لقاء القدر الجزء الثاني

أريج الياسمين ولهيب الشوق

بقلم مريم الحسن

كانت نسمة باردة، تحمل معها عبق الياسمين المتسلق على جدران البيت القديم، تتسلل عبر نافذة الغرفة العالية، لتلامس وجنتها برفق. استيقظت "لؤلؤة" على هذا اللقاء الحسي، شعرت كأن فصول السنة اجتمعت في تلك اللحظة. الشتاء ببرودته، والربيع بزهرته، والصيف بنفحاته العطرة. فتحت عينيها ببطء، تتلقف أشعة الشمس الذهبية التي اخترقت ستائر الغرفة السميكة، مرسلة ظلالاً راقصة على الأرضية العتيقة.

نهضت من فراشها الوثير، يلفها وشاح النوم الحريري، وألقت نظرة سريعة على المرآة المعلقة فوق المنضدة. لمحت انعكاس وجهها الشاحب قليلاً، لكن عينيها السوداوين الواسعتين كانتا تلمعان ببريق لا تخطئه العين. كانت "لؤلؤة" فتاة في ربيعها الثاني والعشرين، جمالها هادئ، يميل إلى الغموض، كما لو كانت تحمل في أعماقها قصصاً وحكايات لم تُروَ بعد. شعرها الأسود الفاحم، المنسدل على كتفيها، يذكر بلون الليل العميق، وعيناها تعكسان بحرًا من الحنان، تخفيه وراء جفونها الطويلة.

في الخارج، كانت ضجة الصباح قد بدأت. أصوات الخدم في المطبخ، وزقزقة العصافير على أغصان أشجار النخيل الوارفة، ونداءات الباعة الجائلين في الأزقة القريبة. كانت هذه ضجة "الرياض" التي تعرفها، المدينة العريقة التي شهدت ميلادها وترعرعها، المدينة التي تحمل في ثناياها عبق التاريخ ورائحة الأصالة.

كانت "لؤلؤة" ابنة الحاج "عبد الرحمن"، رجل الأعمال المعروف، ذو القلب الطيب والنفس السخية. ترعرعت في بيتٍ كريم، يفتح أبوابه للضيف، ويشد على يد المحتاج. تعلمت في صغرها كيف تُقدّر قيمة الحياة، وكيف يكون الحب في الله أسمى معاني الوجود. كان والدها قد غرس فيها تعاليم الدين وقيم المجتمع، فصارت مثالاً للفتاة المهذبة، ذات الأخلاق الرفيعة.

أنهت "لؤلؤة" استعدادها، ارتدت ثوباً فضفاضاً بلون زهر اللوز، زينته بحزام ذهبي رقيق. وضعت القليل من الكحل حول عينيها، ومررت يديها على شعرها لتنسدل خصلاته الناعمة. لم تكن تحب التبرج المبالغ فيه، فجمالها الطبيعي كان أبلغ من أي زينة.

نزلت إلى بهو البيت الواسع، حيث استقبلتها رائحة القهوة العربية والهيل. كان والدها يجلس في صدر الديوان، يحتسي قهوته الصباحية، ويقرأ في صحيفة ورقية، بينما كانت والدتها، الحاجة "فاطمة"، تراجع فواتير المنزل مع إحدى الخادمات.

"صباح الخير يا بنيتي،" قال الحاج "عبد الرحمن" بصوتٍ دافئ، ورفع رأسه ليبتسم لابنته.

"صباح النور يا أبي، صباح النور يا أمي،" أجابت "لؤلؤة"، ثم قبلت رأس والدها ووجنة والدتها.

"كيف نمتِ يا حبيبتي؟" سألت الحاجة "فاطمة"، وابتسامة حانية ترتسم على وجهها.

"بخير والحمد لله،" أجابت "لؤلؤة"، ثم جلست إلى جانب والدها.

تناولوا فطورهم في هدوء، وتبادلوا أخبار الصباح. كانت "لؤلؤة" تشعر بسعادة غامرة وهي ترى والدتها تعتني بكل تفاصيل المنزل، وكيف كان والدها سنداً لها وللعائلة. هذا الاستقرار الأسري، وهذه المودة العميقة، كانت هي التي تشكل وجدانها، وتمنحها القوة لمواجهة أي صعوب.

بعد الإفطار، اتجهت "لؤلؤة" إلى مكتبتها الخاصة، وهي غرفة تحوي كنزاً من الكتب التي تعشقها. كانت شغوفة بالقراءة، تتنقل بين روايات التاريخ، وديوان الشعر، وكتب الفقه. في هذه الغرفة، كانت تجد ملاذها، عالمها الخاص الذي تنسى فيه هموم الدنيا.

جلست إلى مكتبها الخشبي المصقول، وفتحت كتاباً بعنوان "رحلة إلى الأندلس". غاصت في صفحاته، تتخيل قصور الحمراء، وحدائق غرناطة، وعشق شعراء بني عباد. فجأة، رن هاتفها المحمول، قاطعاً صمت المكتبة.

"مرحباً؟" أجابت.

"لؤلؤة؟ أختك "نور" معك،" جاء صوت شقيقتها الصغير، المفعم بالحياة والحيوية.

"أهلاً بك يا "نور"! ما الخبر؟"

"تخيلي يا لؤلؤة، عمي "خالد" اتصل الآن. لقد حددوا موعداً نهائياً للعقد. بعد ثلاثة أيام فقط!"

تجمدت "لؤلؤة" في مكانها. شعرت بقلبها يضرب بقوة في صدرها. ثلاثة أيام! الوقت يمر كالسهم، وهي لا تزال تشعر بأنها لم تستوعب ما حدث. خطوبة! قرارٌ مصيري، سيغير مجرى حياتها.

"ثلاثة أيام؟ هل أنتِ متأكدة؟" سألت بصوتٍ متردد.

"نعم، هذا ما قاله عمي. أعدي نفسك، فالموضوع جدّي."

أغلقت "لؤلؤة" الهاتف، وشعرت بدوار خفيف. لم تتوقع هذا التقارب في المواعيد. كانت تفكر في "أحمد"، الشاب الذي اختاره والدها ليكون شريك حياتها. شابٌ تعرفه منذ الطفولة، ابن صديق والدها المقرب. سمعت عنه الكثير، عن خلقه، ودينه، وطموحه. لكن هل سمعته عن قرب؟ هل تعرفت عليه حقاً؟

تذكرت أول لقاء جاد بينهما، بعد أن عرض والدها فكرة الخطوبة. كان لقاءً رسمياً، في إحدى قاعات الاستقبال الفخمة، برفقة العائلتين. كان "أحمد" يبدو شاباً وسيمًا، مهذباً، ذو شخصية قيادية. تحدثا قليلاً، عن المستقبل، وعن أحلامهما. لكن "لؤلؤة" شعرت وكأن هناك حاجزاً خفياً بينهما. حاجزٌ من الخجل، ومن التحفظ، ومن ربما، عدم الإلمام الكامل بعمق شخصية الآخر.

"ثلاثة أيام،" كررت لنفسها. شعرت بشيء من الارتباك، وشيء من الحماس. هل هذا قدرها؟ هل هذا هو النصيب الذي اختاره لها الله؟

وقفت أمام النافذة، تتأمل السماء الزرقاء الصافية. كانت الشمس قد ارتفعت الآن، ونشرت دفئها على أرجاء المدينة. "لؤلؤة" لم تكن ممن يقاوم القدر، بل كانت تؤمن بأن ما يكتبه الله لها هو الخير. لكنها كانت تحتاج إلى وقت، وقت لتستوعب، وقت لتقترب، وقت لتعرف.

أخذت نفساً عميقاً، ثم عادت إلى كتابها. لكن عقلها لم يعد مركزاً على رحلة الأندلس. أفكارٌ أخرى بدأت تداعبها. أفكارٌ عن مستقبلٍ غامض، عن قلبٍ ينتظر، وعن لقاءٍ قادم، لقاءٍ قد يحمل معه بداية فصل جديد، فصلٌ عنوانه "الحياة الزوجية".

في تلك اللحظة، وبينما كانت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على وجنتيها، شعرت "لؤلؤة" بإحساسٍ غريب، مزيجٌ من القلق، والأمل، والفضول. كان الياسمين في الخارج لا يزال ينشر عبيره، وكأنه يبارك هذا التغيير القادم، وكأنه يهمس لها بأن القلوب حين تتلاقى على خير، فغالباً ما يكون ذلك لقاءً كتبه القدر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%