زواج المصلحة الجزء الثالث
ريح التغيير وهبوب القرار
بقلم سارة العمري
استيقظت رزان مع خيوط الفجر الأولى، تحمل معها مزيجًا من الخوف الممزوج بالترقب. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تقضي أيامها في هدوء القصر، محاطة بالروتين والواجبات. أصبحت الآن على أعتاب مغامرة، رحلة نحو المجهول، مدفوعة برغبة جامحة في الحرية والحب. كانت كلماتها مع والدها، ثم لقاؤه بمهند، قد فتحت بابًا لم تكن تتخيل أنه سيُفتح لها بهذه السرعة.
كانت ترى أمامها خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام لمصير مفروض، تواصل فيه حياتها مملة، خالية من الشغف، مجرد واجهة اجتماعية لا أكثر. أو المخاطرة بكل شيء، والقفز في بحر الحياة مع من اختاره قلبها، حتى وإن كان هذا البحر عاصفًا. وبدأت تدرك أن اختيارها قد حُسم بالفعل.
تسللت بهدوء إلى غرفة والدتها الراحلة. بقايا عطرها كانت لا تزال تفوح من الوسادة، كشبح لطيف يراقبها. نظرت إلى صورتها وهي شابة، تبتسم بعفوية. "أمي، لو كنتِ هنا، هل كنتِ ستفهمين؟ هل كنتِ ستدعمينني؟" همست، وشعرت بوخزة ألم في قلبها. كانت تعلم أن والدتها كانت تحلم بحياة سعيدة لابنتها، حياة مليئة بالحب، لا بالبروتوكولات.
عندما هبطت الدرج، وجدت والدها يحتسي قهوته بهدوء، كعادته. ابتسم لها ابتسامة دافئة، وشعر بالراحة وهو يرى ابنته قد استيقظت مبكرًا.
"صباح الخير يا بنيتي."
"صباح النور يا أبي. هل أنت بخير؟"
"الحمد لله. الأفكار تدور في رأسي، ولكنني مؤمن بأن ما اخترتيه هو الأفضل لكِ. الحياة أقصر من أن نقضيها في محاولة إرضاء الجميع."
"شكرًا لك يا أبي. دعمك يعني لي الكثير."
"علينا أن نكون مستعدين لأي رد فعل. عمك صالح لن يتنازل بسهولة. وربما يتدخل جدك."
"أعلم. ولكن، مهند قال إنه مستعد للمواجهة. وهو واثق بأن الأمور ستسير."
"مهند رجل ذكي. ولكنه شاب. والعلاقات العائلية معقدة. دعيني أتحدث مع عمك صالح أولاً، بأسلوبي. ربما أستطيع تهدئة الأمور."
"هل أنت متأكد يا أبي؟ لا أريدك أن تضع نفسك في موقف صعب."
"اطمئني يا رزان. أنا أبوكِ، ومن واجبي أن أحميكِ، حتى من قراراتكِ إذا لزم الأمر. ولكن، في هذه المرة، أعتقد أنكِ على حق. هذه الحياة لكِ، وأنتِ من يجب أن يختارها."
تسللت كلمات والدها إلى قلبها كبلسم شافٍ. شعرت بالقوة تتدفق فيها.
في تلك الأثناء، كان مهند يجلس في مكتبه الخاص، يضع اللمسات الأخيرة على خطته. كان يتواصل مع بعض المستثمرين في الخارج، ويجهز عقودًا أولية. لم يكن الأمر سهلاً، ولكنه كان مدفوعًا بحب جارف ورغبة في إثبات ذاته. لم يعد يريد أن يكون مجرد وريث في شركة عائلته، بل يريد أن يبني إمبراطوريته الخاصة، التي تقوم على جهده وعرق جبينه.
جاءه اتصال من عم صالح، وارتسمت علامات الاستغراب على وجهه. لم يكن يتوقع أن يتصل به عم صالح مبكرًا.
"أهلاً يا عمي."
"مهند. جئت لأرى وجهك. هل تعلم ماذا فعلت؟ هل تعلم ما هي عواقب ما تفعله؟" كان صوت عم صالح مشحونًا بالغضب.
"أعلم يا عمي. ولكنني فعلت ما يجب أن أفعله."
"ما يجب أن تفعله؟ هل سرقة ابنة عمك وترك كل شيء هنا هو ما يجب أن تفعله؟ هل هذا هو الاحترام الذي علمناك إياه؟"
"يا عمي، الأمر ليس كذلك. أنا لا أسرق رزان. أنا أذهب معها. وبحب. وبكامل إرادتها."
"حب؟ أي حب تتحدث عنه؟ حب مؤقت؟ حب سيأخذها إلى المجهول؟ أنت تدمر مستقبلها، وتدمر سمعة العائلة."
"أنا أبني مستقبلنا، يا عمي. مستقبل أنا ورزان. مستقبل لنا وحدنا."
"أنا لن أسمح بهذا. سأتحدث مع جدك. وسأتحدث مع أبيك. لن تخرج من هذا القصر إلا على جثتي."
"أنا أتفهم غضبك يا عمي. ولكن، هذا قراري. وقرار رزان. ولا يمكن لأحد أن يغيره."
"اخرس! لن أستمع لك. عد إلى رشدك قبل أن تندم." أغلق عم صالح الخط.
شعر مهند بالضيق، ولكنه لم ييأس. كان يعلم أن هذه المعركة لن تكون سهلة.
في تلك الأثناء، كان الحاج أحمد يتناول فطوره مع عم صالح. كان عم صالح يشتعل غضبًا، يتحدث عن خيانة مهند، وعن استخفافه بالعائلة.
"ألم أخبرك يا أحمد؟ هذه هي النتائج عندما تترك الشاب يفعل ما يحلو له. لقد استغل ابنتك."
"يا صالح، اهدأ. مهند لم يستغل رزان. رزان تحبه، وهي من اختارته."
"تحبه؟ هذا كلام فارغ! إنها مجرد فتاة صغيرة. يضحك عليها بكلمتين. وهل تعرف ما هو مصيرها إذا ذهبت معه؟ هل سيتحمل مسؤوليتها؟"
"مهند رجل مسؤول. وأنا واثق من قدرته."
"وأنا غير واثق. ولن أقف مكتوف الأيدي. سأذهب إلى جدك. وسأمنع هذه المهزلة."
"يا صالح، لا تذهب إلى جدك وأنت في هذا الحال. اسمح لي أن أتحدث مع مهند أولاً. لنتأكد من كل شيء."
"لا وقت لدي يا أحمد. هذا الأمر يتعلق بسمعة العائلة."
تنهد الحاج أحمد. كان يعلم أن عم صالح رجل عنيد، ولن يغير رأيه بسهولة.
في الظهيرة، اجتمع الحاج أحمد ومهند ورزان في غرفة المعيشة. كان الجو متوترًا.
"مهند، تحدث بصدق. ما هي خطتك؟ وما الذي ستفعله؟" سأل الحاج أحمد.
"يا حاج أحمد، أنا لا أريد أن أخذ رزان قسرًا. أريد أن أتزوجها زواجًا شرعيًا. وأن نبدأ حياتنا معًا. ولدي خطة عمل واعدة في الخارج. لدي استثمارات صغيرة بدأت بها، ولدي ثقة بأنها ستنمو."
"وهل أنت متأكد أن رزان مستعدة لترك كل شيء والبدء من الصفر؟"
"لقد تحدثت معها. وهي مستعدة. ومتحمسة."
نظرت رزان إلى والدها، بابتسامة واثقة. "نعم يا أبي. أنا مستعدة. ولن أندم."
"لكن جدك وعمك صالح... لن يوافقا."
"لهذا السبب، سنغادر بسرعة. سأتزوج رزان غدًا، بعقد زواج شرعي. وسنسافر بعدها مباشرة."
"غدًا؟ بهذه السرعة؟" صرخ الحاج أحمد.
"نعم يا أبي. قبل أن يتدخل أحد."
"وماذا عن أهلي؟ ماذا عن أمك؟"
"سأخبر أمك. وسأطلب منها أن تتفهم. وأن تدعمنا."
شعر الحاج أحمد بثقل القرار. كان يعلم أن هذه الخطوة جريئة جدًا، وقد تكون محفوفة بالمخاطر. ولكن، رأى في عيني ابنته بريق الأمل، وفي عيني مهند تصميمًا لا يلين.
"حسناً. سأدعمكما. ولكن، كونوا مستعدين لأي شيء."
"شكرًا لك يا أبي." قالت رزان، وعانقته بقوة.
"سنكون مستعدين يا حاج أحمد. وسنثبت لكم جميعًا أننا على حق." قال مهند، وعيناه تلمعان بالإصرار.
انتهى الفصل تاركًا القارئ أمام نهاية الطريق، وبداية رحلة جديدة. هل سيتمكن مهند ورزان من الزواج وغادرة البلاد قبل أن يصل عم صالح وجده؟ وما هي المفاجآت التي ستواجههما في رحلتهما؟