زواج المصلحة الجزء الثالث

وهجٌ خادعٌ في قصر الراشد

بقلم سارة العمري

لم تكن ليلةً عاديةً بالنسبة لحنان. منذ إعلان الخطوبة، مرت أيامٌ معدودةٌ، لكنها بدت وكأنها دهور. كانت تفصلها عن يوم الزفاف مجرد أسابيع، وكانت كل لحظةٍ تقضيها في قصر الشيخ سلطان تزيدها شعوراً بأنها تسير في طريقٍ لم تختره.

في هذا المساء، تلقت حنان دعوةً غريبةً. فهد بن راشد، خطيبها، قد دعاها لزيارة قصره. لم يكن الأمر يتضمن أي ترتيباتٍ عائليةٍ رسمية، بل مجرد دعوةٍ شخصيةٍ، تحمل في طياتها دعوةً لزيارة مكتبه.

ارتدت حنان عباءتها، وشعرت بشيءٍ من التوتر. لم تكن تعرف ماذا ينتظرها. كان قصر آل راشد، ببنائه الحديث وفخامته الباردة، مختلفاً تماماً عن قصر الشيخ سلطان. كان يعكس شخصية فهد بن راشد: قوي، ولكنه خالٍ من الدفء.

استقبلها خادمٌ بابتسامةٍ رسمية، وقادها عبر قاعاتٍ واسعةٍ، مزينةٍ بلوحاتٍ فنيةٍ حديثة. كان القصر يبدو وكأنه متحفٌ، وليس بيتاً.

"تفضلي يا سيدة حنان." قال الخادم، وهو يفتح باباً كبيراً.

دخلت حنان إلى مكتبٍ فخمٍ، تتوسطه طاولةٌ ضخمةٌ، وكتبٌ مرصوصةٌ على رفوفٍ أنيقة. كان فهد بن راشد يقف عند النافذة، يتأمل المنظر الخارجي.

"تفضلي بالجلوس." قال فهد، دون أن يلتفت إليها.

جلست حنان على أحد الكراسي الجلدية، وقد بدأت تشعر بالبرودة تتسلل إلى قلبها.

"أردتُ أن أتحدث معكِ قبل أن نبدأ في الترتيبات النهائية للزواج." قال فهد، وقد استدار ليواجهها. كانت عيناه تبدوان أكثر حدةً في هذا المكان.

"نعم، يا سيد فهد."

"كما تعلمين، هذا الزواج ليس مجرد زواجٍ تقليدي. إنه يجمع بين عائلتين لهما مصالح متشابكة."

"علمتُ ذلك من عمي." قالت حنان، بصوتٍ يكاد لا يُسمع.

"وولذلك، أريد أن أكون واضحاً معكِ. أنتِ لستِ مجرد زوجةٍ. أنتِ شريكةٌ."

"شريكةٌ؟"

"نعم. لقد أخبرني عمكِ عن قدراتكِ. عن ذكائكِ، وقدرتكِ على التحليل. وأنا أؤمن بأن الاستثمار في الأصول الكامنة هو المفتاح للنجاح."

شعرت حنان بالدهشة. لم تتوقع أبداً أن ينظر إليها بهذه الطريقة. كان الجميع يرونها مجرد فتاةٍ جميلةٍ، تبحث عن زوجٍ.

"ولذلك، أريدكِ أن تعلمي أنني سأعتمد عليكِ في بعض الأمور. سأُطلعكِ على بعض الصفقات، وسآخذ رأيكِ."

"ولكنني... لا أملك خبرةً كبيرةً في هذا المجال." قالت حنان، بخجل.

"الخبرة تأتي مع التعلم، ومع الفرصة." قال فهد، وقد بدأت ملامح وجهه تخفف قليلاً. "وعمكِ قال لي إنكِ ذكيةٌ وسريعةُ التعلم. لذلك، سأمنحكِ هذه الفرصة."

"ولكن... ماذا عن مشاعري؟" سألت حنان، بجرأةٍ مفاجئة.

نظر إليها فهد، وقد ارتسمت على وجهه نظرةٌ غريبة. "مشاعركِ؟"

"نعم. أنا... لستُ متأكدةً من أنني سعيدةٌ بهذا الزواج. ولكنه قد يكون بدايةً لأي شيءٍ. وأنا أريد أن أعرف ما هو مكاني في هذه الشراكة. وهل هناك أي مكانٍ لمشاعرٍ قد تنشأ بيننا؟"

صمت فهد لبرهةٍ، ثم قال: "الحب، يا حنان، مسألةٌ معقدةٌ. وأنا، بصراحةٍ، لستُ مطلعاً على تفاصيلها. ولكنني أعلم أن الاحترام، والوفاء، والتقدير، هي أسسٌ لأي علاقةٍ ناجحةٍ. وإذا نشأت بيننا مشاعرٌ، فهذا سيكون شيئاً جيداً. ولكنني لا أستطيع أن أعدكِ بشيءٍ لا أملكه."

"ولكن هل أنتَ منفتحٌ على إمكانية ذلك؟" سألت حنان، وقد استجمعت كل شجاعتها.

"أنا منفتحٌ على كل ما يجعل هذه الشراكة ناجحةً، يا حنان. سواء كان ذلك حبّاً، أو توافقاً، أو مصلحةً مشتركةً. المهم هو أن نحقق أهدافنا."

شعرت حنان بخيبة أملٍ طفيفةٍ، ولكنها أيضاً شعرت بشيءٍ من الأمل. فهد لم يكن مجرد رجلٍ قاسٍ، بل كان رجلاً واقعياً، يبحث عن استقرارٍ، وعن نجاحٍ.

"إذاً... سأحاول أن أكون عند حسن ظنكِ، يا سيد فهد." قالت حنان، وقد بدأت تشعر ببعض الثقة.

"هذا ما أريده." قال فهد. "والآن، أريدكِ أن تطلعي على هذه الوثائق."

مد فهد حنان ببعض الأوراق. كانت تتضمن عقوداً وصفقاتٍ تجاريةً. بدأت حنان تقرأها، وشعرت بأن عقلها يبدأ في العمل، في التحليل. كانت المعلومات معقدةً، ولكنها كانت تفهمها.

"هذه الصفقة تبدو مخاطرةً كبيرةً." قالت حنان، بعد قليلٍ من التفكير. "ولكن أعتقد أن هناك طريقةً لتحسين شروطها."

نظر إليها فهد، وقد بدأت نظرةٌ من الإعجاب تظهر في عينيه. "كيف؟"

بدأت حنان تشرح وجهة نظرها، كيف يمكن تعديل بعض البنود، وكيف يمكن استغلال بعض الفرص التي لم يلتفت إليها فهد. كان فهد يستمع إليها بانتباهٍ شديدٍ، وكأنه يكتشف جانباً جديداً من شخصيتها.

"هذا... منطقيٌّ جداً." قال فهد، بعد أن أنهت حنان شرحها. "لم أفكر في الأمر من هذه الزاوية."

"أنا فقط أحاول أن أكون مفيدةً." قالت حنان، وقد شعرت بفرحةٍ غامضةٍ.

"لقد كنتِ أكثر من مفيدةٍ، يا حنان. لقد كنتِ... رائعةً."

كانت هذه الكلمة، "رائعةً"، تتردد في أذني حنان. لم تسمعها من قبل من فهد. شعرت بأن وهجاً خادعاً قد بدأ يتسلل إلى قلبها. وهجٌ لم تكن تعرف ما إذا كان سيُدفئها، أم سيُحرقها.

"شكراً لك، يا سيد فهد." قالت حنان، وقد بدأت تشعر بأن هذه الشراكة قد لا تكون مجرد شراكةٍ تجاريةٍ، بل قد تكون بدايةً لشيءٍ مختلفٍ تماماً. شيءٌ لم تكن تتوقعه، ولم تكن مستعدةً له.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%