زواج المصلحة الجزء الثالث
قرارات جريئة وليالٍ مضطربة
بقلم سارة العمري
كانت نسمات الليل الهادئة تحمل معها عبق الياسمين من حدائق القصر، ممزوجًا بتوتر شديد يخيم على الأجواء. لم تعد الأيام مجرد أيام، بل أصبحت سباقًا مع الزمن، معركة ضد التقاليد المتجذرة، وضد رغبات الأقوياء. في تلك الليلة، جلست رزان في غرفتها، وقلبها يخفق بقوة، كطائر محبوس يريد الانطلاق. كانت حقائبها مجهزة، ملابسها وأغراضها الضرورية مرصوصة بعناية. كل شيء كان جاهزًا للانطلاق، ما عدا الموافقة النهائية من بعض القلوب.
تسللت إلى غرفة والدها، وجدته مستيقظًا، يتصفح بعض الأوراق. رفعت حاجبها باستغراب.
"أبي، ألم تنم بعد؟"
"لا يا بنيتي. أفكار كثيرة تدور في رأسي. لا أستطيع أن أغمض لي جفنًا."
"هل أنت قلق؟"
"قلق؟ نعم. ولكني مؤمن بأن ما تفعلينه صحيح. سعادتك هي الأهم. ولكن، كيف ستقنعين والدتك؟"
ارتسمت علامات الأسى على وجه رزان. "أمي... سأخبر أمي. سأشرح لها كل شيء. أعرف أنها ستفهمني."
"أتمنى ذلك يا بنيتي. والدتك روح طيبة، ولكنها متعلقة بالتقاليد مثلها مثل عمك صالح. ولكن، مهند رجل واعد. لديه عقل وقلب. ثقي به."
"أنا أثق به يا أبي. أكثر مما تتخيل."
في تلك الأثناء، كان الحاج أحمد قد اتصل بوالدة رزان، الحاجة فاطمة، التي تعيش في فيلا مستقلة.
"فاطمة، أريد أن أتحدث معكِ في أمر مهم جدًا. الأمر يتعلق برزان."
"خير يا أحمد؟ هل حدث شيء؟"
"نعم. رزان قررت أن تتزوج من مهند. غدًا."
ساد صمت طويل على الطرف الآخر من الخط. ثم، بصوت مختنق، قالت الحاجة فاطمة: "غدًا؟ بهذه السرعة؟ هل جننت؟"
"هي ليست مجنونة يا فاطمة. هي تحب مهند. وهو يحبها. ولديهم خطة للسفر والبدء بحياة جديدة."
"حياة جديدة؟ وماذا عن مستقبلها؟ عن سمعة العائلة؟ هل فكر مهند في هذا؟"
"هو فكر. وهي فكرت. وأنا أقف معهما. ولكن، أحببت أن أخبركِ أولاً. وأطلب منكِ أن تتحدثي مع رزان. لعل صوت الأم يكون له تأثير."
"سأتحدث معها. ولكن، لا تتوقع مني أن أؤيد هذه المهزلة. سأحاول أن أمنعها."
"لا تحاولي يا فاطمة. أعتقد أن القرار قد اتخذ. ولكن، لعل نصيحتكِ تغير شيئًا."
في صباح اليوم التالي، كانت الأجواء في القصر مشحونة. عم صالح كان يتنقل بغضب في أرجاء القصر، يتوعد ويتوعد. جد الحاج، السيد عبد الرحمن، كان حاضرًا، يبدو عليه الغضب والإحباط.
"لا يمكن أن يحدث هذا! لا يمكن أن نسمح لهذه الفضيحة أن تحدث!" كان عم صالح يصيح.
"اهدأ يا صالح. لا تتسرع في الحكم." قال الجد بصوت هادئ ولكنه يحمل السلطة.
"كيف أهدأ يا أبي؟ مهند، ابن أخي، يريد أن يأخذ ابنة عمته ويهرب بها. هل هذا يليق بسمعتنا؟"
"مهند رجل. ولديه الحق في اختيار شريكة حياته. ورزان فتاة. ولديها الحق في اختيار زوجها."
"ولكن، هل تعلمون ما هي خطته؟ هل تعلمون إلى أين سيذهب؟"
"لقد تحدثنا معه. لديه خطة واعدة. ولديه ثقة في نفسه." قال الحاج أحمد.
"ثقة؟ أم تهور؟" سخر عم صالح. "هذه ليست خطة، هذه مغامرة. مغامرة ستؤدي إلى دمارهم."
"ربما. وربما تنجح." قال الجد. "دعونا نرى. دعونا نرى ما سيحدث."
بعد قليل، نزلت رزان، ترتدي ثوبًا بسيطًا ولكنه أنيق. كانت تبدو قوية، رغم التوتر الواضح في عينيها.
"صباح الخير." قالت بصوت ثابت.
"صباح النور." رد الجميع.
"عمي صالح، وجدي. أريد أن أقول لكم شيئًا."
"تفضلي." قال الجد.
"أنا أحب مهند. وأريد أن أتزوجه. ولدي ثقة كاملة به. وهو يريد أن يبني مستقبلًا لنا. مستقبل مبني على الحب والعمل. أنا لا أخشى المجهول، بل أتطلع إليه. وأرجو أن تتفهموا قراري."
نظر عم صالح إليها ببرود. "فهم؟ كيف نفهم؟ نفهم أن ابنتنا تهرب؟ نفهم أننا لا نملك أي قيمة؟"
"لا يا عمي. أنتم لكم كل القيمة. ولكن، هذه حياتي. وأنا من سيعيشها."
"وهل فكرتِ في والدتك؟" سأل الجد.
"نعم. وقد تحدثت معها. وهي... تحاول أن تتفهم."
في تلك اللحظة، دخلت الحاجة فاطمة. كان وجهها شاحبًا، وعيناها محمرتين.
"رزان! ماذا تفعلين؟"
"أمي. أنا... سأتزوج."
"هل أنتِ مجنونة؟ أتريدين أن تدمريني؟"
"لا يا أمي. أريد أن أعيش. أريد أن أكون سعيدة."
"السعادة ليست في الهروب يا رزان. السعادة في بناء أسرة، في الاحترام، في البقاء في مكانك."
"ولكن، إذا كان هذا المكان لا يسعدني؟ إذا كنت أشعر فيه بالاختناق؟"
"لا تفعلي هذا يا ابنتي. أرجوكِ." توسلت الحاجة فاطمة.
"لقد اتخذت قراري يا أمي." قالت رزان، وعيناها تلمعان بالدموع.
في هذه الأثناء، كان مهند قد وصل إلى القصر. كان يرتدي بدلة أنيقة، ووجهه يحمل علامات تصميم وعزيمة.
"صباح الخير." قال بصوت واضح.
"أنت هنا." قال عم صالح بلهجة تهديد.
"نعم يا عمي. جئت لأخذ رزان. وبالحلال."
"بالحلال؟ هل تعتقد أن هذه زيجة حلال؟"
"نعم يا عمي. لأنها مبنية على الحب والاحترام. وسنتزوج الآن، بحضور شهود. ثم سنرحل."
"لن ترحل!" صرخ عم صالح.
"سأرحل يا عمي. ولا يمكنك أن تمنعني."
"سأتصل بالشرطة!"
"اتصل. لا أخشى شيئًا."
في تلك اللحظة، تدخل الحاج أحمد. "لا يا صالح. لن تتصل بالشرطة. ولا أحد سيمنع هذه الزيجة. إذا كان مهند قادرًا على إسعاد ابنتي، فأنا موافق."
نظر عم صالح إلى الجد. "أبي، ماذا تقول؟"
"أقول إن علينا أن نتقبل قرار الأبناء. إذا كان الحب صادقًا، فسوف يثبت نفسه."
شعر عم صالح بالهزيمة. كان يعلم أن كل محاولاته قد باءت بالفشل.
تم عقد الزواج بسرعة. كان مهند ورزان يقفان بجانب بعضهما البعض، وجوههما تحمل مزيجًا من الفرح والقلق.
"زوجتك ابنتي، يا مهند. وأنا أسلمها إليك. حافظ عليها." قال الحاج أحمد بصوت متهدج.
"سأحافظ عليها يا حاج أحمد. وسأجعلها أسعد امرأة في العالم." وعد مهند.
بعد انتهاء مراسم الزواج، ودعت رزان والدتها بدموع. "سامحيني يا أمي. ولكني أعدكِ بأن أكون سعيدة."
"أتمنى لكِ السعادة يا ابنتي. ولكني سأفتقدكِ كثيرًا." قالت الحاجة فاطمة، وهي تحتضن ابنتها.
ثم، توجه مهند ورزان نحو السيارة. كانت هناك سيارة أخرى تنتظرهما. سيارة الشحن.
"هل كل شيء جاهز؟" سأل مهند.
"كل شيء جاهز يا سيدي." رد السائق.
"إلى أين سنذهب الآن؟" سألت رزان.
"إلى المطار. ثم إلى بلد بعيد. لنبدأ حياتنا الجديدة." أجاب مهند، وهو يمسك بيدها.
انتهى الفصل تاركًا القارئ أمام مشهد الرحيل. هل ستنجح خطة مهند؟ وهل سيتجاوزون العقبات التي تنتظرهم؟ وهل سيتمكنون من بناء حياة سعيدة بعيدًا عن قيود عائلتيهما؟