ثقتي بنفسي. ثقتي بك. ثقتي بما يمكن أن نبنيه."
كان كلامها صريحاً، ومباشراً. أثر في فهد كثيراً. لقد كانت تتحدث بعقلانية، وبصدق، وهو ما كان يفتقده في تعاملاته مع الآخرين.
"أفهم. وأنا... أنا مستعد لأن أثبت لكِ. مستعد لأي شيء." قال بصدق.
"حسناً يا فهد. الأيام وحدها كفيلة بأن تبين لنا الحقائق."
"لكن لا أريدكِ أن تنتظري طويلاً. أريد أن نعرف طريقنا. أريد أن أبني مستقبلي معكِ."
شعرت هند بالدفء يتسلل إلى قلبها. هذا الاعتراف، بهذه الصراحة، أزال الكثير من الحواجز التي كانت قد وضعتها حول نفسها.
"سأتصل بكِ لاحقاً يا فهد. يجب أن أذهب الآن." قالت، وعينها تلمعان.
"حسناً هند. أتطلع لذلك."
أغلقت الخط، وقلبها يدق بسرعة. كان فهد صادقاً. كانت كلماته تحمل وزناً. لكنها كانت تخشى أن تكون قد قفزت إلى استنتاجات سريعة.
في قصر عائلة الشريف، كان الاجتماع الذي دعا إليه الوالد كبير العائلة، يستمر. كان الجو مشحوناً بالتوتر. لم يكن الأمر يتعلق بمستقبل هند وفهد فحسب، بل بمستقبل العائلة بأكملها.
"لقد وضعت هند شرطاً واضحاً." قال الوالد بصوت هادئ لكنه يحمل سلطة. "أن يتم إثبات براءة العمري، وأن يتم استعادة حقوقنا كاملة. هذه هي خطوتنا الأولى. ما لم يتم ذلك، فلن تتنازل عن موقفها."
نظر الجميع إلى بعضهم البعض. كان العمري رجلاً ذا نفوذ، ولديه أعداء كثر. إثبات براءته كان مهمة شاقة.
"لكن يا أبي،" قال أخ هند الأصغر، "قد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً. ووقت هند ثمين. إنها في قمة شبابها."
"الوقت ليس هو المشكلة يا بني." قال الوالد بحزم. "المشكلة هي كيف نصل إلى الحقيقة. العمري كان شخصاً صالحاً، لكنه تعرض لمكيدة. يجب أن نكشف عن المتورطين."
"ومن قال إننا نستطيع فعل ذلك؟" قال أحد الأعمام بتشكيك. "ربما كان العمري مذنباً بالفعل."
"أنا أرفض هذا الكلام." قال الوالد بحدة. "العمري كان رجلاً شريفاً. والآن، واجبنا أن نساعد هند في استعادة إرثها. ولأنها ابنتنا، سندعمها بكل قوانا."
فهمت هند من هذا اللقاء أن طريقها لن يكون مفروشاً بالورود. كان عليها أن تكون قوية، وحذرة، وأن تثق بحدسها. كان العمري قد ترك لها رسالة، ترك لها وصية، ترك لها أدلة. كانت هذه الأدلة كنزاً، وكان عليها أن تجيده.
خرجت من الاجتماع، متوجهة إلى مكتبة والدها. كانت تبحث عن كتاب معين، عن معلومة معينة. كانت تعلم أن العمري ترك شيئاً مختبئاً، شيئاً لم يفصح عنه لأحد.
مررت أناملها على رفوف الكتب القديمة، رائحة الورق القديم تفوح في المكان. تذكرت العمري، تذكرت حنانه، تذكرت حكمته. لقد كان رجلاً غامضاً، لكنه كان يحمل الكثير من الأسرار.
"أين أنت يا جدي؟" همست بصوت خافت. "ماذا تركت لي؟"
وبينما كانت تتفحص الكتب، لفت انتباهها كتاب قديم، مغلف بالجلد البالي. كان يبدو مختلفاً عن بقية الكتب. حين فتحته، وجدت بداخله رسالة قديمة، مكتوبة بخط العمري.
"إلى ابنتي هند،" بدأت الرسالة. "إذا كنتِ تقرئين هذا، فاعلمي أنني لم أعد معكِ. لقد تركت لكِ هذه الأمانة. لا تثقي بأحد، إلا بقلبكِ. الحقيقة مخفية، ولكنها قريبة. ابحثي عن 'المفتاح الذهبي' في المكان الذي كنا نجتمع فيه. هو مفتاح كل شيء."
"المفتاح الذهبي؟" تساءلت هند. "المكان الذي كنا نجتمع فيه؟"
تذكرت الحديقة الخلفية للقصر، حيث كانت تجلس مع العمري بين أزهار الياسمين. كان ذلك هو المكان المفضل لهما.
شعرت هند بنشاط غريب يجتاحها. بدأت ترى الخيوط تتجمع، تبدأ الصورة بالوضوح. لقد كان العمري يضع خطة، خطة لمستقبلها، وخطة لإعادة الحق إلى أهله.
خرجت من المكتبة، تحمل الرسالة بعناية. كان عليها أن تذهب إلى الحديقة، أن تبحث عن هذا المفتاح. كانت تعلم أن رحلتها قد بدأت للتو، رحلة نحو كشف الأسرار، واستعادة الحق، وإعادة بناء حياتها.
وعلى الرغم من كل التحديات، شعرت هند بقوة لم تشعر بها من قبل. كان لديها هدف، وكان لديها إيمان. وبينما كانت تخطو نحو الباب، شعرت وكأن القدر قد خط لها مساراً جديداً، مساراً مليئاً بالمغامرات، والمفاجآت، ولعل في نهايته، حب حقيقي.