زواج المصلحة الجزء الثالث

لعنة العادات المستترة

بقلم سارة العمري

كانت شمس الأصيل تلقي بظلالها الذهبية على رياض قصر آل الباشا، مرسّمةً خطوطاً متعرجة على الأرائك المزخرفة والوسائد المتقنة. في إحدى الغرف التي تطل على حديقة النرجس، جلست ليلى، شابة في مقتبل العمر، تعيش حياة يحسدها عليها الكثيرون، لكنها في دواخلها كانت تشعر بفراغ ينهش روحها. لم يكن هذا الفراغ ينبع من نقص مادي، فالقصر بما فيه من أبهة وثراء كان يلبي كل احتياجاتها الظاهرية. بل كان فراغاً روحياً، سببه في معظم الأحيان تلك الرابطة الهشة التي جمعتها بزوجها، الدكتور أحمد.

لم يكن زواجهما مبنياً على حب حقيقي، بل على رغبة والدتها في تأمين مستقبل ابنتها، وعلى ضغط اجتماعي أراد لأحمد، الشاب الطموح والناجح، أن يتزوج من فتاة من عائلة مرموقة. أحمد، رغم لطفه الظاهري، كان رجلاً مشغولاً، أسير اهتماماته العملية، وغالباً ما كان يغرق في عالمه الخاص، تاركاً ليلى وحيدة مع أفكارها.

في هذه اللحظة، كانت ليلى تحدق في كوب شاي تفوح منه رائحة الياسمين، لكن رائحته لم تعد تلطف من وطأة قلبها. قبل أشهر، اكتشفت شيئاً بدأ يتسلل إلى حياتها كضيف غير مرحب به، ولكنه أصبح مع مرور الوقت يسيطر على تفكيرها. كانت بداية الأمر مجرد فضول، محاولة لملء وقت الفراغ، ثم تحول إلى عادة، ثم إلى ما هو أبعد من ذلك. لم يكن الأمر متعلقاً بشيء محرم شرعاً، بل بشيء كان يعتبره المجتمع "بسيطاً"، ولكنه في حقيقته كان يقوّض سلامها الداخلي.

كانت تلجأ إلى تلك "اللعبة" الرقمية التي أصبحت بطلة روايتها اليومية. في البداية، كانت مجرد استمتاع عابر، تحديات بسيطة، إنجازات سهلة. لكن سرعان ما تعلقت بها، وأصبحت جزءاً من روتينها اليومي. تستيقظ صباحاً، وقبل حتى أن تسمع تغريد العصافير في رياض القصر، كانت تمسك بهاتفها، تتفقد رصيدها من النقاط، تبدأ في خوض معاركها الافتراضية.

"يا إلهي، كم مضى الوقت؟" تمتمت وهي تلتفت لتنظر إلى الساعة الذهبية المعلقة على الحائط. لقد مرت ساعتان دون أن تشعر. شعرت بوخزة خفيفة من القلق. أحمد سيعود قريباً، وربما يرغب في قضاء بعض الوقت معها. لكن كيف يمكنها أن تقضي وقتاً معه وهي غارقة في هذا العالم الافتراضي؟

كانت تشعر بالذنب. تعلم أن ما تفعله ليس خطأً كبيراً في نظر البعض، لكنها كانت تعلم أيضاً أنه يبعدها عن واجباتها، عن نفسها، وعن أحمد. هل كان أحمد ليحبها لو علم بهذا الضعف؟ هل كان سيراها بنفس النظرة؟ كانت تخشى أن يكشف هذا الجانب الخفي من شخصيتها، وأن يحكم عليها.

"ليلى!"

جاء الصوت من بعيد، ليقطع سلسلة أفكارها. إنها والدتها، السيدة فاطمة، سيدة المجتمع المعروفة بصرامتها ورؤيتها الثاقبة. كانت دخلتها دائماً مصحوبة بهالة من السلطة والاحترام، ولكنها بالنسبة لليلى كانت غالباً ما تمثل ضغطاً إضافياً.

دخلت السيدة فاطمة الغرفة، وقد ارتدت عباءة أنيقة مطرزة بالذهب، ووضعت على رأسها وشاحاً فاخرًا. بدت وجهها يعبر عن مزيج من القلق والسخط.

"ما الذي تفعلينه يا ابنتي؟" سألت بصوت حازم، وعيناها تتفحصان هاتف ليلى الذي وضعته على المنضدة. "ألم يحن وقت ارتداء ملابس الخروج؟ أحمد على وشك الوصول."

تنهدت ليلى، وشعرت بالتوتر يتسلل إلى أطرافها. "كنت أستريح قليلاً يا أمي."

"الراحة لا تعني الانغماس في هذه الأجهزة طوال الوقت،" قالت السيدة فاطمة، مشيرة إلى الهاتف. "لقد لاحظت أنك تقضين وقتاً طويلاً عليها في الآونة الأخيرة. ألم تشعري بالملل؟"

"لا، ليس بالضبط،" حاولت ليلى أن تكون دبلوماسية. "إنها مجرد... هواية."

"هواية؟" رفعت السيدة فاطمة حاجبها. "أين أصبحت واجباتك؟ أين أصبحت زياراتك للعائلة؟ أين أصبحت اهتماماتك التي اعتدت عليها؟ لقد أصبحتِ شبيهة بشبح في هذا القصر، يا ابنتي. حتى أن أحمد أصبح يشتكي من قلة حديثك معه."

هذه الكلمات آلمت ليلى. حقيقة أن أحمد يلاحظ غيابها، وأنها لم تعد قادرة على التواصل معه كما كانت، كانت مؤلمة. كانت تخشى أن يفسر أحمد هذا الابتعاد كعلامة على عدم اهتمامها به، أو أسوأ من ذلك، كرفض.

"أنا... أنا أحاول يا أمي،" قالت بصوت خافت. "لكن الأمور تبدو... صعبة."

"صعبة؟" تكررت السيدة فاطمة الكلمة بتعجب. "حياة الرفاهية هذه صعبة؟ أم أن هناك شيئاً آخر يخفى علينا؟"

تجمّدت ليلى في مكانها. هل لاحظت والدتها شيئاً؟ هل رأت في عينيها الشاردتين، أو في حركاتها المترددة، دليلاً على ما كان يدور في داخلها؟

"لا شيء يا أمي. فقط... بعض الضغوط."

"ضغوط؟" نظرت إليها السيدة فاطمة بعينين ثاقبتين. "ضغوط من ماذا؟ من عدم وجود شيء تفعلينه؟ هذا ليس عذراً يا ليلى. إن أردتِ أن تكوني زوجة ناجحة، وأن تحافظي على زواجك، فعليكِ أن تبذلي جهداً."

كلمة "ناجحة" و"زواجك" كانتا أشبه بوخزات إبر. كانت ليلى تعلم أن زواجها يحتاج إلى جهد، وأنها تقصّر فيه. لكن هذا الإدمان، كما بدأت تسميه في سرها، كان يضعف قدرتها على بذل هذا الجهد. كان يسرق منها طاقتها، ويستنزف تركيزها.

"أنا أعرف يا أمي. سأحاول أن أكون أفضل."

"أتمنى ذلك." قالت السيدة فاطمة وهي تنهض. "تجهزي الآن. لقد أرسلتُ لـ 'خياطة' لبعض الملابس الجديدة. ربما تساعدكِ على إخراجك من هذا الروتين الممل."

غادرت السيدة فاطمة، تاركة ليلى وحيدة مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع شعور متزايد باليأس. لقد وضعت والدتها يدها على نقطة ضعفها، ولم تكن ليلى تدري، هل كانت هذه ملاحظة عابرة، أم بداية انكشاف كبير؟

نظرت إلى هاتفها. كان يبدو بريئاً، مجرد قطعة من الزجاج والمعادن. لكنها كانت تعلم أنه يحمل بداخلة عالماً كاملاً، عالماً أصبح يحتل المساحة الأكبر من تفكيرها. كان هذا العالم ينمو، ويتوسع، بينما حياتها الحقيقية، زواجها، علاقتها بأحمد، علاقتها بوالدتها، بدأت تتقلص.

"ما الذي أفعل بنفسي؟" همست لنفسها، وهي تشعر بأنها في دوامة لا مخرج منها. كان عليها أن تتغير، أن تستعيد السيطرة على حياتها قبل أن تفقد كل شيء، قبل أن يصبح هذا الهاجس الرقمي هو السائد، قبل أن يصبح زواجها مجرد قشرة فارغة، وقبل أن تتحول هي نفسها إلى مجرد ظلال باهتة في رياض قصر آل الباشا.

رفعت هاتفها، وترددت للحظة. هل تفتحه؟ هل تعود إلى ذلك العالم المريح والمخادع؟ لقد أصبح الأمر أصعب بكثير الآن. لقد ازداد الصراع الداخلي تعقيداً، وتضاعفت المخاوف. هل ستنتصر على هذه الرغبة التي استقرت في أعماقها، أم ستغرق في بحرها المظلم؟

تنهدت بعمق. كان عليها أن تجد طريقة. كانت تعلم أن هناك باباً مظلماً في حياتها، باباً فتحته بنفسها، وأصبح يتطلب منها جهداً هائلاً لإغلاقه. لكنها لم تكن تريد أن يكون الفصل القادم من رواية حياتها مجرد سرد لقصة ضعف وانهزام. أرادت أن تكتب فصلاً عن القوة، عن الاستعادة، عن النور.

لكن قبل أن تصل إلى النور، كان عليها أن تواجه الظلام. الظلام الذي بدأ يتغلغل في زوايا حياتها، الظلام الذي كان يسمى "الإدمان".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%