زواج المصلحة الجزء الثالث
خيوطٌ متشابكة في سوق القديمة
بقلم سارة العمري
ارتدت ليلى عباءتها الواسعة، وغطت شعرها بحجابٍ حريريٍّ بلون اللازورد. لم يكن هدفها مجرد التسوق، بل كان الهروب. هروبٌ من صدى كلمات الشيخ سلطان، وهدير الأصوات المنبعثة من الديوان، حيث أُعلنت خطبتها الرسمية لرجلٍ لم تختاره، ولم يحبها.
كانت سوق مدينة جدة القديمة، بشوارعها الضيقة المتعرجة، وروائح البخور والبهارات التي تتطاير في الأجواء، ملاذاً لها. هنا، بين أصوات الباعة المتجولين، وصخب الحياة اليومية، كانت تشعر بأنها قادرةٌ على التقاط أنفاسها، على استعادة بعضٍ من حريتها المفقودة.
"يا حنان، إلى أين تذهبين بهذه العجلة؟"
استدارت حنان، لتجد صديقتها المقربة، ريم، تقف أمامها، تحمل سلةً مليئةً بالخضروات الطازجة. كانت ريم، ذات الشعر المائل للسواد والعينين المرحتين، تمثل البهجة والحياة في عالم حنان الذي بدأ يكتسي بالرماد.
"ريم! لم أركِ منذ أيام." حاولت حنان أن تبدو طبيعية، لكن ابتسامتها كانت باهتة.
"والله، كنتِ في عزلةٍ تامةٍ. قلقتُ عليكِ. هل كل شيءٍ على ما يرام؟" اقتربت ريم، وعيناها تفيضان بالقلق.
ترددت حنان. كيف تخبر صديقتها عن هذا الزواج المفروض؟ عن رجُلٍ لم تشعر تجاهه بأي شيءٍ سوى الرهبة؟
"كل شيءٍ على ما يرام، يا ريم. مجرد بعض الأمور العائلية." قالت حنان، متجنبةً النظر في عيني صديقتها.
"مرحباً، مرحباً!" نادت بائعٌ عجوزٌ، يبيع الأقمشة الملونة، وهو يلوح لها بيده. "ماذا ترغبين اليوم يا سيدة حنان؟ هل تبحثين عن قماشٍ لحفلٍ قادم؟"
تسمرت حنان في مكانها. حفلٌ قادم. وكأن كل العالم قد اتفق على تذكيرها بما هو قادم. "لا، شكراً لك. أنا فقط أتصفح."
"تتصفحين؟ وأنتِ بالكاد تبتسمين؟" قالت ريم، وقد لاحظت تعابير وجه حنان. "ما الأمر حقاً؟"
بعد لحظاتٍ من الصمت، رفعت حنان رأسها، وقالت بصوتٍ هامس: "لقد وافق الشيخ سلطان على خطبتي."
اتسعت عينا ريم. "خطبتكِ؟ ولكن... لمن؟"
"لفهد بن راشد."
صمتت ريم لبرهة، وقد اختفت الابتسامة من وجهها. كانت تعرف جيداً من هو فهد بن راشد. رجلٌ ثري، ذو نفوذ، ولكن أيضاً رجُلٌ قاسٍ، لا يرحم. "فهد بن راشد؟ متى حدث هذا؟"
"اليوم. كان لقاءً مفاجئاً. أعلن عنه الشيخ سلطان. لم يكن لدي وقتٌ لرفض الأمر."
"رفض الأمر؟ ولكنه رجلٌ لا يُمكن تجاهله!" قالت ريم، وهي تمسك بذراع حنان. "ولكن هذا لا يعني أن تتخلي عن سعادتكِ، حنان. هذا زواجٌ بدون حب، زواجٌ قد يجعلكِ تعيسةً للأبد."
"ولكن ما الخيار الآخر، يا ريم؟ هل أُعصي الشيخ سلطان؟ هل أُعرض عائلتي للخطر؟" قالت حنان، وقد اختنقت بالدموع. "أنا المسؤولة عنهن. وهذا هو الطريق الوحيد لضمان مستقبلهن."
"ولكن مستقبلكِ أنتِ؟ ألا يستحق مستقبلكِ أن تعيشيه بسعادة؟"
"السعادة مفهومٌ واسعٌ، يا ريم. وقد تكون السعادة أحياناً في التضحية. في تحقيق الأمن لعزيزٍ عليك."
سارت ريم مع حنان، وقد غلف الصمت الموقف بينهما. كانت تحاول أن تفهم، وأن تجد كلماتٍ تخفف من وطأة الخبر.
"أتذكرين عندما كنا صغاراً، يا حنان؟ كنتِ تحلمين بأن تتزوجي من رجلٍ طيبٍ، يحب الشعر، ويأخذكِ إلى أماكن بعيدة." قالت ريم، محاولةً إدخال لمسةٍ من الماضي الجميل.
ابتسمت حنان ابتسامةً حزينة. "نعم، أتذكر. لكن أحلام الطفولة تتبخر في وجه الواقع."
"ولكن الواقع ليس دائماً قاسياً، يا حنان. أحياناً، قد يخبئ لنا القدر ما هو أجمل مما نتصور."
"أتمنى ذلك، يا ريم. أتمنى ذلك حقاً."
وصلا إلى أحد أكشاك بيع الحلويات الشرقية. اشترت حنان بعضاً من الكنافة، وقطعةً من البقلاوة. كانت هذه هي الأشياء الصغيرة التي تعطي لحياتها معنىً، ولو بسيطاً.
"هل رأيتِ فهد بن راشد؟ كيف كان؟" سألت ريم بفضول.
"لم أره عن قرب. سمعتُ صوته. وبدا عليه الجدية. لم يكن هناك أي حديثٍ عن مشاعر."
"هذا ما أخشاه. رجلٌ مثل فهد بن راشد، لا يهمه سوى المصالح. لن يعطيكِ الحب الذي تستحقينه."
"ولكنه رجلٌ نبيل، وذو سمعةٍ طيبةٍ." قالت حنان، مدافعةً عن القرار، وكأنها تحاول إقناع نفسها.
"السمعة الطيبة ليست دائماً مرآةٌ للقلب." قالت ريم بهدوء. "ولكن، بما أن الأمر قد تم، فعليكِ أن تجتهدي. حاولي أن تجدي فيه ما يُمكن أن تُحبيه. ربما لديه جانبٌ خفي."
"أتمنى ذلك."
"وعليكِ أن تتذكري دائماً أنكِ قوية، يا حنان. لا تدعي هذا الزواج يكسركِ. كوني قوية، وابحثي عن سعادتكِ حتى في ظل الظروف."
"شكراً لكِ، يا ريم. أنتِ دائماً مصدر قوتي."
تغيبت الشمس، وبدأت الأنوار الخافتة تتلألأ في السوق. شعرتا بالبرد يتسلل إلى أطرافهما، وبضرورة العودة إلى القصر.
"هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ بخير؟" سألت ريم مرةً أخرى.
"سأكون كذلك، يا ريم. لا تقلقي." قالت حنان، محاولةً أن تبث الطمأنينة في صديقتها، وفي نفسها.
عندما انصرفت ريم، وقفت حنان وحدها للحظاتٍ، تنظر إلى الأبواب الضخمة لقصر الشيخ سلطان. كان القصر ينتظرها، وحياتها الجديدة بانتظارها. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية، ولكنها تعلمت كيف ترقص على حافتها.
كانت خيوط مصيرها تتشابك، وتُنسج في نسيجٍ غامضٍ، لم تستطع حتى الآن رؤية ملامحه. لكنها كانت تعلم شيئاً واحداً: إن عليها أن تكون مستعدةً لكل ما سيأتي. وأن تتذكر دائماً صوت ريم، وصوت الأمل، حتى في أحلك الظروف.